الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شعر وشعراء .. ووطن طيب تجليات المكان الأردني في «سماء أخرى»

تم نشره في الأربعاء 30 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 مـساءً
شعر وشعراء .. ووطن طيب تجليات المكان الأردني في «سماء أخرى»

 

* أ.د. سلطان المعاني



لا يستقيم الكلام عن الشعر دونما تأويل ، فتأويل الكلام فضاءات الشاعر والقارئ التي يتجاوز فيها حدود الدلالة والاشتقاق ، ويتحرر من قاموسية المفردة وبلاغة السردية ، وليحلق في معاني وعوالم لا تقبض عليها المفردات ، فتظل متحررة من التشكل ، ومصادرة الحلم في مقاربة الكلام من الروح والشفافية التي ننشد ، فتأويل الكلام يخلص الكلمات من حروفها ومعجمياتها لتنسحب رشاقة ريشة فنان على لوحة قرأها ذاته آلاف المرات وقرأناها بعددنا.

تأويل النص الشعري يخلق عالما حالما جميلا لا حدود له ، يضيف له الناقد ، والقارئ هاهنا ناقد أيضا ، مدىً برحابة الوجدان البشري ، وتوقه الجامح والأبدي للحرية ، فالتأويل يمنحنا معول تحطيم تخوم القوالب والمفردات.

وتأويل الكلام الشعري لا يشكل ، بالضرورة ، ثنوية ضدية مع موضوعية النقد ، وإنما هو محاولة لتفكيك العالم النصي وإعادة تشكيله على شاكلتنا أو وفق ما نتمنى ، وهو إغواء بمعاودة القراءة ، وتناول النص بحشدْ اكتنازيْ تأويليْ وبمحض إرادتنا.

أن تأويل الكلام ، حوم حول الحقيقة ، أو هو شكلها الآخر الذي نقولب ، دون مغالبة النفس في الخروج عن نطاقها.

الأمكنة كينوناتنا ، أديمها من أجسادنا ، وتقلباتها ثواني أعمارنا ، كان أجدادنا عبيدها ، وسجناء سطوتها في تعاقب فصولها ، وصرنا سادتها نطوعها بأدواتنا كيفما شئنا ، بيد أنها تنقلب علينا وقتما تشاء لنغدو ضحاياها.. وعندما يغدو المكان وطناً ، تقفز في حضوره الذكريات دفعة واحدة فيتماهى المكان والزمان.. نتوق فيه لذلك الغائب ، نشرع له أبواب الهوى ، فيغدو الأثر طللا ، والطلل حبيبا نادمناه زمانا وارتحل ، ونبقى نحن يقين ذاك الزمان المجبول بأرواحنا.. "في بيت عرار" يطلق الشاعر روحه عاشقا دحنون الديار في حوران ، تتأجج فيها الأشجان تناجي عرارا في حضرته ، فالبيت بيته ، "والأشجار بهجته" والشعر صوته ، ويمضي يستحضر جلال المكان برفعته ، يسترق السمع لشدو صاحبه في المرابع والوديان في "إربد الخرزات".. وقد ارتفع صوته في ربوعها يوما بيرق عدل.. فضمته الأرض الطهور ، طيبة ذكراه ، وقد اتشح بأديمها وعشبها وتيجانها. المكان مرجعية لا تقبل التأويل ، فهو الشاعر والراحل والذكريات والحلم القادم ، نمتطي فيه مع الشعراء "وهج الطموح" ، ونسعى إلى الأمل في بستان الحب الداني ، لتحيى في المكان فتافيت الأشياء الصغيرة ، فيستأثر بنا كما يروق له ولنا.

لم يكن عرار مَنْ تلا الشلبيُّ في حضرته النصَّ ، إنَّه المكان الجغرافيا ، والمكان الذاكرة ، والمكان الحلم ، شاءَ لذاتهً أنْ يَسُقْها إلى ذاك أم لم يشأ.

أوراق الوطن وشرفاته تأسيس للدهشة ، نقف عليها لنروي عنها ، فعلى مشارف "سيدة الدهشة" ضانا ، تطلق الأرواحُ أُنسها نورا ونارا ، ضانا جسد تَخَلَّقَتْ في حضنه الأقوام ، "وكتاب أوراقه الأيام" ومن شرفه الأرض هناك يبحث الشاعر عن فسحة الخَلْقً والتَّدَبُّرً.. "وتعالى في الخافقين نشيد ، وأطلت في زهوها الأعوام ، وعلا الشمسَ في ضحاها شراع ، فالمدارات أفقها بسَّام.. والندى بث حلمه ، في صخور ، فتبدى كأنه الأقلام."

يمنح صاحب "سماء أخرى" الالتفاتة التاريخية بؤرة مركزية تمسك بالمكان واقعا معاشاً.. يُسْحًرُك فيه تناغم الصخر والشجر ، ويرتقي بك نحو ذؤابات المجد تاريخا لم يساوم أهله فيه على الحُلم.. فها هم العرب الأنباط يمدون في جمال ضانا "الوحشي" قوافي الرًّيًّ حيث تسري ينابيعها.. لتتحدر على البعد عذب أنغام. وها هو ابن الأردن فروة بن عمرو الجذامي يحمل في حضور الوثن معاول هدم طواغيت روما وأوثانها.. ويرتقي شهيدا يحمل طهر عفرا ، ويمنح ينابيعها مسك الشهادة.."ها هو اليوم.. شاهدّ.. وشهيدّ... ولدى النُّصبً تستريح جذام.".. وها هو الحارث بن عمير الأزدي يسطر بقلم من ضانا ، وعلى صفحة من أوراق الوطن ، قصة شهادة أخرى.. ليمضي الحارث "يلبي..دعوة الحق ، والحقوق ذمام... يا رسول الرسول ، أيُّ كتاب يُطلعُ العشب في الفلاةً ، غمامُ." وها هي ضانا تقص علينا كيف مرَّ بها الطيار ، وكانت عليه "من ندى الفجر حُلَّةّ ، ولثام..".. وكيف رفرف في سمائها شهيدا ذا جناحين.. ليغفو في مؤاب طيب مقام.

ولا يَلْبَسُ الشاعرُ في "أقحوانة الشمال" ثوبَ التَّجَمُّل والتَّخَيُّل.. بل ألبسته عباءة المغاني العذاب.. إذ رقت نسائمها فوق السهول ، وآنسته فاتنة التل ، الذي "لا يُرتقى ، من غير ما همم ترنو إلى همم ، من عزم أهليها." وهو الذي أصغى السمع لنشيد الضحى في ساح مدرستها.. فراح يشدو: "إن شئت أن تقطف المعنى.. وتُودًعَه... في سلة الشعر ، فاجعل... (إربدي) فيها...،،،"

كينوناتنا تتموضع في المكان... وهو صدى الزمان الذي يؤطر منجز الأجداد.. أو نمذجة الجوهر الإنساني في تعاقب الأزمنة والأحقاب ، وهو "أصداء جنوبية" أو شمالية.. سيان،.. فسواء أكان فضاء الفَيض هنا أم هناك.. فإن لحظات البوح والإبداع تشكل مرايا الذاكرة ، وقد صحا عليها الشاعر ، برفقة شعراء ارتبطوا معه بالمكان ، ونسق المسافات في معيار الزمن ، فهذا "يُسَرًّحُ في المدى أحواله ، وخياله ، ويبث ثانينا تباريح المسافة في الأغاني ، والهوى..." والشاعر يقلب "خاطر المعنى على صدر الفلاة" ، يصادق "الإيقاع منتشيا" ويمعن "في الغيوب".. وقد حملته الأصداء الجنوبية إلى لحن الربابة ، وعطر ضانا ، وينابيع الطفيلة عند عفرا ، وشدو كوكب الشرق "أغار من نسمة الجنوب" ، وقد راقه تألق صوت الرفض عند فروة الجذامي ، وخضاب الصخر بطيوب دم الحارث بن عمير الأزدي.. وفي شعرية مشبعة بالملامح الإنسانية جاءت هواجس محمود شلبي من تجليات عجلون وقلعتها في "نقوش أيوبية" ، والتي احتشدت فيها عناصر التاريخ والبوح فعلا بشريا مجليا.. ففي منحى التاريخ نحتمي بقلعتها وماضيها الأثيل.. "أبراجها نهضت تتلو ، لمن قدموا كتاب عصمتها ، في عهد واليها. هذي النقوش على جدرانها رَسمت... معارج النصر في أقصى تناهيها.".. وتمتزج رقة الخاطر مع روعة الخضرة وترقرق ينابيعها ، فعجلون "أنت الطًّلى ، والطَّلُّ تنثره رموش عينيك ، من أغلى مآقيها" عجلون في "نقوش أيوبية" ، تاريخ يعبق مجدا ، وطبيعة خلابة ترتقي دهشة ، وحنينا متصلا تبثه الذرى إلى الذرى ، يرشرشهما النهر بعطر الندى ، وأناس يحملون "هوى الأردن أغنية ، كموجة البحر ، تدنو من مرافيها... لكَ المهابة خُذنا ، وانطلق... فبهم تخضر أحلامنا.. والوعد يرويها. لا شيء أعظم يا أردن من وطنْ ، أنت الذي كنته... حبا... وتنزيها."

إن أجمل الاعتذارات تلك التي تستنبت في الأمكنة ، ففي "بطاقة اعتذار إلى الكرك" ، صار المكان عالما متولدا في وعي الإنسان لغة شعرية ، "وحين أفقت... مزيجا من الحلم... والذكريات ، تلعثم قلبي هنا... وارتبك،، فقد يغفر الله... هذا الغياب الطويل ، حفاظا... على حبنا المشترك." والكرك بقلعتها مقام علا إلى مدارات الفلك.. وامتشق سيف المجد... يشتاق الشاعر إليها.. فهي "مدينة التاريخ والحضارة.. مدار النصر الأعلى..." ، ويستدعي صاحبنا في "حصن الغارب" ميشع بن كيموشيت ملك مؤاب قاهر عمري.. بكل تجليات المكان في قلعة الكرك والطريق السلطاني... وسفوح شيحان ، وهي تستلهم "من قاموسها الكركي" أبجديات الحياة.. ودروس أنسنة الطبيعة ، فها هي جوهرة الصحراء على سيف الصحراء حصنا في الأعالي تعاقب عليه النسور الناصر والمنصور والظاهر بيبرس ، فكانت "دار سعادة" الأيوبيين والمماليك.. وملجأ الثوار في رحلة العمر حين تدلهم الخطوب. وتستجيب المدارات في عليائها للسلط فتفسح لها بين الأفلاك فلكها. في "قصيدة السلط" تمنح المكان الحركة والرشاقة والتيه.. فسلسبيل ينابيعها يمر على الزائرين في خضر الروابي.. وحكايا العمائر والطرقات السلطية في الميدان ، وحي السلالم ومقهى المغربي ، والعامرية تحتضن "الهوى... والإلف ، والتاريخ ، والأيام ، والأعوام ، والأحلام". "هي السلط" ارتقاء بالمكان إلى الأكوان بمجراتها ، والعصور بتليدها وحاضرها ومستقبلها ، فالسلط "لها قامة تمتد.. في مطلق المدى... يكللها الغار.. ويحرسها سيف... عروبية المسعى... حداثية الرؤى.. وقومية الأبعاد ، من خلفها خَلْفُ."

إن المكان في "مدارات سلطية" ، و "قمر البلقاء" حيز متسع للأفق البعيد في الاتجاهين.. نحو التاريخ الذي يحث الذاكرة على وعي الواقع الذي عاشته السلط من غير تخيل ولا تخمين ، فالشواهد تسطع حضورا.. على الإنسان والزمان وتدفق الأحاسيس في الحارات والطرقات مراكز الشعر ومدارات الشعراء.

مائتان وثمانون ورقة ، متوسطة الحجم محترقة بلهيب المشاعر.. يعبق منها عطر الشعر من مروج القصائد عند محمود شلبي.. نقيا.. صادقا.. وهو يبوح بتمسكه بتلابيب المكان الأردني.. فخرا وانتسابا.



التاريخ : 30-12-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش