الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قنديل: سنعمل لتكون مصر بخير حتى تكون الأمة كلها بخير

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2011. 03:00 مـساءً
قنديل: سنعمل لتكون مصر بخير حتى تكون الأمة كلها بخير

 

عمان - الدستور

قال الإعلامي العربي الكبير الأستاذ حمدي قنديل: إن الثورة المصرية كانت نتاج معاناة الشعب من ممارسات القهر والقمع التي مارسها النظام المصري السابق بحقه.

واعتبر صاحب برنامج «قلم رصاص» خلال محاضرة له في «منتدى الدستور» الاربعاء الماضي حول «مصر بعد الثورة» قدمها الزميل خيري منصور وسط حضور نوعي كبير، أن الثورة المصرية ما زالت في مخاض التشكل وأنها لم تحدد بعد أولوياتها المحلية المصرية والعربية والإقليمية والدولية، مشيرا الى أن من شأن هذه الثورة أن تعيد لمصر دورها الإقليمي الحيوي.

وأكد قنديل أن الطبقة الوسطى في المجتمع المصري كانت المحرك الرئيس للثورة التي أكد انها كانت مصرية صرفة، بعيدا عن أي تدخل خارجي، مشيرا في هذا السياق إلى أن ارتكاز الثورة على الطبقة الوسطى حافظ على هدوء مسارها وسلمية انتقال السلطة الى المجلس العسكري، ما جنب مسار الثورة الخروج عن النهج السلمي المنضبط.

وكان رئيس التحرير المسؤول الأستاذ محمد حسن التل رحب بالحضور، مشيرا إلى أن «منتدى الدستور» أصبح منبرا على مستوى الوطن العربي. وقال «سنستمع اليوم لقامة إعلامية حول حدث كبير، لا شك أنه سيكون له تأثير كبير على مسيرة التاريخ العربي المعاصر».

الأستاذ خيري منصور:

أكرر الترحيب الذي بدأه الأستاذ محمد التل.

بقلمه الرصاص لاطمِ المخارز كلها، معلناً العصيان على تلك الحكمة الخرقاء، التي أفرزها زمن البطالة السياسية في وطننا، والاستنقاع الثقافي، وهي «كف لا تلاطم المخرز».

لم يقل حمدي قنديل للغول عينك حمراء، بل فقأها بقلمه الرصاص المدبب، لقد اجترح وطنه في أقاصي منافيه، وهو العربي المصري الذي عشق بلاده حتى افتداها. اسم اقترن بذاكرتي منذ صباي القاهري حيث كانت القاهرة ندّاهة اليتيم، وملاذ السراة إلى فجر أوشك أن ينأى ويستحيل.

في ذلك العقد الستيني الفريد من ربيع عربي مبكر، استبق كل ربيع، كان حمدي واحداً من سرب السنونو الذي بشّر بالشروق، وكان من قلة تألقوا كأقواس قزح على شاشات كانت بالأبيض والأسود، ثم صارت بالأسود والأسود بعد أن عم الظلام وصار البقر كله أسودَ في الليل، كما يقول هيجيل.

إعلامي عربي شاهد وشهد العقود الأربعة العجاف، ثم عاد إلى قاهرة الأعداء وآسرة العاشقين، كما يليق بمهاجر، فتاريخنا العربي الإسلامي امتاز عن بقية التواريخ في العالم بثقافة الهجرة، لأنه بدأ بها، ولكنه لن ينتهي حتى قيامة الناس وقيمومة الكتب.

أرحب به في عمان، وفي واحد من أعرق بيوتها، جريدة الدستور. وإن كان الترحيب بعربي مثل حمدي تجاوزاً على عروبته، فهو الذي يرحب بنا حيث يحل وحيث نحل، تماماً كما نرحب به في قاهرة المعز لدين الله والمذل لغزاتها وعلاقمتها.

شرفت ذات مساء بأن كنت ضيفَ قلمهِ الرصاصِ، وأشرف الآن أكثر بتقديمه لنقتسم معكم مساءً دافئاً مسقوفاً بالنجوم، حيث لا تحجب المسافات حفيف النخيل والجميز وحفيف العذارى الخالدات على ضفاف النيل الأبدي، والذي كان قدره منذ نبع –كما يقول الدكتور جمال حمدان- أن يجري شرقاً وأن تتحول الجغرافيا كعروبة إلى قدر تاريخي.

لم يمسك حمدي قنديل العصا من وسطها بحيث تنزلق من قبضة معروقة مرتعشة، كما فعل آخرون ممن يتكلمون بل يلثغون وأحياناً يرطنون بنصف لسان ويكتبون بالممحاة لا بالقلم.

أخيراً صديقي حمدي، قدر أقلام الرصاص أن تبرى وتخسر من لحمها وعظمها في المبراة لكي تكون أمضى، وهكذا كنت.. أرحب بالصديق العربي الإعلامي الكبير حمدي قنديل، وله الآن الكلام والإضاءة ولحضراتكم البوح بالأسئلة والهواجس ومشاركتي بالترحيب.

الأستاذ حمدي قنديل:

من أربع إلى خمس سنوات، وأعتقد أن ذلك كان في عام 2005، أجرت معي إحدى الصحف في مصر حديثا، ومن الأسئلة التي طرحها الصحفي أنه قال لي: لو أخذت فنجان قهوة مع رؤساء مصر الثلاثة ماذا تقول لهم في خمس الدقائق التي ستتحدث بها معهم.. فسألني ماذا ستقول لعبدالناصر؟ قلت سأخبره كذا وكذا.. وقال: ماذا ستقول للسادات؟ فأجبته بأنني سأقول له كذا وكذا.. وقال لي: ماذا ستقول لمبارك؟ فأجبته بأنني لا أشرب ثلاثة فناجين قهوة في اليوم.. كان يبدو أن هذا الحديث آلم الرئيس أكثر مما آلمته به في القلم الرصاص، إنما لحسن حظي أنه بعد سنوات قليلة وقبل أن أجبر بأن أشرب مع مبارك (فنطاس) قهوة انتقاماً للكلمتين اللتين قلتهما، أن أقف بينكم اليوم متشرفاً بهذا الحضور، ولي أن أزهو أن الذي وضعني في هذا المكان ثورة 25 يناير.

أنا لست بغريب على عمان كما تفضل الأستاذ خيري، فأول مرة أتيت بها إلى هنا كان في عام 1968، ففي ذلك العام كان المرحوم محمد كمال والوقت الذي كان فيه الأستاذ صلاح أبو زيد وزيراً للإعلام، حيث جئت مستشاراً للتلفزيون الأردني، وفي إحدى الليالي كان جلالة الملك الحسين رحمه الله في القاهرة يستضيفونه في حديث في التلفزيون المصري، وبعد الحديث كالعادة استضيف في مكتب وزير الإعلام الذي أوصاه خيراً بي، حيث قال لجلالته بأن أحد أبنائنا لديكم في عمان، فأمر جلالة الملك من حوله بأن يذكّروه بعد عودته إلى عمان بأن يستدعوني ليقابلني في المساء.. لكنني كنت في وضع آخر تماماً عما كان يظن جلالة الملك في ذلك الحين ووزير الإعلام في ذلك الحين.

بعد أيام من وصولي طلب مني الأستاذ محمد كمال رحمه الله تقديم برنامج مشابه للبرنامج الذي كنت أقدمه في الستينيات في التلفزيون المصري (أقوال الصحف)، فقمت بتقديم البرنامج، وبعد أن قدمت البرنامج مرت أيام لم أسمع بها كلمة واحدة من أي مسؤول في التلفزيون، لا كلمة إطراء ولا كلمة عتاب ولا كلمة هجاء، فمرت ثلاثة أو أربعة أيام وذهبت للأستاذ محمد كمال وسألته، فأجابني بأنهم يقومون بحل الموضوع مع دولة الرئيس «أبي عدنان»، رئيس الوزراء وقتها المرحوم بهجت التلهوني.. ففي أثناء وجود جلالة الملك الحسين في القاهرة كان نائب الملك الأمير الحسن بن طلال، وبالصدفة فتح التلفزيون فوجد شخصا غريبا عليه يفتي في أمور الامة وأمور الأردن وفي أمور العالم، ونحن في وقت لم يكن فيه أقمار اصطناعية ولم نكن نرى في بلدنا تلفزيونات الدول الأخرى، فأمر بإيقاف البرنامج، وحدثت الأزمة التي حدثت والتي انتهت أنه في ذلك المساء الذي كان به جلالة الملك الحسين في القاهرة يطلب بأن أقابله في اليوم الثالث عند حضوره إلى عمان جاءني معالي الأستاذ إبراهيم عز الدين الذي أشرف بصداقته منذ ذلك الحين، وكان مستشاراً إعلامياً في الديوان الملكي، ليبلغني بأن المسألة تم ترتيبها، وعلى أية حال إذا ألغي البرنامج أو لم يلغ فأنا على أية حال مكاني محفوظ مستشاراً لدائرة المطبوعات.

بالنسبة لي استمهلت بأن آخذ القرار، واتصلت مع مدير مكتب مصر للديوان وسألته عن أول طائرة ستغادر إلى مصر؟ فقال لي بأنها ستغادر الساعة السابعة صباحاً، فسافرت للقاهرة في اليوم التالي الساعة السابعة صباحاً. لكن لا تزال ذكريات عمان التي زرتها مرات ومرات منذ ذلك الحين..

أنا بالطبع أعذر سمو الأمير الحسن بن طلال، وبعد ذلك انضممت إلى منتداه، الفكر العربي، وتقابلنا مرات عديدة، كانت التكنولوجيا في واقع الأمر لم تتح لنا الاتصال بين شعوبنا في الستينيات، وإن كانت هي لنا السند الأكبر في إحراز حريات للإعلام لم تكن متاحة وفي رفع السقف أكثر مما كان عليه بكثير، لكن التكنولوجيا كانت فائدتها الكبرى بالنسبة لي كما أراها أنها قاربت بيننا نحن أبناء الوطن العربي، أصبحنا بعدما رأينا بعضنا البعض في القنوات الفضائية، أصبحنا نفهم لهجات بعضنا البعض، ونضحك لنكات بعضنا البعض، ونطرب لموسيقى بعضنا البعض، وعندما يشعل محمد البوعزيزي شرارة الثورة في سيدي بوزيد في تونس في هذه اللحظة المتوهجة التي تابعتها الأقمار الصناعية بتفاصيلها الدقيقة أحسسنا مرة أخرى أننا أمة واحدة. أحسسنا نحن الشعوب بأننا أمة واحدة في الوقت الذي كان رؤساؤنا فيه طالما تغنوا بشعارات العروبة عقودا وعقودا، رأيناهم جميعاً يتنصلون من هذه الشعارات ويخلعون ملابسهم قطعة قطعة وهم يتنكرون لهذه الأمة.. مصر ليست تونس، اليمن ليست مصر، سوريا ليست اليمن، هكذا قطعة قطعة، واحداً واحداً، تنصلوا من المبادئ التي كانوا يتغنون بها لعقود.

أنا في البداية، بعد تقديم الشكر لأسرة «الدستور»، وللحضور الكريم، لا أنكر عليكم أنني في واقع الأمر ترددت في الحضور عندما تلقيت الدعوة لأول مرة، ترددت في الحضور لأتحدث عن مصر الثورة، وأنتم جميعاً تابعتم كل ما حدث، والبعض هنا في هذه القاعة يدرون عما حدث في مصر أكثر من بعض أبناء مصر نفسها.. ترددت هل أحدثكم عن الثورة، وهل أنا هنا لأدعو إلى ثورة مصر! تعلمون بأن مصر ثورة 25 يناير ليست مصر ثورة 52 التي كان من شواغلها الأولى الدعوة خارج الحدود، لكن هذه الشواغل ليست شواغل مصر 25 يناير، صحيح أعلام سوريا واليمن وليبيا والبحرين رفرفت في ميدان التحرير أياما، وصحيح قبل 25 يناير في مناقشتها كانت ترفرف دائماً في مناقشتنا، وكان النفس القومي يغمر مناقشاتنا ويظلل حركتنا، لكن مطالب يوم 25 يناير البسيطة في مظهرها، الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، هذه المظاهر البسيطة في مظهرها كانت بقدر ما هي مطالب إنسانية لكنها كانت مصرية صرفة، أو هكذا بدت لنا في مصر أو لكثير منا في مصر أنها مصرية صرفة، فكيف ترونها أنتم؟ كان هذا شاغل تفكيري وأنا قادم إلى عمان، غلب في داخلي الصحفي على السياسي فبحس الصحفي أسأل: كيف ترون أنتم ثورة 25 يناير؟.

الوجه القومي للثورة المصرية أعتقد أنه بدأ يكشف عن نفسه تدريجياً وخاصة بالنسبة لإسرائيل، وتبين هذا في بضع خطوات حدثت مثل فتح معبر رفح، مثل إيقاف إنشاء الجدار الفولاذي، ومثل المصالحة الفلسطينية، ومثل رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثلاث مرات ثلاثة طلبات من قادة إسرائيل للقيام بزيارة رسمية للقاهرة عبر الشهور الماضية، حيث تقدموا بثلاثة طلبات رسمية ورفضت الزيارات في المرات الثلاث.

بالطبع، يتضح هذا الوجه العربي لثورة 25 يناير في رفض مد إسرائيل بالغاز. صحيح أننا نأسف بأن الأردن يتكلف 4-5 ملايين دولار في اليوم نتيجة لإيقاف الغاز للأردن مع تفجير الأنابيب التي تنقل الغاز إلى كل من الأردن وإسرائيل، إنما الخسارة الكبيرة لمصر، ليست فقط خسارة 13 مليون دولار كل يوم فرق الأسعار، إنما خسارة الكرامة أن نذعن لإسرائيل لكي نمد آلتها العسكرية والمدنية بالغاز، كانت خسارة فاجعة. تفجير أنابيب الغاز لا أشك أبداً بأن الذي قام به أبناء مصر في سيناء، من المؤكد أنهم من قاموا بالتفجير ثلاث مرات متتالية، ومن المؤكد بأنه ليس حزب الله من قام بالتفجير، لأن كل من حركة حماس وحزب الله حريصان كل الحرص على العلاقة الطيبة مع مصر حتى تنجلي الأمور.

أيضاً نرى هذا الوجه العربي في أحاديث مرشحي الرئاسة لمصر جميعاً، باختلاف اتجاهاتهم جميعاً لا يستطيع أحد منهم أن يتفادى ذكر موقفه بالنسبة لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل التي يتنادى المصريون مرة لإلغائها ومرة لتعديلها.. إنما في كل الأحوال اتفاقية السلام كما هو معروف للجميع غير مرضية للشعب المصري ومن المؤكد أنه في الأسابيع الأخيرة كما تعلمون صدرت نداءات من أحزاب مختلفة ومن شخصيات مختلفة تنادي على الأقل بتعديل هذه الاتفاقية.

سياسة مصر العربية من المؤكد أنها تغيرت، لكن في واقع الأمر العالم لم يعرف بعد ملامح السياسة الجديدة، لا إزاء العرب ولا إزاء العالم، من الواضح أننا وقفنا في مصر عند حد إرسال إشارات إيجابية تجاه طهران لكن دون أن نستعيد العلاقات كاملة، مقيدين بالحرص على الخليج. كذلك في الشأن العربي أحجمنا عن اتخاذ إجراءات جذرية، صحيح أننا نرى الإعلام المصري مشبعا بالتعاطف مع الثورات والانتفاضات والهبات وحركات التغيير العربية، لكن السلطة في مصر ليست على نفس الموجة إزاء سوريا وإزاء اليمن.. هناك شبه صمت، إزاء ليبيا اكتفت السياسة المصرية بوساطة خجولة، إزاء دول الخليج هناك دبلوماسية هادئة أساسها الحرص ومراعاة ضمان استمرار الاستثمارات العربية في المقام الأول، لكن في الواقع لا بد هنا ونحن نتحدث عن سياسة مصر الخارجية بعد الثورة من الإشارة إلى قرار هام اتخذته مصر، وهو رفض القروض الأجنبية خاصة من صندوق النقد الدولي، الميزانية الأولى بعد الثورة والأخيرة التي صدرت منذ أيام صدرت ميزانية التقشف بالرغم من احتياجات مصر الاقتصادية إلا أنها خالية من أية قروض أجنبية، وهذا كان موقفا واضحا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لأن الحكومة في البداية قدمت ميزانية بها قروض، والمجلس العسكري أخذ قراراً واضحاً بأنه لا قروض أجنبية على الإطلاق، وخاصة من صندوق النقد الدولي، وهذا في واقع الأمر يعبر عن اتجاه واضح لنا على الأقل الذين نعرف المجلس العسكري أو نعرف بعض أعضائه، أو نعرف عن المشير ما نعرف، ففي الحقيقة المشير الطنطاوي ليس معروفا عنه الكثير في مصر، شأنه شأن قادة الجيش النموذجيين، لا يتحدثون، لكن القصة الوحيدة المعروفة عنه في السنوات الاخيرة هي أنه وقف في مجلس الوزراء أيام كان وزيراً للدفاع في عهد مبارك، حيث وقف وقفة صارمة إزاء سياسة الخصخصة، ويعرف البعض منا أنه في إحدى الجلسات دق بيده على المائدة وقال بإن مصر لن تخصخص، في الوقت الذي كان فيه رئيس مصر هو الداعي الأول لسياسة الخصخصة.

لم يغر المجلس العسكري، ولم يغر الحكومة المصرية، ولم يغر المصريين المليارات التي عرضت في الشهور الأخيرة والتي لا أعرف عددها، فأحياناً يقولون 120 مليار دولار من أميركا، وعنوان آخر يقول بأن الاتحاد الأوروبي رصد 10 مليارات دولار، وتجربتنا في بلدان مختلفة وفي قضايا مختلفة، ففلسطين مثلاً وعدت بما وعدت به ولم يأت من المليارات إلا ملايين قليلة..

في الحقيقة الذي نعرفه من المليارات التي أعلن عنها من أميركا أن هناك 40 مليون دولار دفعت من بداية الثورة حتى الآن للمجتمع المدني، وأثارت الكثير من علامات الاستفهام، دفعت 40 مليون دولار بتصريح واضح من السفير الأميركي في القاهرة للمجتمع المدني لحفز المصريين على اتباع سياسة ديمقراطية، بالطبع هذه الملايين أثارت شكوكا كثيرة خاصة ونحن نعلم أنه في الفترة الأخيرة، وأنا أعلم شخصياً من شباب من الذين شاركوا في يوم 25 يناير، كيف حاولت أميركا وغير أميركا أن تستقطبهم، البعض وعدوا بمنح دراسية والبعض وعد بوظائف بمرتبات خيالية بالنسبة لهم، حتى أن بعضهم وعد بالانفاق عليه مدى الحياة، ومن قال هذه المعلومات هم الشباب أنفسهم الذين تلقوا هذه الدعوات.

أعتقد أن بعضكم يمكن أن يكون لديه حق ما دمنا أتينا على ذكر المشير بأنه من الممكن أن المشير وغيره من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد يكونون أقرب إلى الولايات المتحدة، قد يكونون قريبين بحكم العلاقة العسكرية الطويلة مع الولايات المتحدة والتسليح الأميركي والاحتكاك والزيارات والاتصالات، إنما أنا في هذا أكتفي بأن أقول إنهم كانوا أقرب إلى قائدهم الأعلى مبارك، كانوا يدينون بالولاء له كقائد أعلى للقوات المسلحة، كانوا يدينون له بمناصبهم، لكنهم انقلبوا عليه في اللحظة الحاسمة، التي كان عليهم فيها أن يعلنوا عن خيارهم، أعتقد أن من يرفض أوامر القائد الأعلى من المؤكد أنه لن يوالي أميركا ولا غير أميركا على حساب مصر، أظن أنه لا حاجة لي أن أذكِّر بالدور التاريخي لجيش مصر في اللحظات الحاسمة من تاريخها.. مؤسسة الجيش بعد قيام الثورة وبعد أن عرفنا عددا من أعضاء المجلس العسكري الذين كانوا يقولون لنا، وأنا أثق في كلامهم، إنه ليس من عقيدة الجيش المصري الانقلاب، وقالوا بأنهم قرروا بينهم وبين أنفسهم قبل الثورة ألا يقوموا بانقلاب على الرئاسة إلا في حالة واحدة، إذا ثبت لهم فعلاً أن هناك خطواتٍ عملية تتخذ لتوريث الابن (جمال مبارك)، وعندما أحسوا في الأيام السابقة للثورة مباشرة بأن المشروع في سبيله إلى التنفيذ، كانوا قرروا بينهم وبين أنفسهم أن ينتظروا إلى اللحظة الأخيرة فيعلنوا موقفهم، وعندما أعلنت الثورة في 25 يناير كان هذا هو الدافع الاكبر لهم أن يقفوا إلى جانب الثوار.

في السياسة المصرية الخارجية الآن، ما دمنا تطرقنا لها، لا شك أنكم تدركون أن هناك ثلاثَ مسائل تعلو على غيرها، هذه المسائل هي ضبط الخيوط الجديدة الدقيقة للسياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية وبالتالي تجاه إسرائيل، ثانياً موضوع مياه النيل، والموضوع الثالث هو حديقة مصر الخلفية في السودان. لكن، أنا أستطيع أن أجزم أن هذه القضايا الثلاث جميعاً بالنسبة للثورة المصرية لا تزال قضايا ثانوية، وأن القضية الأولى التي تعلو على هذه القضايا جميعاً هي بناء مصر من الداخل، أو قبل أن نبدأ بالبناء هدم أعمدة النظام القديم وتنظيف الجرح المتقيح حتى نستطيع العلاج، نحن في هذه المرحلة علينا هدم البناء القديم، والحساب أولاً، ولا أظن أننا ونحن ننادي بالحساب - وأظن أن هذه دعوة للشعب المصري كله تتجدد وستتجدد يوم الجمعة القادم (أمس الأول) في المظاهرات الكبرى التي نرجو أن تكون مليونية في القاهرة وفي غيرها - لا أظن أننا ونحن نطالب بالحساب ندعو للانتقام، ليس فقط لأن شعب مصر كما تعلمون هو شعب متسامح، وشعب طيب؛ ولكن لسبب مهم أن من أشعل هذه الثورة، لحسن حظ مصر، الفتيل الأول للثورة هم الطبقة الوسطى، وأقول لحسن حظ مصر لأنه لو تأخرت الطبقة الوسطى لكان سيحدث في مصر ثورة جياع لا تبقي ولا تذر، لا تبقي على أخضر ولا على يابس، فمن حظنا أن الطبقة الوسطى في مصر هي التي أشعلت الشرارة الأولى.. أشعلتها النخبة المصرية، أشعلها قادة الرأي في مصر، سار في وسط الناس مليارديرات، أعرف منهم صديقا عزيزا اسمه محمد متولي وهو ملياردير، ومن الممكن أن لا أحد يعرف باسمه لأنه لا يحب أن يظهر في المجتمعات وفي صور السهرات وما إلى ذلك، كاد يفقد عينه ووجهه أصيب، حيث سار في كل المظاهرات من يوم 25 يناير لغاية يوم 12 فبراير، وأيضاً المهندس الاستشاري العالمي ممدوح حمزة وهو واحد من كبار أصحاب الأموال في مصر كان من الذين تصدروا الصفوف، وغيرهما، فالثورة لم تكن ثورة الجياع، لكن كانت في البداية ثورة الطبقة المتوسطة، وفي أسبوعها الأخير لولا أن انضمت نقابات العمال لها لما كانت هذه الثورة نجحت، ففي النهاية كانت ثورة الشعب المصري كله..

شعب عظيم، ينجلي الغبار عن رونقه في وقت الشدة، هذا الشعب لن ينتقم، لكن هذا الشعب سيحاسب، وسيحاسب أولاً وسيحاسب بالضرورة حسني مبارك، وبالرغم من كل الشائعات المقلقة عن تأجيل هذه المحاكمة التي من المقرر أن تبدأ في 3 اغسطس، بالرغم من ذلك سيحاكم حسني مبارك..

أقول: إن هناك ظواهر مقلقة، المقلق طبعاً وجوده في شرم الشيخ، المقلق ما يقال عن صحته، وما يشيعه أساساً محاميه، ففي يوم يقال بأنه لا يستطيع الذهاب إلى الحمام إلا بمساعدة أحدهم، وفي يوم يقال بأن معه السرطان في مراحله الأخيرة، ومرة أخرى يقال أنه يجب أن يأتي له بأطباء من ألمانيا، وعدا صحته لا ندري من الذي يزوره بالضبط، فمرات يزوره المتحدث الرسمي السابق في رئاسة الجمهورية، ونشك بأنه يزوره شخصية غامضة، المستشار المالي لسلطان عُمان عمر الزواوي، الذي كان قريب الصلة به إلى حد كبير، وكان يزوره كل أسبوع ومن المؤكد أن لديه دولاب أسرار مالية مبارك وعائلة مبارك.

يقلقنا من الذين حوله ولماذا حوله 222 من الحرس والخدم والحشم التابعين لرئاسة الجمهورية الذين يتقاضون في مجموعهم مليوني جنيه كل شهر، كل هذه حكايات مقلقة، والصلات المفتوحة بين شرم الشيخ وخارج مصر مفتوحة إلى أي حد؟!.

التقيت أنا قريباً بشخصية عسكرية مهمة، قائد قاعدة ألمازة الجوية السابقة، حيث قال لي بأن الرئيس كانت تحت إمرته 14 طائرة خاصة من الطائرات العابرة للمحيطات، فطائرة بها غرفة نوم وصالون وطائرة أخرى بها غرفة نوم وقاعة اجتماعات وثالثة بها غرفتا نوم، وواحدة لونها بنفسجي وأخرى لونها (روز)، طائرة تأخذ زوجة الرئيس إلى فرنسا وتعود بها في نفس اليوم، وطائرة تذهب لبريطانيا لجلب السيد جمال مبارك ليتعشى في القاهرة وبعدها يعود للندن، وطائرة تذهب لتأتي بحذاء لزوجة الرئيس لأنها ستحضر (فرح)، وطائرة تجلب فستانا.. فالفساد كان للرقاب وليس للركب، وكان الناس القريبون من الحكم لم يكن أحد منهم مدركا حجم هذا الفساد ولا مداه، وأظنكم اطلعتم على كثير من القصص والكثير من الحكايات.

الفساد في مؤسسة مثل التلفزيون، كنا نحاول في الشهر الأخير أن نعرف كيف ستفك أزمة التلفزيون المالية، وكيف ستدفع الرواتب بداية الشهر، كامل المرتبات أول الشهر لـ43 ألف موظف، فقيل لنا إن المرتبات 120 مليون جنيه يجب أن تدفع في أول الشهر، بعد بحث طويل وعريض استغرق أسابيع عرفنا بأن مجمل مرتبات العاملين في التلفزيون 28 مليون جنيه من المبلغ الذي قيل لنا في البداية أنه يجب أن يدفع أول الشهر، وما زال السؤال الذي يحيرنا حتى الآن، إذا كنا دفعنا الـ120 مليون جنيه هذه أين كان سيذهب الفرق بين 28 مليونا وبين الـ120 مليونا؟!.. أعتقد أن مؤسسات أخرى كان فيها ما هو أقرب إلى هذا الفساد.

ضرورية إذن «المحاكمات»، لكن من الضروري التأني، وإلا سنواجه في الأيام والأسابيع القادمة ما واجهناه في الأمس، فبالأمس كان مهرجان أحكام البراءة، بالأمس أربعة وزراء حصلوا على أحكام براءة في عدد من قضايا الفساد، تم تبرئة رئيس الإذاعة والتلفزيون السابق، وأربعة وزراء حصلوا على أحكام براءة، لكن وزيرا واحدا وهو وزير الصناعة الهارب حصل على حكم بالحبس خمس سنوات.

أحكام البراءة صدرت فيما أعتقد لأنه كان هناك استعجال بالمحاكمات لم يمكن النيابة من أن تقدم الدلائل بشكل محكم، ولهذا النيابة الآن على أية حال تستأنف هذه الأحكام، لكن المحاكمة المهمة بين هذه المحاكمات ليست المحاكمات في قضايا الفساد، أعتقد ان المحاكمات الاهم الآن والاكثر حساسية هي المحاكمات للضباط، ضباط الداخلية المتهمين بقتل الشهداء، وهنا نجد مفارقة غريبة، أن الضباط يقدمون في الصباح للمحاكمة، وفي المساء يزاولون أعمالهم، ويمارسون كل أنواع الترهيب والترغيب على أسر الشهداء وأسر المصابين بعرض دية من ناحية أو بالتهديد بتدبير مشاكل وتدبير قضايا لأهالي الشهداء، هذا الذي يثير في الوقت الحالي الكثير من القلق لدى الثوار، ويثير أكثر من علامة استفهام حول ما يجري في مؤسسة الأمن.

يوم الثلاثاء الماضي حصل صدام بين قوى الامن وبين الثوار، بدأت هذه الحكاية في مسرح البالون.. كانت جمعية من الجمعيات تقيم حفل تكريم لعائلة أحد الشهداء، ففلول الحزب الوطني دبرت سيارتي نقل تحمل عددا من البلطجية ذهبوا للمكان وقاموا بتكسير المسرح.. الحماس المشتعل حول المسرح قاد هؤلاء الناس للانتقام لعائلات الشهداء.. وكيف لا ترصد الميزانيات اللازمة حتى الآن للتعويضات..الخ، فقادوهم إلى احد الاماكن أمام التلفزيون ومن هناك إلى ميدان التحرير، وفي ميدان التحرير انضمت عناصر أخرى غير معروفة أبداً للثوار الذين كانوا مسالمين طوال الوقت، انضم لهم عناصر من الفلول بالأسلحة البيضاء وبزجاجات الميليتوف وحصلت معركة بين هؤلاء وبين قوات الأمن التي تدخلت تدخلا أهوج مبالغا فيه فحصلت المأساة التي حصلت في ميدان التحرير مساء الثلاثاء واستمرت حتى يوم الأربعاء.

بالطبع، يتضح لنا في مصر مما حدث يومي الثلاثاء والأربعاء أن الأمن هو المهم، وأن هذا الانفلات الامني لا بد أن يتوقف، وإن كان البعض يقول بأن هناك انفلاتا إعلاميا ايضاً يمكن أن يكون أهم وأكثر تأثيراً من الانفلات الأمني، وبالتأكيد هناك انفلات إعلامي ومبالغات في الإعلام، وبالتأكيد هناك أخبار خاطئة، ومن المؤكد بان هذا سيزيد في الأسابيع والشهور القادمة، على ما أعتقد، لزيادة عدد الصحف وزيادة عدد القنوات التي ستتنافس على كعكة محدودة للإعلام، حيث ستضطر لاستخدام أسلوب الإثارة للتنافس فيما بينها، وأعتقد أن هذا سيؤدي إلى مشاكل كبيرة تؤدي إلى انفلات اكبر في ميدان الإعلام، لكن على أية حال فالانفلات الأمني هو الأهم، لان ضبطه سيفتح الباب أمام السياحة، لأن السياحة موقفها في الوقت الحالي معقول، ففي شهر مايو كان لدينا 400 ألف سائح بعد ان كانوا في شهر فبراير لا أكثر من 50 ألف سائح، لكن في الوقت الحالي هناك 400 ألف دخلوا إلى مصر في الشهر الماضي، ومن ذهب إلى مصر في الفترة الأخيرة يشعر بأن هناك عودة للأمن تدريجياً وأن القاهرة إلى حد كبير أصبحت آمنة ومن الممكن أن نستقبل مزيدا من السياح في المستقبل.

الأمن على أية حال سيحل مشكلة السياحة، والأمن سيحل مشكلة الاقتصاد، والاقتصاد في مصر بالرغم من المصاعب الحالية إنما أعتقد أنه على ما يرام، الجنيه المصري لم يفقد في الخمسة شهور الأخيرة أكثر من 1 بالمائة من قيمته، وهذا إنجاز كبير، البورصة لم تفقد أكثر من 25 بالمائة من الأموال المتداولة فيها، وهذه نسبة معقولة، المصانع 70 بالمائة منها يعمل، وهذه نسبة في ظروف مثل التي نحن بها هي نسبة معقولة جداً، والمجلس العسكري ممكن أنه ارتكب خطأ في البداية بأنه قام بعمل حالة ذعر لنا بأن اقتصاد البلد ينهار، ممكن انه فعل ذلك لكي يحث الناس على العودة إلى العمل، لكن في حقيقة الأمر فالاقتصاد لم ينهار، الاحتياطي النقدي الذي كان يوم الثورة 36 مليار دولار الآن حوالي 26.5 مليار دولار، أي لم يفقد إلا 9.5 مليار دولار في الشهور الماضية، وهذا مبلغ ليس كبيرا، والمبلغ الموجود يكفي مصر لاستيراد ما تحتاجه لمدة ستة أشهر قادمة، دخل قناة السويس يزداد الزيادة الطبيعية التي تقدر تقريباً بـ9-10 بالمائة سنوياً، وما زالت مستمرة نسبة هذه الزيادة. الأمن سيفتح الباب بالطبع إلى الديمقراطية، الأمن هو الذي سيتيح الانتخابات.

مظاهر القلق موجودة لدينا، لكن القلق موجود من الناحية الاقتصادية ومن الناحية السياسية، والناس في مصر قلقة من عدد الأحزاب الزائدة التي شكلت في مصر، حيث شكّل في مصر في الفترة الأخيرة أحزاب ليس لها أول ولا آخر، ما شكّل في مصر حتى الآن 5-6 أحزاب، لكن رأينا في اليابان مثلاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتهاء الاستعمار الأميركي كان هناك حوالي 400 حزب في اليابان، و300 حزب في اسبانيا بعد فرانكو، وفي تونس الآن 82 حزبا، لكن في مصر من حسن حظنا فيما يتعلق بهذه النقطة بالذات أن عدد الأحزاب الجديدة لا يزيد عن 5-6 حتى الآن، ويمكن قبل إجراء الانتخابات القادمة ألا يزيد عدد الأحزاب التي ستسجل في الأسابيع القادمة عن 5-6 أحزاب أخرى، على أي حالة الشعب المصري لديه ثقة كبيرة بأنه سيتعدى مرحلة القلق هذه، وأنه سيصون الثورة ويحميها من الاختطاف.

نحن لا نزال نتذكر أن ثورة 52 اختطفت بعد 18 سنة، حيث اختطفت في عام 1970 بعد وفاة عبدالناصر وتولي السادات الحكم، ولأن رموز ثورة 52 كان لديهم ثقة زائدة في أنفسهم فنتيجة لهذه الثقة الزائدة هذه الرموز جميعاً قام السادات بلملمتهم بدقائق.. وزير الداخلية مع وزير الحربية مع وزير الإعلام مع القائد العام للقوات المسلحة الذين أعلنوا استقالاتهم في لحظة وظنوا بكبريائهم الزائد أن البلد سيقع إذا استقالوا، لكن البلد لم يقع، بل وقع في يد أنور السادات، فعلينا أن نتذكر أن ثورة 52 اختطفت بعد 18 سنة، وهذا ليس زمنا طويلا في عمر الشعوب، إنما من المؤكد أننا متنبهون في الوقت الحالي ألا تختطف ثورة مصر، لأن الناس العاديين هم الذين سيحمون هذه الثورة..

أريد أن أتحدث عن حكاية فيلم وزع مؤخراً في الأسواق، بطله كان من الذين خرجوا أيام الثورة قبل أن ينهار حكم مبارك، وشتم شباب الثورة، وقال بأنهم يمارسون الجنس مع بعضهم في ميدان التحرير وما إلى ذلك، حيث أخرج فيلما باسم (الفيل في المنديل)، ظهر الفيلم وسقط سقوطا ذريعا، لأن الشعب العادي البسيط لم يذهب لدور السينما، هذا الشعب البسيط اكتشف في لحظة واحدة، اكتشف نفسه، اكتشف أن المنديل لا يوجد به فأر ولا فيل لا بد أن يحاصرهم، وهذا ما يتم في الوقت الحالي، وهذا ما يزيد ثقتنا بأننا نستطيع أن نحمي هذه الثورة. نعدكم بأن نعمل بقدر طاقتنا على أن تكون مصر بخير حتى تكون الأمة كلها بخير، نحن نقدر هذه المسؤولية، وإن شاء الله نكون أهلا لتحمل هذه المسؤولية. وشكراً جزيلاً لكم.

الدستور: نفتح الآن باب الحوار والأسئلة.

علي الخرابشة: أريد أن أسأل هذا المفكر وهذا المجرب ما الحل بما حدث في أم العرب وأم الدنيا، وقد تكون قطعة كبيرة ممثلة للقطع الصغيرة في سائر بلاد الدنيا، ما الحل؟.

الأستاذ حمدي قنديل: ما الحل.. سؤال صعب لأن إجابته مداها واسع، إنما لو أخذت الحل القريب المدى أقول ان الفترة الحالية فترة حرجة وحساسة ومقلقة جداً في تاريخ مصر، ومن الضروري أن نمر منها بسلام بالرغم من صعوبتها علينا جميعاً، والصعوبة تتمثل في أنه لا الجيش حكم من قبل، ولا نحن النخبة حكمنا، ليس لدينا تجربة الحكم، الجيش كان دائماً بعيدا عن تولي مقاليد الأمور، ونحن لم يتح لنا، فلم يعد هناك صف ثان في مصر تقريباً.. أقول بأنه عرض علي مؤخراً أن أكون رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ولكن اعتذرت، واعتذرت بوضوح وبصراحة وقلت: بإنه ليس لدي خبرة في الإدارة، فلم يتح لي أنا أو أمثالي بأن يقلدونا مناصب نستطيع فيها أن ندير أجهزة البلد ومؤسساتها، كل واحد كان يبرز كان ينسف من جذوره، ولذلك لم يعد هناك صف ثان. صحيح أن الجهاز البيرقراطي في مصر جهاز ضخم وعريق وكبير كماً وكيفاً، إنما هناك مشكلة إدارة في مصر، وهناك مشكلة حكم ومشكلة سلطة، نحن يجب أن نتغلب على هذه الفترة بأن تكون عيوننا مفتوحة لأن لا تسرق منا الثورة، وسوف تسرق منا الثورة إذا سمح لفلول العهد البائد بأن تستمر في مواقعها، وهي مستمرة في مواقع متعددة، فقد حل الحزب الوطني الديمقراطي بقرار محكمة، وصحيح أن هناك عددا كبيرا من أقطاب الإعلام والأقطاب في مؤسسات أخرى عزلوا من مناصبهم، لكن ما زال الكثير من (الأرجوزات) موجودين في مصر.

تخطي مرحلة الانتقال هو الأهم لكي نصل إلى حل، أما إذا كان الحل الذي يقصده صاحب السؤال يعني به الدول العربية جميعاً فأعتقد هنا أن الموضوع أكثر تعقيداً.

المهندس سري زعيتر: ما رأي المحاضر في الجدال القائم في مصر حول موضوع الدستور أولاً أو الانتخابات أولاً على ضوء مسألتين، الأولى الحملة على الإخوان المسلمين، علماً أن السيناتور جون كيري قبل فترة صرح أن علينا أن نبذل كل الجهود حتى لا تتحول مصر إلى دولة إسلامية، ونتيجة الاستفتاء الذي حصل بأن الاتجاه الذي دعا إلى الانتخابات حصل على 77 بالمائة.

الأستاذ حمدي قنديل: الدستور أولاً والانتخابات أولاً.. كان هذا الشغل الشاغل للنخبة في الأسابيع الماضية، أنا من دعاة الدستور أولاً، إنما كانت مشكلتنا الأولى أنه يجب أن توضع مواد دستورية تحول دون أن تتحول مصر إلى دولة غير مدنية، كانت مخاوفنا أساساً من الإخوان المسلمين أو من التيارات الإسلامية، لكن مع تفاقم هذا النقاش في الأسابيع الماضية تبين للكثيرين أن هذه المناقشة مشكلة بين النخبة فقط، وأنها مشكلة بعيدة كل البعد عن الشعب، ولذلك مؤخراً وفي الأيام القليلة الماضية فقط قرر الذين نظموا احتجاج يوم الجمعة القادم (أمس الاول) ألا يطرحوا موضوع الدستور أولاً ولا الانتخابات أولاً في هذه المظاهرة الكبرى، ومن حسن الحظ أيضاً أن الإخوان المسلمين الذين كانوا قد قاطعوا مظاهرة الجمعة أعلنوا اليوم صباحاً (الاربعاء الماضي) أنهم سينضمون إلى هذه المظاهرة.

الخوف من الإخوان المسلمين ومن السلفيين مبالغ فيه كثيراً في مصر، من السلفيين بالذات مبالغ فيه إلى حد كبير، أولاً السلفيون صحيح أنهم أقلقونا مرة بقطع الأذن ومرة بالهجوم على الأضرحة، إنما السلفيون في نهاية الأمر ليسوا جماعة واحدة وإنما جماعات متعددة بعضها مع وبعضها ضد، ولا يشكلون كتلة واحدة. الأمر الثاني أنهم كانوا على مدى سنوات طويلة أسرى نظام القمع، كانوا كما لو كانوا وحوشا كاسرة في أقفاص، وعندما انكسر القفص وانهارت أعمدته انطلقوا في الساحة بشكل أرعب الكثيرين، ليس فقط من المسيحيين وإنما من المسلمين أيضاً، لكن في نهاية الأمر أقول انهم لم يحتكوا بالحياة العامة، وكلما أتيحت الفرصة لهم أن يحتكوا بالحياة العامة ويحضروا معنا اجتماعا في يوم ويتناقشوا معنا في يوم آخر ونختلف معهم اليوم ويهاجمونا غداً ونحن نهاجمهم بعد ذلك... أعتقد مع مرور الوقت ومع الاحتكاك ومع الانخراط في عمل سياسي مكشوف علني سيتم ترويضهم وسوف تقل إلى حد كبير حدة التطرف لديهم، أما الإخوان المسلمون فهم في نهاية الأمر صحيح انهم أكثر تنظيماً واكثر استعداداً، إنما لن يشكلوا نسبة في أي برلمان قادم أكثر من 20-25 بالمائة كما يعتقد الكثيرون منا، ثم أنهم أنفسهم أعربوا أكثر من مرة، وأنا أصدقهم في هذا، أنهم لا يريدون حتى لو استطاعوا أن يحصلوا على الأغلبية في البرلمان القادم، أي لا يريدون أن يشكلوا حكومة لأنهم من الذكاء بحيث لا يتولون حكومة سوف تواجه مصاعب كبرى في الأربع أو الخمس سنوات القادمة إذا استمرت هذه الحكومة أربع او خمس سنوات هي عمر البرلمان. من المؤكد أنهم يفضلون في هذه السنوات أن يأخذوا خطوة إلى الوراء وألا يتصدروا المشهد، لذلك الخوف منهم خوف مبالغ فيه إلى حد كبير..

أنا أترحم كثيراً على أيام ما قبل 25 يناير، فقبل 25 يناير كنا نحن جميعاً صفا واحدا، يسارا ويمينا وشيوعيين وإخوانا مسلمين، وكانت الأهداف محددة وواضحة، وكان لدينا سبعة أهداف هي الحد الأدنى للمجتمعين، وكنا نعقد اجتماعاتنا في الغالب في مقر الإخوان المسلمين، لأننا يجب أن نعقد اجتماعاتنا في مقر نواب المعارضة، وبما أن 90 بالمائة من نواب المعارضة كانوا إخوانا مسلمينا فكنا نعقدها في مقر نواب الإخوان، والحقيقة أشهد للإخوان المسلمين طوال هذه المدة، في السنة الأخيرة بالذات، طوال هذه المدة لم نر في مقرهم عند عقد أي مؤتمر شعار «الإسلام هو الحل» مرفوعا، ولا حشدوا لنا أحدا من الأعضاء ليهتفوا هتافاتهم المعتادة، وإنما كانوا رفقاء شأنهم شأن بقية الرفاق.

بعد أن حققنا الأهداف وفي مقدمتها انهيار نظام الحكم الأخير وقيام الثورة، بعد هذا كان من الطبيعي أن يتنافس الكل. أنا عضو في الجمعية الوطنية للتغيير، التي انضم فيها الحزب الشيوعي وفيها الإخوان المسلمون وفيها حزب الغد وحزب الكرامة وحزب الوسط وحزب الوفد..الخ، وفيها ثلاثة مرشحين للرئاسة وهم البرادعي وحمدين صباحي وأيمن نور، فممكن أن نكون قوة واحدة حتى نقضي على النظام، لكن بعد أن نقضي على النظام لا شك أنه سيفتح باب التنافس أمام الجميع ويفرط هذا العقد ويكون هناك تركيبة جديدة، لا شك أنها ستكون مقلقة إلى حد ما، لكن يجب ألا تقلقنا كثيراً. أنا سعيد بأن الجمعة القادمة (أمس الأول) ستكون جمعة لاستعادة وحماية الثورة، وأن مطلب الدستور أولاً والانتخابات أولاً مطلب ينزل إلى الحد الأدنى من الأهمية. أنا أرى أن جماعة 6 ابريل للشباب، فالشباب سيخرجون شعارا جميلا يوم الجمعة، بدل الدستور أولاً وبدل الانتخابات أولاً، وهو شعار (الفقراء أولاً).

أمين محمود- أستاذ جامعي: شكراً للأستاذ حمدي قنديل على هذا العرض الشيق.. طلبت منا أو سعيت إلى معرفة ماذا نفكر إزاء مصر، خاصة في هذه المرحلة. مصر لها مركزها في العالم العربي، هي الرائد وهي القائد، أيام عبدالناصر كانت كلمة من الرئيس تحرك الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، بعد وفاته وبعد كامب ديفيد والعزلة التي أصابت مصر، العزلة لم تقتصر على مصر، وإنما العالم العربي في مجمله أصبح في حالة ضياع، وأتيح المجال لقوى إقليمية أن تأخذ زمام المبادرة.. كنت قبل فترة في جولة في دول غربية، لأول مرة كإنسان عربي شعرت بكبريائي حينما كنت أستمع إلى الغربيين وهم يتحدثون ويمجدون حركة الشعب العربي المطالب بالديمقراطية وبالحرية، وخاصة حينما وصلت الأمور إلى مصر..

ما يجري الآن وما جرى في نظري حركة عفوية، حركة شباب ثار على الظلم، لم تأت نتيجة تنظيم يساري أو يميني.. الآن لمست عند المحاضر الكريم تأرجحا بين التفاؤل والقلق، وهذا ما أقلقني، اكتفيت بالقول إن الناس البسطاء سيحمون الثورة، هذا كلام جميل، ولكن ما هي الضمانات. هل استطاعت الثورة إزاء هذه التحديات الخطيرة التي تواجه أن تبدأ في بناء تنظيمات من داخلها، لا أتكلم عن التنظيمات الموجودة سابقاً، من خلال الممارسة العملية ومن خلال الثورة لا بد أن تتبلور تنظيمات، فهل هناك ما يبشرنا بالخير؟.

الأستاذ حمدي قنديل: بالطبع، أنا أبديت قلقا وأبديت تفاؤلا، هذا تشخيص صحيح.. كان الدكتور علاء الأسواني له مقال بالأمس يقول فيه ان الذي فشلنا فيه أنه في اليوم الذي أقصي فيه حسني مبارك عن الحكم لم نبق في الميدان، وكان يلوم الكل أنهم لم يبقوا في الميدان ويشكلوا قيادة لهذه الثورة تفرض مطالب هذه الثورة على الجميع.. وأنا شاركت في أكثر من اجتماع، وهناك اجتماعات لم أشارك فيها، وكانت هذه الاجتماعات قبل الثورة بشهرين أو ثلاثة أشهر، طرح فيها أنه في يوم من الأيام، حيث لم نعتقد أنه سيكون قريبا إلى هذا الحد، إنما في يوم من الأيام قد يكون قريباً سوف يحدث انقلاب في البلد، وسوف يتولى الجيش الحكم، هذا الافتراض الذي وضعناه، وأن الجيش ممكن أن يتولى الحكم لفترة قصيرة جداً، ويمكن أن يطلب من المدنيين أن يتولوا أمر البلاد فور حدوث هذا الكلام. وكنا نقول لأنفسنا اننا يجب أن نكون مستعدين ويجب أن نشكل من الآن هيئة ما، عندما يطلب الجيش من الثوار أن يمثلوا أنفسهم بفريق، نحن هذا الفريق، لكن الذي عطل هذا الامر قبل الثورة هو الخوف الزائد من انقسام الصفوف، وأن البعض قال في ذلك الحين هل سنبدأ بتوزيع الغنائم حتى قبل أن تكون هناك غنائم، والبعض حذر من تغليب المصلحة الخاصة ومن تقسيم الكعكة دون تفويض واضح من الشعب.

على أية حال، ممكن أن يكون خطأ أن الثورة لم تشكل لنفسها قيادة، ويمكن أن يكون من الصعب أن تشكل الثورة لنفسها قيادة لأنه لم تعد هناك جبهة واحدة، حيث كنا قبل 25 يناير يدا واحدة (يسار ويمين)، لكن الوضع الذي نحن فيه وضع طبيعي، على قدر ما هو مقلق، لكن أرى أنه طبيعي، ومن تجارب الدول الأخرى كنت أقول انه كانت وكالة الأمم المتحدة للتنمية قامت بعمل ندوة لنا في مصر استمرت ليومين دعت فيها أقطاب السياسيين من عدد من بلدان العالم التي شهدت تغيرات جذرية فيها كما شهدت مصر، وعندما تحدثوا عن تجاربهم كانت تجارب صعبة، حيث مرت بلادهم في سنين صعبة حتى استقرت فيها الأمور، لذلك نقول بأننا قلقون وأن الأوضاع غير مستقرة، لكن الذي يدعوني للتفاؤل أنني أرى أن هذا الأمر طبيعي، وأرى أنه أمر ليس قاصراً على مصر فقط، وأرى أن الذين قاموا بالثورة مهما اختلفت مشاربهم متنبهون إلى شيء واحد وهو ألا تسلب الثورة منهم. أعتقد أن هذا الحرص وهذا الاستعداد والروح التي ما زالت عند غالبية الناس، والرغبة لأن الحياة تعطلت في مصر في أسابيع إلى حد كبير وبعض الناس العاديين ملوا من تعطيل الحياة اليومية، إنما مع ذلك ما زال هانك حماس وإصرار على التجمع وعلى فرض شروط الثورة على الحكام بأي شكل من الأشكال، ويوم الجمعة القادم (أمس الأول) سيكون مؤشرا مهما، وأنا أعول كثيراً على يوم الجمعة القادم، لأنه سيكون مؤشرا مهما لتجمع كل هذه القوى ولإصرارها على حماية الثورة، وأنا أرى أن الشيء المهم هو حماية الثورة أولاً قبل أي انقسام وقبل أي خلاف حول موضوعات لا أراها جوهرية على الإطلاق مهما كانت تتعلق بالانتخابات أو بالأحزاب أو بالأمور الغالية جداً على قلوب السياسيين.

إخلاص القاضي- صحفية: أمام هذه الحالة الإعلامية الاستثنائية العربية، أمام هذه الهالة الرائعة، وأمام هذا الإعلامي العربي الاستثنائي.. أريد أن أعيدك إلى وضعك كصحفي، حيث تحدثت وشخصت الحالة كسياسي، وهذا مبرر، لكن كصحفي كيف لي كإعلامية أو صحفية أن أصدق الخطاب الإعلامي المصري ما بعد الثورة، في ظل انه يمارس هذا الخطاب نفس الرموز ونفس الأشخاص الذين كانوا يطلون علينا عبر الشاشات سواء الرسالة الإعلامية في الفضائيات المصرية أو من خلال السينما، كيف لنا أن نصدق هؤلاء وهم يوجهون رسالتهم الإعلامية وقد يلبسون الماسكات أو يستعيرون ثوب الأراجوز؟.

الأستاذ حمدي قنديل: الخطأ الذي تم على ما أعتقد أنه لم يتم تطهير الإعلام التطهير الكافي، بأنه تركت أبواق النظام القديم لكي تمارس عملها حتى الآن، حصل تطهير جزئي بعزل بعض القيادات في عدد من الصحف القومية، أي الحكومية، وكذلك الإذاعة والتلفزيون الحكوميين، إنما لم يأخذ التطهير الحد إلى منتهاه، وهذه عملية محل نقاش في الوقت الحالي في مصر بين دوائر مختلفة، ما الذي يمكن عمله لهذه الأجهزة الكبرى خاصة الصحف القومية، ما الذي يمكن عمله لتحويل هذه الصحف القومية إلى صحف للشعب، للدولة، وليس للحكام، وبالطبع هناك حلول مطروحة لم ينته فيها المسؤولون عنها إلى قرار، لكنها تدور حول تمليك هذه الوسائل للشعب مباشرة باكتتاب عام، حول تمليك هذه الوسائل لمؤسسات عامة من نقابات وبنوك أهلية، حول تمليك هذه المؤسسات للعاملين فيها، أي للصحفيين أنفسهم، لكن هذه الحلول ستأخذ بعض الوقت، وإلى ان يجيء الوقت الذي يتملك فيه الشعب وسائل إعلامه أعتقد أن المشكلة ستبقى قائمة، والشكوك ستكون موجودة، والقلق سيزيد في الأشهر القادمة ولن يحسم إلا عندما يحسم السؤال المهم، إلى من تعود ملكية وسائل الإعلام هذه؟ إذا لم يشعر الإعلاميون بأن من يمولهم الشعب وليس الحكام لن ينصلح حال الرسالة.. للأسف فإن الإعلاميين لديهم مشكلة أخرى غير مشكلة فلول النظام البائد والأرجوزات، المشكلة الأخرى هي ثقافة تلقي التعليمات، نحن اعتدنا كإعلاميين عبر سنين طويلة أن نتلقى التعليمات من الحكام، والآن عندما لا تكون هناك تعليمات ثقافتنا التي توارثناها عبر هذه السنوات تدفعنا إلى التطلع إلى من الذي سيعطينا التعليمات لأجل ان ننفذ هذه التعليمات، فهذه هي المأساة الأولى فينا نحن الإعلاميين قبل أن نحمّل رموز العهد البائد المسؤولية.

عمر كلاب: حتى تبقى الصورة واضحة عن الأستاذ حمدي قنديل، ماذا يمكن لرجل حضر الماضي بجلاء أن يتحدث عن المستقبل بكل هذا البخل، واعذر لي اللفظ أن أقول إنه نص بخيل في المستقبل، البانوراما هي نص ماضوي في جملته، ولكن كنا نتأمل أن نرى ما هو الخطر القادم بعد يوم النصر، فأخطر شيء على الثورة هو يوم النصر لأن اليوم المقبل غير محسوب العواقب، للآن هل ما يحدث في مصر انتقال من فترة حكم إلى فترة حكم، أم انتقال من نظام إلى نظام؟، ما نشهده الآن في مصر هو تغير على طبيعة الحكم وليس تغييراً للحكم، وأخشى ان نبقى نحرص على الثورة ونبكي على الثورة فتزول الثورة وتزول مكتسباتها ولا يبقى شيء..

ما يحدث في مصر تغيير للنظام وجوهره أم تغيير داخل بنية النظام نفسه وجوهره هذا النظام؟.

الأستاذ حمدي قنديل: من الواضح للخارج والداخل أن هناك تغييرا في بنية النظام وليس تغييراً للنظام، أسس النظام من المؤكد أنها لم تتغير حتى الآن، ولا يقتصر الامر فقط على تغيير في الوجوه وإنما التغيير المطلوب والذي لم يحدث هو تغيير في السياسات، لا رأينا هذا التغيير بوضوح في الداخل، ولا رأينا هذا التغيير بوضوح في الخارج.

صحيح، نحن مدركون لصعوبات المرحلة، ومدركون لأن هناك شواغل حالية هي الشواغل المتعلقة بالحياة اليومية، إنما لم نستشرف المستقبل حكاماً ومحكومين بالقدر الكافي حتى الآن، ولم نتصارح بشكل كافٍ فيما يتعلق بأسس النظام الجديد، الذي لا يزال يتشكل حتى الآن ويتصارع على تشكيله قوى مختلفة، وهذه القوى تنتمي إلى ايديولوجيات مختلفة، وأرجو ألا أقول إن بعضها تمتد جذوره إلى خارج مصر ويتعرض لتأثيرات من خارج مصر، إنما هناك قوى تتصارع، ولن يحسم هذا الصراع بانتخابات قادمة، ولن يحسم حتى بدستور يوضع من قبل السلطة، ويقتصر دور الشعب فيه على التصويت في استفتاء. أمامنا مرحلة صعبة حتى يقوم الشعب نفسه ببلورة مستقبله بنفسه، وهذا أمر صعب في الغاية، إذ لم يشرك الشعب في الماضي في أي عملية سياسية حقيقية، وما زلنا جميعاً نتحسس الطريق خطوة خطوة، وجلسنا واثقين من النجاح، كل الذي نحن واثقون فيه أن لدينا من الإيمان الكافي أنه لا بد أن نحمي هذه الثور ونضعها على المسار الصحيح.

عنوان يوم الجمعة القادم (أمس الأول) هو «تصحيح مسار الثورة»، وهذا عنوان مهم جداً يدل على أن هناك شكوكا كثيرة حول المسار الحالي، وطالما أن هناك هذه اليقظة، أعتقد أننا نستطيع أن نعدل هذا المسار، وهذا اليوم قادم بالنسبة لمتفائلين مثلي، إنما على أي حال سيقابل من الصعوبات الكثير. الملخص أنه حتى الآن النظام السابق ما زال قائماً بشكل من الأشكال، وحصل فقط تعديل فيه، فالنظام لم يجتث من جذوره حتى الآن ولم نضع أسس النظام الجديد بعد، إنما لدي القناعة الكافية والإيمان الكافي والحماس الكافي ولدى الكثيرين من أمثالي ما يجعلنا موقنين أننا سوف نستطيع أن نضع الثورة على مسارها الصحيح.

فوزية الزعبي أبو دلبوح: أهلاً وسهلاً بك ابن مصر الطيب، ابن أرض الكنانة والعراقة والحضارة، نحن نفتخر بمصر لأن مصر أمنا كلنا، ونحيي فيك حضورك ونحيي مصر من خلالك، ونحيي ثورتها وثوارها الكرام..

ما يدور حول ثورة مصر، لماذا قطر، هذه الدولة الحديثة المنشأ تتصدر حلول الأزمات العربية، وأبعدت مصر وأبعد دورها عن العالم العربي مع أن مبارك كان مطيعا لحكام الغرب، لكن أبعدت مصر وتصدرت قطر.

ثانياً: ما رأيك بقناة الجزيرة بعد وقوفها من بعض الثورات ليس على مسافة واحدة، تغذي وتشعل.

ثالثاً: ما هو خطر إيران على المنطقة العربية، هل هو خطر مفتعل لتحويل أنظار العرب عن خطر إسرائيل، وهل سنشهد ولادة شرق أوسط جديد بعد هذه الثورات؟.

عثمان نافع- السودان: بداية نتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ حمدي قنديل، ولجريدة الدستور على هذه المحاضرة القيمة.. نحن في السودان أكثر الناس حرصاً على مصر وعلى مستقبلها وعلى تقدمها، لأن استقرار مصر وتقدمها هو بالنسبة لنا يشكل ضمانة كبيرة بالنسبة لاستقرار وتقدم السودان.. سؤالي حول القضية الطائفية في مصر، وهي قضية مقلقة في مصر، نحن ندرك ونعلم أن هناك جهات خارجية تغذي هذه القضية من أجل خلق حالة عدم استقرار في مصر، وحاولت إقامة كيانات في مصر، كيانات منفصلة. وفي نفس الوقت نعلم أن هناك قيادات طائفية بالذات من الإخوان الضباط، فهم يتحلون بقدر كبير من الوطنية، وحريصون كل الحرص على ألا تخرج هذه القضية الطائفية عن المسار الوطني وقضية الثورة واستمراريتها.. فما هي قراءة الأستاذ حمدي قنديل حول الآلات المستقبلية للقضية الطائفية في مصر؟.

الأستاذ حمدي قنديل: السؤال المتعلق بقطر تضمن الإجابة والسيدة تتحدث عن دور مصر، فانحصر دور مصر وفتح الباب أمام دولة مثل قطر، أنا لا أريد أن أقلل من شأن قطر أو غيرها من الدول، فمن حق أي دولة عربية صغيرة أو كبيرة، غنية أو فقيرة، أن يكون لها رأيها وأن تحاول أن تضمن مصالحها بل وحتى أن تفرض رأيها قدر إمكانها، من حق قطر أن تكون لها سياساتها المؤثرة، ومن حق قطر أن تسعى لأن تكون سياستها هي المؤثرة، إذا كان هناك لوم فاللوم على الدول الأخرى الأكثر قوة والأكثر عراقة والتي ارتضت لنفسها التبعية للأجنبي، والتي لم تكن لها سياستها المستقلة التي تدعو الآخرين إلى الاحترام.

قناة الجزيرة مهما كانت تختلف حولها الآراء، إنما كل الذي أرجوه أن نذكر لهذه القناة الفضل في أنها يوم أن خرجت عام 1996 حققت في مجال الإعلام ما لم تستطع قناة أخرى أن تحققه، وفرضت سقفاً للحرية لم يكن موجوداً في السابق، وكل الإعلاميين، أنا وغيري في كل البلاد العربية، استفدنا من هذا السقف الذي رفعته الجزيرة. أن تتباين آراؤنا حول تغطيتها في الوقت الحالي هذا بالطبع لأن آراءنا متباينة حول المسائل التي تغطيها الجزيرة، ما بين مؤيد منا لحكام سوريا وما بين مؤيد منا لشعب سوريا وما بين معارضين وموالين، اختلاف آرائنا نحن هو الذي يدفعنا حسب ظني بالقول ان الجزيرة منحازة، الجزيرة لا شك أنها ليست محايدة تماماً، ولا شك أنها ليست موضوعية تماماً، وهي في نهاية الأمر تحقق لقطر سياستها على نحو أو آخر، ومن حق قطر أن تحقق ذلك عن طريق وسائل الإعلام التي أنشأتها وتنفق عليها، فالذنب ذنب الآخرين الذين لم يستطيعوا أن يطلقوا جزيرة أخرى توازي في مهنيتها وفي مكانتها قناة الجزيرة التي نراها.

بالنسبة للطائفية في مصر، فهذا قلق متوقع منا جميعاً على الاحوال في مصر وفي غير مصر، الشأن الطائفي في مصر ليس مقلقاً في رأيي إلى هذا الحد الذي نتصوره، الحد الذي تفضلتم به والذي يمكن أن يؤدي إلى انقسامات في الداخل. مصر في النهاية مجتمعها مجتمع واحد ومتماسك مهما كانت الديانات فيه، صحيح ان هناك توترات بين وقت وآخر، وصحيح أن هناك فتنا، وصحيح ان النظام البائد ساهم في هذه الفتن ليشغل الأذهان عن الموضوعات الرئيسة، فكل هذا صحيح، لكن في النهاية هذه الخلافات وهذه الفتن سرعان ما يمكن حلها، هناك تغذية لها من الخارج، هناك تغذية لها من جانب إسرائيل ومن جانب آخرين، لكن المسؤولية في الأول وفي الآخر نتحملها نحن المصريين، أنا لست من أنصار إلقاء المسؤولية على آخرين، والحديث دائماً بلسان المؤامرة، إذا كانت هناك مؤامرة وإذا كان هناك قصور فهذا القصور في الداخل قبل أن يكون قادماً من الخارج، هذه مسؤوليتنا نحن، واعتقد أن الكثيرين يعون هذه المسؤولية في الوقت الحالي ويعون لمحاصرة هذا الامر، والأزهر في واقع الأمر الآن يقوم بعدة أمور في هذا الأمر، وأعتقد أن هناك بين المسيحيين من يعرفون جيداً أن هذه المسألة يجب أن تحل بشكل أو بآخر، وبطريق لا يحدث انقساما أو شرخا أكبر في المجتمع.

شكراً جزيلاً لكم. في النهاية آسف لأنه لم يتح لي الوقت للإجابة عن كل الأسئلة التي كان يرغب عدد من الحاضرين بطرحها، ففي الواقع مهام إصدار الجريدة تسبق كل الأولويات، وأنا بهذه المناسبة أشكر جريدة الدستور وأشكر الأستاذ محمد حسن التل رئيس التحرير المسؤول لجريدة الدستور أن أتاح لي الوقوف بينكم والحديث إليكم والاستماع منكم لما أرجو أن أستفيد منه كثيراً، فشكراً جزيلاً وإلى لقاء قريب بإذن الله.

الدستور: نشكر الأستاذ حمدي، ونشكركم جميعاً.

التاريخ : 10-07-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش