الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الربة الحزينة ..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الأحد 6 كانون الأول / ديسمبر 2015.
عدد المقالات: 1995

    إنها ثكلى بأبنائها الذين تتخطفهم يد القدر تباعا، ولا اعتراض على تقادير الله، لكنه الحزن حين يخيم على المكان بعد أن غاص عميقا في القلوب والعيون..
بعد رحيل فارسها «اعطوي» رحمه الله،جاء خبر رحيل الدكتور إياد ابن بطرس صادما، أبلغتني به شقيقتي «رسالة» حين زرتها ليل الأربعاء، وكم كان الخبر موجعا، خصوصا وأن شقيقتي تحمل اسما عزيزا على المرحوم والزريقات على العموم، فقد أسمتها أمي على اسم «رسالة» خالة إياد ابن بطرس، لأن أمنا «جليلة» أم إياد هي شقيقة «رسالة» بنت أبو جليل.. وهذه واحدة من صفحات كتابنا العائلي الخاص، أذكرها هنا تعبيرا عن عمق العلاقة التاريخية التي تربطنا بهذه العائلة، علما أن هذه الصفحة عبارة عن موسوعة في دفء العلاقات الاجتماعية العائلية التي تتنامى بلا قوانين، سوى المحبة والاحترام بين الناس..
 ساعتان تقريبا؛ هي مسافة الطريق بين الربة وعمان، أمضيناها وشقيقي محمد نتصفح كتبا من ذكريات جميلة، هي في الحقيقة تمثل مراحل بناء شخصياتنا الانسانية الفكرية الاجتماعية الثقافية، فتاريخ طفولتنا القاسي يصبح مذهبا في النورانية والوعي والإنسانية، حين ينمو على ضفاف نهر المحبة المتدفق في شرايين «الربة» منذ قرن من الزمان وأكثر.. وها هي كتابتي تنزع إلى الموسوعية بما يشق على القارىء، لكنني سأثوب إلى الصحافة وأتذكر بأنها زاوية يومية لا مجال فيها للموسوعية..
 من باب كنيسة الربة «مدرستي الأولى» مررنا بالسيارة، في طريقنا لقاعة «العلم» المرحوم الشيخ غانم الزريقات ، لكن أكثر رغبة كانت تجتاحني في تلك اللحظة، هي أن أعود طفلا شقيا، وأتسلق شباك الكنيسة الغربي، وأشد حبال أجراسها، فتثور ثائرة معلمتنا الست نجلا، وتلاحقني «عميمتنا» خضرة، ويتساءل الناس: خير أن شاء الله..!
 لماذا تقرع أجراس الكنيسة في مثل هذا الوقت؟.. إنه الفتى إياد يا ناس.
ابن أستاذ كاد برمزيته أن يصبح تمثالا يستحق أن يوضع في منتصف قلب الربة، ليتذكر الناس بأن في هذه القرية معلمون بهذا الحجم، علما أن قليلا من تلاميذ الأستاذ بطرس يعرفونه كما عرفناه نحن، فبيته كان أول بيت ندخله ونلهو فيه منذ كنا أطفالا، برفقة إياد وخلدون وسمية وخلود ثم سهاد، وفي فنائه، أشجار كثيرة، لكن أميزها هي شجرة «الكينا» الضخمة..
يا إلهي كم كنت أشعر بالطرب، أعني حين أسمع سيمفونية حفيف أوراقها، كانت تؤنسني وتتلاشى قسوة العناء الجاثمة على أكتاف وقلب طفولتي، وتشعرني بدفء بيت الأستاذ بطرس، وتذكرني على الدوام بمخزون الرقي والحضارية التي يتمتع بها الأستاذ أبوإياد وكم هي فسحة الرقة والحنان في قلب زوجته «جليلة بنت أبو جليل» أم إياد.. كنت طفلا صغيرا ألوذ بالبساتين حين أهرب من استحقاقات العمل القاسي أو حر الصيف اللاهب، وأعبث بأعشاش العصافير وعناقيد العنب في «بستان بطرس»، وكانت أم إياد تقطف العنب، وتتصنع عدم رؤيتي في الجانب الآخر من شجرة العنب، فهي لا ترضى لي أن أشعر بالحرج، والله إنها كانت تبتعد عن الشجرة حتى لا أشعر بالفزع..
 رأيتها يوما مع أمي تبكيان؛ حين كان الحديث عن عملية قلب لابنتها الكبرى «سمية»، ثم رأيتها تبكي وبعض من شقيقاتها حين سقط أخي «رسول» في البئر، وفي الحالين كان البكاء مراَ؛ مؤثرا مزروعا في قلبي، كطفل ترقد في جوانحه محبة جارفة لتلك العائلة..
آه للأقدار التي خطفت إياد .. إنها تفضح صمتنا وعشقنا الجميل، وتنتهك غموضه الثمين، والمناسبة مؤسفة بكل المقاييس «إياد ابن بطرس مات !!!».
آه يا وجع الأجراس.. إنني أدركت متأخرا أن رغبتي قرع أجراس الكنيسة غير ممكنة التحقيق، وليس السبب هو شحوب سكون الحزن في وجه الكنيسة، بل لأن الأجراس التي كنت أعرف اختفت مع حبالها، فهي أصبحت «سماعات» لا يروقني صوتها كما كان يفعل الجرسان المعلقان في قمتها.. حين كان قلبي الطفولي يرف كأجنحة وقلوب العصافير التي تتطاير رقصا وانفعالا وفزعا حول الكنيسة مع كل «رنة» جرس.
لا بأس عليكم آل بطرس الكرام، فلا حبال سوى المحبة والعطف واللطف بيننا، وأجراس المحبة والحزن على فقيدنا أخينا إياد ستقرع دوما، كلما لاح في النفس ذكرى جميلة تربطنا بإياد زينة الشباب، الذي تتشح «الربة» سوادا على رحيله المباغت، والسكون المهيب الحزين سيكون حركة إعراب الماضي الجميل، بعد أن كان الفتى يمثل حركة وبركة إعراب تاريخ جميل يجمعنا به وبأهله الرائعين..
أعتقد بأنني فعلت الصواب حين أقنعت شقيقي محمد بعدم زيارة القبر قبل تقديم واجب العزاء لعشيرة الزريقات.. لأنني لو وافقته، لما قمنا بالواجب ولأصبحت هذه المقالة موسوعة لن تكفيها صفحات «الدستور» جميعها، وها نحن نكتفي بحزن الربة المقدس،التي ترتدي ثوبه وتسكن هامدة إجلالا لروح الفتى الجميل الذي غادرها بلا استئذان..
على روحك السلام أيها الجميل يا ابن الكرام..اللهم ارحم إياد وألهمنا وذويه الصبر والسلوان، إنه طير جميل لم تخفق أجنحته إلا بكريم خلق ونقاء وصفاء قلب وسريرة..
على روحك السلام أنت البريق ورمز حبنا العتيق لشقيق ولدته أمنا «الجليلة».
[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش