الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعيداً عن السياسة: مع علي غندور: حكم عليّ بالاعدام في لبنان لجرم لم اقترفه

تم نشره في الأحد 22 آب / أغسطس 2004. 03:00 مـساءً
بعيداً عن السياسة: مع علي غندور: حكم عليّ بالاعدام في لبنان لجرم لم اقترفه

 

 
- محاكمة انطون سعادة واعدامه في نفس اليوم كان وراء مغادرتي لبنان
- الطائفية والاقطاع السياسي طبعتا حياة الشباب اللبناني بالقسوة
- اختلفنا مع عبد الناصر لأن افكاره غير قابلة للتحقيق
- الملك الحسين اراد للملكية الاردنية ان تكون جسرا للتواصل الثقافي والحضاري
- لم أساهم او اشارك في مفاوضات السلام مع اسرائيل
- اوقفت نشاطي الحزبي ولم اتخل عن عقيدة سعادة

* حوار: ملك يوسف التل:
»لا يوجد شيء لم افعله في حياتي.. شخصيتي من النوع القلق باستمرار، اشعر بالمسؤولية العامة تجاه ما حولي. اشتغلت بالسياسة وحكمت غيابيا بالاعدام. اسست عدة شركات طيران واشعر انني حققت اشياء كثيرة من التي كنت احلم واطمح اليها. وإذا كان هناك ما يمكن ان اشعر بالندم عليه فهو انني لم اقض وقتا كافيا مع اولادي واما بسبب حياتي السياسية او نتيجة انشغالي الطويل بتأسيس وتنمية شركة الطيران »الملكية الاردنية/ عالية«. ولذلك لم أر طفولة ابنائي بسخاء، ولتعويض ذاك الذي فاتني، فانني اعايش الآن احفادي وامضي معهم الوقت الطويل الذي يجعلني ارى طفولتي فيهم«.
لكن علي غندور (73 سنة) الذي يعوض طفولته بطفولة احفاده.. لم يتقاعد بالمعنى التقليدي، فهو يتنقل بين الاردن ولبنان حيث يتولى مجموعة غير قليلة من المسؤوليات في مؤسسات ترعى الثقافة وتعمل في الاستثمار السياحي دون ان ينأى بعيداً عن الأجواء والمناخات السياسية التي له فيها اصدقاء وعلاقات ومواقف وذكريات حية.
هو من مواليد (1931) برج الجوزاء، يجمع بين قوة الشخصية ووضوح الرؤية والقدرة على استثمار الفرص، مع طبع لبناني يتميز بالابداع والتعايش مع الظروف المتغيرة.
دراسته الابتدائية والثانوية في بيروت كانت في الانترنشنال كوليدج المعروفة باسم الكلية والتي تعتبر جزءاً من المنظومة التعليمية للجامعة الاميركية. طلاب الكلية عندما ينهون فيها دراستهم الابتدائية والثانوية ينتقلون الى الجامعة اوتوماتيكياً. يقول: انهيت الآي سي عام ،1950 ودخلت الجامعة الاميركية لمدة سنة واحدة وذهبت بعدها الى جامعة نيويورك في الولايات المتحدة لدراسة هندسة علوم الطيران وللموضوع قصة تروى: فقد احببت ان ادرس شيئاً غير موجود في لبنان. ومثل كل الطلاب الشباب كنت احب ان اسافر للخارج. وقد اخترت علوم الطيران التي لم تكن معروفة او شائعة في لبنان. لكن السفر للخارج جاء ايضاً في ظروف سياسية من النوع التي يتعرض له الشباب في البدايات النشطة لحياتهم ومشاركاتهم العامة.

* كيف؟
- كان عمري 16 سنة عندما دخلت في الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان من انشط الاحزاب في لبنان واكثرها استقطابا للشباب. ايام تخرجي من الآي سي (1949) ألقوا القبض على انطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي اثر محاولة للثورة، وقد جرت محاكمته وإعدامه في نفس اليوم. وقد كان لهذا الحادث اثر كبير في نفسي جعلني افكر بالسفر للخارج ليس فقط سعيا وراء تخصص اكاديمي نادر وانما ايضاً لأنني شعرت بأن الحياة في لبنان اصبحت لا تطاق.
ظروف الانتداب والبيئة الطائفية القاسية كانت هي التي تطبع حياة الناس عموما والشباب خصوصا بالكثير من القسوة. وفي اجواء المطالبة الشعبية بالاستقلال وانهاء الانتداب الفرنسي، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي من انشط الفئات السياسية واكثرها اقناعا في محاربة الانتداب ومناهضة الاقطاع والطائفية. أيامها كان الاقطاع سمة رئيسية للحياة السياسية والاجتماعية.. الزعيم الاقطاعي يسيطر على الحياة بكافة فعالياتها. وقد جاء انطون سعادة بثورة.. كان يتكلم عن إلغاء الاقطاع وفصل الدين عن الدولة، كما كان يتكلم عن الوحدة السورية التي تضم الاردن وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق. وقتها كانت الاردن وفلسطين وسوريا ولبنان تعرف ببلاد الشام وفي هذه الاجواء القلقة والمتوترة كانت مطالب الاصلاح الاجتماعي التي تطرحها الاحزاب تستهوي الشباب وتستقطبهم رغم ملاحقة الاجهزة الامنية لهم.

الطائفية
ويستذكر علي غندور ان موضوع الطائفية كان يضغط على الشباب اللبناني بقسوة لا تقل عن قسوة الاقطاع. فزعماء الطوائف والاقطاعيات بيدهم كل الوظائف والاموال والمقادير. ولذلك كانت الاحزاب التي تدعو لإلغاء الاقطاع والطائفية تستهوي الناس وفي مقدمتها الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تقوم افكاره على توحيد بلاد الشام. وللعلم فان سوريا ولبنان كانتا في حينه تعيشان وحدة اقتصادية على ارض الواقع.. بنك مركزي واحد، اسمه البنك السوري اللبناني وعملة واحدة هي الليرة. ولذلك لم يكن غريبا ان نسمع ونطالب بالوحدة. كما كانت مستحبة مطالبات الاحزاب بالغاء الاقطاع والطائفية وبفصل الدين عن الدولة. فالطائفية كانت تتحكم بحياة الشباب ومستقبلهم بدون منطق او عدالة. وفي هذه الاجواء عاد انطون سعادة (1947) من المهجر الى لبنان حاملاً مجموعة من الافكار والمبادئ التي استهوتنا واستقطبتنا القضية وعملت معه وأحببته وصدمتني محاكمته واجراءات اعدامه فقررت ان اغادر لبنان الذي شعرت ان الحياة فيه لم تعد تطاق.
درست في نيويورك هندسة الطيران. تخرجت عام 1954 واشتغلت هناك كمهندس طيران. كان معنا من الزملاء المسيّسين، ايضاً، هشام شرابي وآخرون حيث نتشارك جميعا في الهموم السياسية وفي الرغبة بأن نرى بلداننا العربية حرة ديمقراطية ومنفتحة على العالم: ولتنفيذ تلك الاحلام فقد عاد الكثيرون الى بلدانهم.
بالنسبة لي - كما يقول غندور - دخلت السجن في الاسبوع الثاني لعودتي الى بيروت، والسبب محاسبتي امنيا على نشاطي الحزبي فقد كانوا يلاحقون نشاط القوميين اينما كانوا.. في لبنان او المهجر. وقد جاءهم من يقول لهم بأن بيتي تحول بعد عودتي الى ملتقى حزبي، وذلك اشارة الى الاصدقاء الكثر من الحزبيين وغيرهم ممن زارونا للسلام عليّ. ادخلوني السجن بتهمة النشاط الحزبي لكن الصدفة اخرجتني سريعاً من التوقيف. ابن المدعي كان زميلاً لي في الجامعة، وعندما رآني والده موقوفا طلب من مأمور السجن اخراجي فوراً بموجب قناعته ان لا علاقة لي بالاحزاب. وهذه بحد ذاتها اضافت كثيراً الى احساسي بالألم النفسي الذي يتشارك به معظم الناشطين في الاحزاب وفي الشأن الاصلاحي العام بمن كانت تمتلئ بهم السجون.

* من كان معكم في الحزب السوري القومي الاجتماعي من الشباب الاردني؟
- اذكر منهم المرحومين مصطفى رشيد ووصفي التل ومنير عطا الله وكثيرون غيرهم . وفي الدراسة كان معنا ايضاً الدكتور جمال الشاعر وكان حزبياً. لكن الاحزاب الاخرى القومية والشيوعية كانت ايضاً نشطة في الاردن وكانت تتعرض كما هو الحال في كل دول بلاد الشام الى الملاحقة. وحدها بعض الحركات الاسلامية كانت تتمتع بحرية العمل والتنظيم لانها كانت ترتبط بالمسجد وبالمؤسسات الدينية. اما الاحزاب القومية واليسارية فقد كانت تتعرض للملاحقة لأن بعضها كان يؤمن ويطرح الوصول للحكم عن طريق الانقلابات العسكرية. وكما كانت الاجواء الاقليمية عموماً غير ديمقراطية، كذلك كانت الاحزاب نفسها تتحدث وتطالب بالديمقراطية لكنها لا تمارس الديمقراطية داخل التنظيمات نفسها. وكثير من رجال الفكر الذين دخلوا تلك الاحزاب بحثا عن الديمقراطية لم يلبثوا ان تركوها لأنها احزاب غير ديمقراطية من الداخل.

الخلاف مع عبد الناصر
* وموقع جمال عبد الناصر في عقول وقلوب الناس آنذاك؟
- عبد الناصر كان امل الشعوب العربية كلها. فهو الذي كان يتحدث ويعمل لتحقيق الوحدة العربية التي هي طموح الشباب. ولذلك كانت قناعات الشباب والطلاب ان عبد الناصر هو الذي سينقذ هذه الامة ويحرر فلسطين.
لكنني شخصيا والحزب السوري القومي الاجتماعي لم يكن عندنا ايمان كبير بجمال عبد الناصر. كنا نختلف معه ونعتقد بانه يتكلم عن احلام كبيرة يصعب تحقيقها. نحن كان همنا ان نعمل للاصلاح بفصل الدين عن الدولة، وفي موضوع الوحدة كنا مكتفين بالوحدة المتجانسة التي نراها قريبة وقابلة للتحقيق هي وحدة الهلال الخصيب ونسميها سوريا الطبيعية. اما عبد الناصر فان افكاره كانت ممتازة لكنها غير قابلة للتنفيذ كان يعمل للتوحيد من فوق وكان ناقما على انظمة الهزيمة. فقد عمل انقلابا في العراق، ومشاكل في اليمن، وثورات صغيرة هنا وهناك. وعندما جاء الوقت للالتحام دخل عام 1967 في حرب غير مستعد لها وجر معه سوريا والاردن فراحت الضفة والجولان. وقد شعر هو نفسه بذلك وقدم استقالته. طبعا الشعوب لم تقبل لأن عبدالناصر في نظرها انسان عظيم لا يستطيعون التخلي عنه. وكما هي معظم شعوب العالم بخيلة جداً في تخليق الزعامات، كذلك هي منطقتنا نجح عبدالناصر في خلق يقظة جماهيرية تجاوزت الحدود من المحيط الى الخليج، كان كأنه حاكم الحكام انما لم يستطع ان ينجح في اقامة اتحاد عربي بل ثورات وحروب.

* وبعد خروجك من السجن في اعقاب عودتك من الولايات المتحدة؟
- دخلت في حالات متصلة من المعاناة كان اولها البحث عن وظيفة في مجتمع يوزع الوظائف حسب الكوتا الطائفية. انا كمسلم لم يكن ممكنا توظيفي الا اذا وجدوا وظيفة مماثلة لشاب مسيحي. هذه هي شروط العمل العام. اذكر انني انتظرت تسعة اشهر ليتخرج مهندس طيران في احدى الطوائف المسيحية وتم تعييننا معاً في نفس اليوم مهندسين في مديرية الطيران المدني.
وفي مثل هذه الاجواء الطائفية والسياسية المحبطة، توالت على لبنان المشاكل الداخلية ومنها موضوع الوجود الفلسطيني المسلّح الذي خلق تقاطعات كثيرة متوترة. فالسياسيون المسلمون وجدوا في المنظمات الفدائية التي انتقلت من الاردن الى لبنان، سنداً وحماية لهم. والسبب حسب اعتقاد المسلمين هو ان الجيش اللبناني لم يكن جيشاً متكافئاً لأنه مبني على تقسيمات طائفية يسيطر عليها الموارنة. وفي هذا المناخ توالت الاخطاء من مختلف الاطراف وكذلك التدخلات الخارجية، لتعبر عن نفسها بالحرب الاهلية الدامية التي هجرت اعداداً كبيرة من اللبنانيين، ممن حققوا نجاحات ضخمة في الخارج بعد ان عجزوا عن تحقيق انفسهم داخل بلد يوصف بأن فيه كثيرا من الحريات وقليلا من الديمقراطيات.

الدخول الى عالم الطيران
شغرت وظيفة في مديرية الطيران المدني أعلى من المركز الذي كنت فيه، تقدمت للمركز اذ انني كنت اعتقد ان عندي من المؤهلات اللازمة إلا أن مدير عام الطيران المدني رفض لأن الوظيفة محجوزة لأبناء طائفة أخرى فقدمت استقالتي من الوظيفة.. ذهبت الى رئيس الجمهورية عن طريق ابنه داني شمعون الذي كان صديقي، طرحت امامه وضعي فأشار علي ان اتعاون مع مجموعة اصدقاء له كانوا يريدون تأسيس شركة طيران. كانت لديهم الاموال لكن تنقصهم الخبرة ولا يتوفر في لبنان مهندسو طيران.
وهكذا بدأت معهم - وهم من عائلة عريضة - بتأسيس شركة طيران. حيث تسلمت منصب نائب رئيس الشركة لشؤون الهندسة. وبقينا في الشركة من 1957 وحتى عام 1962 عندما حصلت محاولة انقلاب جهز لها الحزب السوري القومي الاجتماعي. افكار ومبادئ الحزب لم تكن تتحدث عن الوصول للسلطة بالانقلابات العسكرية، الا ان رئيس الحزب (الدكتور عبدالله سعادة) ارتأى انه لا سبيل للاصلاح الا باستلام الحزب للحكم. فشل محاولة الانقلاب. وقد صادف- كما يقول غندور - انني كنت يومها في باريس لاستلام طائرة جديدة. سمعت بالمحاولة الانقلابية لكن بدون ان اعرف من قام بها كنت اعرف ان الحزب السوري القومي الاجتماعي يجهز لانقلاب وبصفتي عضواً في المكتب السياسي للحزب فقد طرحنا الموضوع للتصويت وأنا كنت مع المعارضين. بقيت في باريس كلاجئ سياسي.
بعد اقامة في باريس لعدة اشهر، غادر علي غندور الى ساحل العاج حيث يعيش بعض اقاربه.
تجول في افريقيا كناشط حزبي وتعرض للمطاردة من السلطات اللبنانية. غادر بعد ذلك الى ايران حيث يقيم بعض الاصدقاء، ومن هناك انتقل الى الكويت وعمل فترة بالطيران المدني.
حتى إذا صدرت الاحكام وكان اسمه الثالث في قائمة المحكومين بالاعدام، قرر المغادرة حتى لا يصار الى تسليمه للسلطات اللبنانية.

الوصول الى الاردن
»في يوم صدور الاحكام (1962) وصلت الاردن. كانوا في حينه يجمعون جوازات السفر ويسلمونها للامن العام الذي ينادي على ركاب الطائرة واحداً تلو الآخر ويعطونهم جوازاتهم ليدخلوا البلاد«. ويستذكر علي غندور ما حصل يومها بالقول، انا لم ينادوا على اسمي. كان هناك مسؤول في المطار اسمه ابو ياسر. سألته عن جوازي فطلب مني أن ارافقه للمكتب. قال لي: ما سبب مجيئك للاردن؟ قلت للسياحة. سألني: اي المناطق ستزورها للسياحة؟ فقلت له: عمان ورام الله والقدس واريحا وبقية المدن التي احفظ اسماءها.
كانت امامه جريدة، رفعها واعاد قراءة ما فيها ثم قال لي انت اول شخص محكوم عليه بالاعدام ويرغب ان يذهب رحلة سياحية! وبعد ذلك اشار عليّ بأن اذهب الى فندق فيلادلفيا حيث ارسل معي مرافقا وسيارة واعطاني اسم احد الشباب من عائلة نزال (نبيه نزال) من فندق فيلادلفيا. اتصلت بالدكتور اميل لطفي وكان مسؤولاً في الحزب السوري القومي الاجتماعي جاء في الفندق ليصطحبني الى المنزل يقيم فيه معظم الذين هربوا من لبنان، ومنهم عبدالله قبرصي، والدكتور جورج صليبي، اميل رعد، نصري ابو سليمان، وعمر ابو زلام. وقد عرفت بعد ذلك ان جلالة الملك استقبلهم ووصفي التل كذلك، اشارة للتعاطف السياسي والتلاقي الفكري مع الحزب.
بعد ذلك اجتمع بعضنا مع راضي العبدالله الذي رتب لنا لقاء مع الملك لنشكره على استقباله لنا ولنسأله عن صحة ما قيل في المملكة من ان جلالته هو الذي مول المحاولة الانقلابية في لبنان، فكان الجواب بالنفي، فما حصل كما قال جلالته - هو ان »محمد بعلبكي رئيس تحرير جريدة »صدى لبنان« وكانت جريدة الحزب جاءني ليطلب مساعدة للجريدة وحصل عليها، وعندما اوقفوه بعد المحاولة الانقلابية وجدوا لديه في البيت دنانير اردنية فقالوا انها الاموال التي دفعها الملك حسين تمويلا للانقلاب.. فما حصل هو ان محمد بعلبكي نقيب الصحفيين حاليا في لبنان وعندما اخذ المال قال لجلالة الملك بأن يسمع الاذاعة اللبنانية يوم 31 كانون الاول وستكون هناك اخبار سارة وقد استمع الملك فعلا للاذاعة »لكن الاخبار جاءت غير سارة«.

* ذاك اللقاء هل كان المرة ا لاولى التي ترى فيها جلالته؟
- نعم، عندما رآني قبلني وأهل بي فقد كان لنا اصدقاء مشتركون وخاصة رئيس الجمهورية الاسبق كميل شمعون وابنه داني ، سألني عن خططي الشخصية فقلت: اريد ان ابقى فترة في الاردن اعود بعدها الى الاهل في افريقيا لكنه قال: بل تبقى هنا وانت في بيتك، سنعمل لتأسيس شركة معا طيران وطنية لان الشركة الموجودة لدينا في الاردن تملكها شركة أجنبية بينما نريد ان نؤسس شركة طيران وطنية اردنية.. وهكذا كان تأسيس »عالية« الخطوط الملكية الجوية الاردنية بارادة ملكية. وبارادة ملكية اصبح علي غندور مواطنا اردنيا.

* هل بقيت في الحزب؟
-استمر نشاطي في الحزب وانتخبت رئيسا للادارة المؤقتة، الانتخابات جرت بالمراسلة وبقيت كذلك حتى عام 1968 عندما سلمت الرئاسة لعصام محايري فور خروجه من السجن في سوريا، سلمته الرئاسة واوقفت نشاطي الحزبي لم اتخل عن عقيدة انطون سعادة وانما تركت التنظيم.

شركة الطيران الاردنية
* تخليك عن الحزب كان بسبب انشغالك بتأسيس شركة الطيران الاردنية؟
- رغم ان انشاء شركة طيران من الصفر لم يكن بالامر السهل خصوصا وانني كنت ايضا مستشارا عند جلالة الملك، الا ان تركي للتنظيم الحزبي كان بسبب المحاولة الانقلابية.. فقد عارضت الفكرة من اساسها لأنني لست مستعدا ان اكون في حزب يؤمن بالانقلابات، لكنني بقيت في الحزب لان الرفقاء كانوا في السجون ويحتاجون للمساعدة ومتابعة جهود تحصيل العفو عنهم واثمرت جهودي بتأمين عفو عن المحكومين. اوقفت عملي الحزبي فور خروجهم من السجن.
ويضيف غندور: تركت الحزب عام 1968 لكن قناعاتي ونشاطي الثقافي لم تتوقف.. وقد انشأنا مع بعض الزملاء فيما بعد مؤسسة اسمها »مؤسسة سعادة للثقافة« وانا رئيسها، ليست حزبية وانما ثقافية تستشهد بأفكار انطون سعادة.

* عودة الى مسيرة الطيران الطويلة الناجحة..
- نعم كانت مسيرة طويلة شاقة، فقد بدأنا بالمؤسسة »عالية« من الصفر تقريبا، دراسات التأسيس قمنا بها من مكتب صغير في شركة »مينورز« للسياحة. لم يكن في الاردن سوى طيارين ومهندس فني واحد ولذلك اضطررنا للاستعانة بمهندسين وطيارين من لبنان، عندما عرضت الدراسة على جلالة الملك استأذنته بتسميتها »الخطوط الجوية الملكية« فاقترح جلالته ان نضيف للاسم كلمة »عالية« »وهو اسم كريمته الاميرة عالية« تأكيدا للجميع على حجم الرعاية التي يوليها جلالته لهذا المشروع.
وخلال اسبوع واحد فقط كان مطلوبا من الشركة ان تباشر اعمالها.. لم يكن فيها طائرات او موظفون او مكاتب، ولذلك استأجرنا مكتبا من خمس غرف في بنك القاهرة عمان. الطائرة الاولى استأجرناها من لبنان وقمنا بدهنها في مطار عمان، وفي اليوم السابع ذهبنا للمطار برفقة جلالة الملك لنودع اول طائرة متجهة للقدس.. كانت من طراز ماكدونالد دوجلاس DC7 ßá ÇáÑÍáÇÊ ãä ãØÇÑ »ãÇÑßÇ« ßÇäÊ ÊãÑ Ýí ÇáÞÏÓ.
æíÓÊÐßÑ ÛäÏæÑ Çä ÍÕÉ ÇáÍßæãÉ Ýí ãÄÓÓÉ »ÚÇáíÉ« ÇáÊí íÔÇÑß ÈåÇ ÇáÞØÇÚ ÇáÎÇÕ ßÇäÊ ØÇÆÑÊíä ãä ÓáÇÍ ÇáÌæ Dart Herald

وقد بقيت المؤسسة مملوكة مناصفة بين القطاعين العام والخاص حتى حرب عام 1967 عندما ضرب الطيران الاسرائيلي طائراتنا في المطار ولم يبق لدينا سوى طائرتين كنا تعاقدنا عليهما من فرنسا وجرى وضعهما في مطار روما قبل نشوب الحرب بيوم واحد فلم يطلهما القصف.. ما جرى جعل القطاع الخاص يتوجس من الاستمرار في الشراكة بهذه المؤسسة ولذلك قرر جلالة الملك شراء حصة القطاع الخاص لتصبح »عالية« حكومية بالكامل، فقد كان جلالته يريد لهذه المؤسسة ان تكون جسرا جويا مفتوحا يربط الاردن مع شعوب العالم للتبادل الحضاري والثقافي. ايمانه بالتواصل مع العالم ايمان فطري متأصل حيث كان من الاوائل في العالم العربي الذي كان يتصل عبر اللاسلكي مع العالم، كان جلالته بعد منتصف الليل ويتصل مع مختلف القارات وبأي مكان تلتقطه وتصله الاشارات اللاسلكية.
وحتى تتوفر للمؤسسة اجيال متعاقبة من الفنيين، فقد اشار جلالته بتأسيس »نادي الطيران الملكي« الذي اصبح فيما بعد »اكاديمية الطيران الملكي« ولتشجيع الاردنيين على دخول هذه الاكاديمية قام جلالته بالانتساب لها والدوام فيها يوميا مع الطلاب من السادسة وحتى الثامنة مساء، وكان يرافقه في هذا الدوام اليومي شخصيات اذكر منهم الامير رعد وزيد الرفاعي ومنير عطاالله وشقيقته سلوى عطاالله وآخرون وبمثل هذه الرعاية نجحنا ان يكون لدينا الان طيارون كثر ممتازون اردفوا »عالية« وشركات الطيران العربية والدولية بخبراتهم وكفاءاتهم وكان جلالته حريصا على ادخال المرأة الاردنية لصناعة الطيران فكانت لدينا طيارات ممتازات مثل تغريد العكشة التي اصبحت بعد ذلك تقود طائرة جلالته.
ويضيف غندور ان جلالة الملك كان سباقا في الرغبة بتحصيل حقوق نقل للملكية الاردنية مع مختلف دول العالم ولذلك كان يصطحبني في معظم رحلاته الرسمية لبحث موضوع حقوق النقل والتوسع في فتح الخطوط مع تدعيم الطائرات بأحدث تقنيات النقل الجوي.

مستشار لجلالة الحسين
بعد ثلاثين عاما من الجهد الشاق المبدع في تأسيس وتنمية مؤسسة »الملكية الاردنية« اصبح علي غندور مستشارا لجلالة الملك في شؤون السياحة والطيران يرافقه في معظم رحلاته السياحية الخارجية ويكلفه بمهمات رسائلية الى قادة العالم. كما كان غندور رسولا لجلالة الملك مع الزعماء اللبنانيين اثناء الحرب الاهلية وبهدف اعادة البلد الشقيق الى عافيته واستقراره.
لكن علي غندور لم يشأ ان يساهم او يشارك في مفاوضات السلام مع اسرائيل فهو لم يشترك بالاتصالات ولم يقم بأي دور فيها، لا بالظل ولا بالعلن.. وحتى اجتماع وادي عربة الذي جرى فيه التوقيع على الاتفاقية لم احضره... والسبب ان لدي قناعات عقائدية، وبالذات في موضوع اسرائيل، يصعب عليّ ان اغيرها. فأنا اؤمن ان هذه المنطقة وحدة واحدة.. كنا نتمنى ان الدخول العربي في مفاوضات يبقى موحدا بحيث ينتهي الى اتفاقية واحدة تشمل الجميع وتستعيد كافة الاراضي العربية المحتلة بشكل موحد. لكن الامور جرت خلافا لذلك وانتهى الامر بأن وقع الفلسطينيون اتفاقية منفردة مع اسرائيل وكان مفاجأة لنا في الاردن ويستذكر غندور تفاصيل من حالة الغضب التي اصابت جلالة الملك عندما وصلته اخبار الاتفاق المنفرد الذي وقعه الفلسطينيون مع اسرائيل دون ان يبلغوا به اشقاءهم العرب، حيث كان ياسر عرفات عند جلالة الملك قبل الاتفاق بأيام قليلة ومع ذلك لم يبلغه بأنهم يفاوضون سرا وانهم اوشكوا على التوقيع ولذلك وجد جلالته ان مصلحة بلاده تقتضي بان يتولى الامر ويصل الى اتفاقية سلام تحفظ للاردن مصالحه الوطنية وتعيد له اراضيه المحتلة وتمنع الاستفراد به.

الغاء الطائفية
* بالمناسبة، هل انت شيعي ام سني؟
- انا مسلم شيعي بالولادة لكن لا فرق عندي بين سني وشيعي ودرزي ومسيحي ويهودي أو أي دين آخر فأنا علماني اؤمن بفصل الدين عن الدولة نهائيا وبالغاء الطائفية وباعتقادي انه لا يوجد مسلم شيعي او سني وانما مسلم فقط.

* هل مارست طقوس المسلم الشيعي؟
- لا أعرف ان للشيعة طقوسا مختلفة عن السنة، فالصلاة واحدة والصوم واحد واصول الدين واحدة.

الجنسية انتماء
* كيف توفق بين كونك لبنانيا واردنيا؟
- في قناعتي ان الجنسية انتماء. ولذلك كنت اشعر باستمرار انني اردني ولبناني، لا فرق في ذلك فأنا في الاردن في بيتي، وفي لبنان بيتي ومنذ حداثتي وانا اؤمن بالوحدة وليس لدي اي تفريق في هذا الشأن، وقناعاتي الدائمة هي ان دول بلاد الشام جميعها بيتي بل وينبغي ان تتوحد على الطريقة الاوروبية.. استقلال سياسي لكل بلد مع تجمع وحدوي اقتصادي يربط مصالح الشعوب ويلغي الحدود بينها ويوفر لها قوة حضور دولية مؤثرة.

*البطاقة العائلية لعلي غندور:
- تزوجت عام 1954 رزقت بابن واربع بنات، فادي يعمل في شركة ارامكس، راغدة متزوجة ولديها ثلاث بنات ولدي أيضاً امل وايمان واسمى، احفادي خمسة، اصغرهم عمره 8 سنوات واكبرهم 18 سنة.

* لو عادت بك الايام فهل ستختار المسيرة نفسها؟
- كثيرة هي الاشياء التي لا يستطيع الانسان ان يختارها لنفسه ابتداء من اسمه ودينه وانتهاء بذكائه وعاداته وحظوظه، بالنسبة لدراستي وزواجي فهي اساسيات مكتسبة لكنني لا احب ان اغيرها لو خيرت بذلك، طبعا لن اتمنى ان اتعرض لحكم الاعدام الذي صدر بحقي في مطالع الستينات فقد وضعني في حالة صعبة من عدم الاستقرار والخشية من ان يأتي »مجنون« ويغتالني طمعا في الجائزة المالية التي رصدوها لهذا الغرض.
في موضوع الحظ والنجاح فانني اؤمن بان النجاح لا يأتي الا بالعمل الجاد والجهد والتعب، الحظ وحده لا يكفي، هناك اناس يولدون ولديهم قلق دائم على الاشياء من حولهم كونهم يحملون هموم مجتمعهم التي تجعلهم في حالة قلق مستمر، انا من هذا النوع الذي يعيش في حالة عدم استقرار مستمرة جعلتني افقد بعض المتع الانسانية واندم عليها فانشغالاتي السياسية والوطنية حرمتني من قضاء وقت كاف مع ابنائي ولذلك اعوض ما فاتني بقضاء اوقات اطول مع احفادي لانني ارى فيهم طفولة اولادي.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش