الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البيت الأول!

حلمي الأسمر

الثلاثاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2015.
عدد المقالات: 2514


-1-
البيت الأول، كالحب الأول، حنين بلا نهاية، كلما مر في خاطرك، أو مررت به، سالت دمعة في مجرى الدم، وبمناسبة مجرى الدم، فإن أقسى الدموع وأكثرها سخونة...تلك التي تسيل في الداخل... في مجرى الدم!
-2-
قسوة أيام البيت الأول، ومرابع الصبا، أحلى بكثير من نعومة  كل الأيام التالية، (إن وُجدت  طبعا!) فمرابع الصبا ومواطن الذكريات الأولى، لا بديل لها، أينما حطت بنا الرحال، في هذا الكون الواسع، طبق بطاطا مقلية، من صنع الوالدة، مثلا، تحت ظل الدالية، في حوش البيت، ينافس في لذاذته أشهى أطباق الطعام في العالم، تكويعة على «جنبية» أو فرشة متواضعة جدا، في مساء صاف، أروع من أي إطلالة على أحلى مشاهد الدنيا، وإغفاءة أو تعسيلة عابرة، على ساق الوالدة، تعدل وتفضُل أشهى نومة في أرقى فنادق الكون!
-3-
القصة ليست قصة داعش ولا فاحش، ولا حالش، القصة باختصار، ثمة عصابة من القتلة وقطاع الطرق، لم يحتلوا فلسطين فقط، بل عاثوا في الكون فسادا، وسخروا كل ما فيه تقريبا، لخدمة مشروعهم التخريبي، وأعادوا تأثيث الذاكرة الجمعية للبشر، بأدوات القتل البشعة التي كان يستخدمها أكلة لحوم البشر، فخربوا الذائقة الجمالية للإنسان، هذه ليست أفكارا «لاسامية» حسب تصنيفهم، بل هي مقاربة مخففة، لما فعله الصهاينة في فلسطين، وما انداح من أحداث على سطح الكرة الأرضية، تتماهى مع الاحتلال، وتدعمه، ما ولّد حالة سخط عند الشعوب، خاصة حين رأت الـواحد في المائة من سكان الكوكب، وهم حكامه و»حكماؤه الكذبة!» مجرد خدم في كنيس كبير، مليء بحاخامات القتل والإرهاب المنظم، هؤلاء وأولئك، خربوا «بيتي الأول» في يافا، واستولوا عليه، وجاؤوا بلصوص باحثين عن الثروة، ليحتل غرفة نومي، فيما أنام أنا في اللامكان، صورة مصغرة جدا، ومكثفة، لتشريد 60 مليون نسمة فيما بعد، نتيجة الحروب التي اندلعت، وتندلع، في منطقتنا، منذ وطىء أول قاطع طريق في «بتاح تكفا» أو فاتحة الأمل، كما يسمونها!
-4-
كم أضحكني الكاتب العبري يوئيل ماركوس في تشبيهه ذاك، الذي يخدش الحياء العام، قال بالأمس في مقالة له «هآرتس»: «الطفل البلجيكي المصنوع من البرونز يبول في حوض النافورة في بروكسل. أما زعيمنا من لحم ودم، فيفعل هذه الفعلة علينا» المبكى في المشهد، أن «زعيمهم» يفعلها عليهم، وهم يفعلونها على العالم كله!
-5-
ولكن.. مهلا..
هم يقرؤون، ويعلمون ما سيحل بهم، آجلا غير آجل، ولهذا، هم أحرص الناس على حياة، أي حياة، ربما لأنهم يعلمون مصيرهم، فقد ورد في سفر التثنية في الإصحاح الرابع ما نصه:  «26أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَنَّكُمْ تَبِيدُونَ سَرِيعًا عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ الأُرْدُنَّ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا. لاَ تُطِيلُونَ الأَيَّامَ عَلَيْهَا، بَلْ تَهْلِكُونَ لاَ مَحَالَةَ. 27وَيُبَدِّدُكُمُ الرَّبُّ فِي الشُّعُوبِ،»  وجاء أيضا فيما يشبه وصفهم هذه الأيام، نتيجة انتفاضة الطعن في السفر نفسه الإصحاح الثامن والعشرين: 63 وَكَمَا فَرِحَ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُحْسِنَ إِلَيْكُمْ وَيُكَثِّرَكُمْ، كَذلِكَ يَفْرَحُ الرَّبُّ لَكُمْ لِيُفْنِيَكُمْ وَيُهْلِكَكُمْ، فَتُسْتَأْصَلُونَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا. 64 وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا، وَتَعْبُدُ هُنَاكَ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلاَ آبَاؤُكَ، مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ. 65 وَفِي تِلْكَ الأُمَمِ لاَ تَطْمَئِنُّ وَلاَ يَكُونُ قَرَارٌ لِقَدَمِكَ، بَلْ يُعْطِيكَ الرَّبُّ هُنَاكَ قَلْبًا مُرْتَجِفًا وَكَلاَلَ الْعَيْنَيْنِ وَذُبُولَ النَّفْسِ. 66وَتَكُونُ حَيَاتُكَ مُعَلَّقَةً قُدَّامَكَ، وَتَرْتَعِبُ لَيْلاً وَنَهَارًا وَلاَ تَأْمَنُ عَلَى حَيَاتِكَ. 67فِي الصَّبَاحِ تَقُولُ: يَا لَيْتَهُ الْمَسَاءُ، وَفِي الْمَسَاءِ تَقُولُ: يَا لَيْتَهُ الصَّبَاحُ، مِنِ ارْتِعَابِ قَلْبِكَ الَّذِي تَرْتَعِبُ، وَمِنْ مَنْظَرِ عَيْنَيْكَ الَّذِي تَنْظُرُ.
وربما لنا وقفة مع هذا الأمر ذات يوم!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش