الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كتابة رواية أم كتابة سيرة؟ «الست زبيدة» نموذجا

تم نشره في الجمعة 11 كانون الأول / ديسمبر 2015. 02:00 مـساءً

د. زياد أبولبن *
تمتد رواية «الست زبيدة» 384 صفحة، للكاتبة نوال حلاوة، كما ينطوي مضمونها على عالم يمتد زمنيا سنوات طوال، وأمكنة متوزعة على امتداد الرواية، وعندما شرعت في قراءتها وجدتُ حكايات تؤلّف حكايات، وذكريات تصل حدّ السيرة الذاتية، متخذة من السرد الروائي غطاء لهذه السيرة، فيها تفاصيل كثيرة، ترتدّ بك التفاصيل إلى الماضي مرة وإلى الحاضر مرة أخرى وإلى المستقبل مرات عديدة، فهي رواية أو سيرة عابرة لأزمنة مختلفة.
نجد في فصل «الست زبيدة»، وهو أولى مفاصل الرواية، ثورة الابنة على سلطة الأب متمثلة هذه الثورة باسم «الست زبيدة» الذي لم يلق قبولا أن تسمى به، خاصة ما حمل معناه ما لا يستسغه أهل هذا العصر، باعتبار اسم «الست زبيدة» التصق بالتاريخ القديم، وحمل اسم زوجة الخليفة هارون الرشيد، وبقدر إعجاب الأب بهذا الاسم، بقدر رفض الابنة له، هذا الاسم أطلقه الأب على ابنته حيث أصبح مثار استهجان أو استغراب المجتمع المتعصرن، تقول الكاتبة: «لم أستطع استيعاب إصرار هذا، بل كنت أحيانا كثيرة أثور عليه، وأغضب طالبة منه تغيير اسمي، لأنه يثير استغراب رفيقاتي ومعلماتي» ص13، يلتقي هذا المشهد مع مشهد أخر في الرواية عند شاطئ العجمي في يافا والسابحين معلنا الثورة على الواقع، إذ تقول: «كان شاطئ العجمي من أجمل شواطئ فلسطين، وعروسها يافا، الناس والسابحون فيه من كل الأعمار، (لاحظوا: السابحون فقط، لأنه لم يكن هناك سابحات، كان عيبا أن تنزل المرأة حتى بثوبها الطويل، ويانَسْها (غطاء الرأس الأبيض الخفيف) الذي يغطي شعرها لأن الماء سيجسد تقاسيم جسدها، كما حُرم على الفتيات ممارسة تلك الرياضة، وعندما كبرت واستقللت بحياتي بعد زواجي، أشبعت روحي قبلا وشوقا للبحر وأمواجه، فأنا من مواليد أحد أبراج البحر المائية، عشت تلك الرياضة لثما وحبا وإتقانا أعادوا إلى روحي العاشقة للبحر حيويتها وبهجتها» ص49، وتتخذ الكاتبة من العلاقة التي تنشأ داخل البيت الواحد، هذه العلاقة تقوم على التمييز بين الصبي والبنت، ليدفع هذا التمييز إلى ثورة داخل النفس كما وصفته الكاتبة: «تغلغل الحزن إلى أعماق الطفلة، وأثار في نفسها ثورة، ونما في وجدانها تساؤل كبير! خاصة عندما وعت بأن أخاها الصبي يستطيع أن يفعل ما يشاء فلا يُعاقب، أما البنت فتعيش حياتها محدودة في حركاتها، وهي مراقبة باستمرار، ونبت في أعماقي رفض لهذا التمييز بين البنت والولد، وكنت أقولها لهم بصوت عال، وأثور عليهم لأنني لمست وعشت تمييزا غير منصف، انتفضت مشاعري وجعلتني أتمنى لو ولدت ذكرا.» ص52، ولا أظن أنه فصل عنصري، كما أشارت الكاتبة (شعوري العميق بفصلي العنصري عن إخوتي) ص52، وإنما هو تمييز بين جنسين (ذكوري وأنثوي).
وتتخذ الكاتبة أيضاً من اللون صفة للتمييز بين الجنسين: «الوردي والأزرق اللذان التصقا بي منذ أن وعيت: الوردي لون البنات، والأزرق لون الصبيان، حتى الآن لم أستطع أن أجد تفسيرا لهذا الاختيار الذي يفرق منذ الولادة بين الولد والبنت، كنت أحب الأزرق لأنه لون البحر والسماء، أو لأنني من حيث لا أدري شعرت بأنه يفرق بيني وبين إخوتي، التصقت بالأزرق من شدة حبي للبحر وهيامي بأزرق السماء الصافي الذي كنت أشاهده من ساحة الدار، كما أشاهد الأزرق في بحر يافا، لكنّ الوردي فُرض عليّ لأنه لون البنات»ص55.
يظهر أن صفة الثورة تحولت إلى حرية مطلقة، كما في مشهد العصفور، الذي حررته الكاتبة من قفصه، وهي طفلة صغيرة، ليعانق العصفور السماء، فحرية العصفور هو انعكاس للداخل في طلب الحرية بعد الثورة على الواقع بصورها أو أشكالها المختلفة: «حرية عصفوري زرعتْ في داخلي مبدأ الحرية في الحياة التي بدأت تتشكل في أعماق روحي»ص58. وهناك مشاهد كثيرة للتدليل على التمرد الاجتماعي وحرية الإنسان في الحياة بمختلف أشكالها.
ثم نتابع سرد الكاتبة على لسان الأب مشاهد من (العصر الذهبي) الذي عاشته زوجة هارون الرشيد (الست زبيدة)، وتتوقف الكاتبة عند معنى كلمة (الست) في اللغة العربية مستشهدة بمقولة يوسف زيدان في لقاء متلفز، فتنقلنا الكاتبة من سرد حكائي إلى حفريات داخل النص مرة أو انزياحات خارج النص مرة ثانية، ففصل «مسقط الرأس يافا» يكشف عن طبيعة النص السردي، حيث يمتزج السردي بالتاريخي، وكأن الكاتبة تلتقط (كاميرا) وتصور مشاهداتها ليافا المدينة التي فُتنت بها، وإن كانت مسقط رأسها، وقد غادرتها ابنة السنتين، لتعود إليها بعد مضي سنوات طوال من العمر، هذه المشاهدات تتحدث عن يافا والاضراب الشهير أيام الحاج أمين الحسيني، وعن بيارات البرتقال، إلى أخر هذه المشاهد في وصف فاتن يأسر القارئ، فتبدأ المشاهد تاريخية أو وثائقية إلى أن تتحول إلى سردي حكائي يقترب من القص الروائي، في كثير من جوانبه.
نلحظ تقطيع داخل النص السردي من خلال كتابة نثرية أشبه بقصيدة النثر، كذلك مقاطع لأغان شعبية، كي ترسم لنا الكاتبة صورة مكتملة للمشهد الوصفي بتفاصيله الصغيرة، وأكثر هذه النثريات تأتي عند الحديث عن الابنة وعلاقتها بأبيها، حيث يتمثل الأب بهالة كبيرة تصل حدّ القداسة، ولما لا، فالطفلة تنظر إلى أبيها بمنظار أخر غير ما ينظر إليه الطفل، كما يتحدث عن هذه العلاقة علماء النفس أو السيكولوجيون.
تستخدم الكاتبة كلمات أو عبارت عامية أو أعجمية أي غير عربية في روايتها، وتحاول الكاتبة كثيرا أن تشير إلى معناها في المتن حينا وفي الحواشي أحايين أخرى، مثل: (لبكة المصارين ص29، الواويات ص33، سفر برلك ص37، صحّرات ص40، يانَسْ ص49، الدوشك ص54 (وقد جاء معناها في الحاشية الكنبة!)، الجنابي ص56، ...الخ).
تمر الكاتبة على أسماء أعلام من سياسين وشعراء وكتاب وفنانين، كما تمر على تفاصيل الأمكنة، لما لها من علاقة بالذاكرة، التي ترصد كل شيء في أزمنة مختلفة من التاريخ الفلسطيني، ومن يقرأ هذه الرواية لا يصاب بالملل، بل يدفعه الشوق لحب المعرفة والسياحة في عالم ساحر من المشاهد.
* ناقد وأكاديمي من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش