الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خطاب الملك كان «زلزالا» سياسيا هز كثيرا من الاحكام المسبقة لدى مراكز صناعة القرار في امريكا

تم نشره في الاثنين 27 نيسان / أبريل 2009. 03:00 مـساءً
خطاب الملك كان «زلزالا» سياسيا هز كثيرا من الاحكام المسبقة لدى مراكز صناعة القرار في امريكا

 

 
كتب: حسين الرواشدة

لا يمكن قراءة الزيارة التي قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني لواشنطن بمعزل عن السياقات التاريخية ، والمناخات الاقليمية ، والمتغيرات الدولية ، فاهميتها لا تنبع - فقط - من اعتبارها اللقاء الاول لزعيم عربي مع الادارة الامريكية الجديدة ، ولا «للاجندة» التي تحملها والرسائل التي تريد ان توجهها الى اكثر من عنوان ، ولكنها تنبع - ايضا - من ادراك اردني يستند الى كثير من المعلومات والحقائق بضرورة التحرك سريعا لمواجهة استحقاقات اقليمية بدت مخاضاتها تنذر بالخطر ، وهو ادراك يحظى باجماع ورضى عربي ، توجته اتصالات قام بها جلالته مع العديد من اشقائه في العواصم العربية المعنية ، وتبعه حراك دبلوماسي احتضنته عمان من خلال لقاء وزراء الخارجية العرب وامين عام الجامعة العربية ومن خلال اتصالات مع اطراف اقليمية ودولية ، انتهت كلها الى تفويض جلالة الملك بحمل رسالة عربية واضحة الى واشنطن ، ومن خلالها الى العواصم الاخرى ، مفادها ان المنطقة في خطر ، وبانها بحاجة الى خطة «انقاذ» سريعة ، وبان مصداقية امريكا - والعالم ايضا - امام اختبار عسير ، لا يمكن النجاح فيه الا من خلال اعتماد «سياسة» جديدة ، تقوم على الافعال لا مجرد الاقوال ، وتضع حدا لموجة التطرف التي تركبها الحكومة الاسرائيلية الجديدة ، وتنهي معاناة الشعب الفلسطيني من بوابة «الاستقلال» لا المعونات الاقتصادية فقط ، ومن منظور «حل الدولتين» الدولة الفلسطينية على الاراضي الفلسطينية المحتلة لا غيرها ، لان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني لا يوجد في فراغ ، ولا ينفصل عن غيره من الازمات والاحداث التي تتعرض لها المنطقة ، بل انه «المدخل» الضروري لمعالجة هذه الازمات كلها ، والعنوان الوحيد لاعادة الامن والاستقرار للمنطقة وللعالم ايضا.

التحرك الاردني بقيادة جلالة الملك نحو مراكز صناعة القرار في امريكا والغرب عموما ، كان بوصف احد السياسيين «زلزالا» سياسيا هز كثيرا من الاحكام المسبقة ، والقراءات المستعجلة ، والاجندات المتراكمة ، لدى كثير من النخب والعواصم التي ظلت تراهن على افتقاد الخطاب السياسي العربي لمقومات الحجة والاقناع وحسن التقديم والعرض ، فقد استطاع جلالة الملك ان يخاطب مراكز الفهم والاقناع لدى الاخر باللغة التي يفهمها ، لغة الحقائق والارقام والفهم الدقيق لما يشتمل عليه المشهد الاقليمي والدولي من مستجدات ومتغيرات ، كما نجح في وضع «القضية الفلسطينية» مجددا في دائرة الاهتمام والصدارة ، واعاد الى الاذهان ما تمخضت عنه السياسات الدولية المتسرعة وغير المدركة بجوهر الصراع العربي الاسرائيلي من ويلات وحروب.. داعيا الى تفهم حقيقة ما يجري ، ومعالجته «بالسياسة» المفتوحة على جميع اطراف الصراع وعدم اختزاله في الوعود وجولات مبعوثي السلام من دون ان تتمخض عن اجراءات على الارض وحلول تعالج المرض لا مجرد الاعراض فقط.

لا شك بان قرار التحرك الدبلوماسي الاردني نحو واشنطن كان مدروسا باتقان ، فبعد اكثر من مئة يوم على وصول اوباما الى البيت الابيض ، اتضح تماما ان ثمة «اجندة» جديدة يتبناها الرجل ، وان ثمة توجهات امريكية جديدة لتحسين «الصورة» قد بدأت مبكرا باتجاه العالم العربي والاسلامي ، وهو ما عبر عنه الرئيس اوباما بصراحة لدى زيارته الى تركيا ، وما عبر عنه ايضا بعض المسؤولين في ادارته حين انتقدوا التصريحات الاسرائيلية «كلنتون مثلا اكدت ان صبر امريكا حيال تل ابيب بدأ ينفد» ، وكل ذلك يشكل ارضية مناسبة لانطلاق جهد عربي استباقي ، يستثمر هذه المناخات ، ويضع القضية الفلسطينية مجددا على «الطاولة».. لكن وفق تصور جديد قائم على «وحدة الموقف العربي» ، وكارثية الوصفات القديمة وما تمخض عنها من حروب وويلات ، وصناعة رأي عام دولي مقتنع «بالحل» المعروض عربيا ، ومتفهم لسوء مآلات المماطلة وغياب الحلول العادلة ، مع عدم اغفال «سطوة» الازمة الاقتصادية التي يمر بها العالم ، وما يمكن «للعرب» ان يقدموه من مساهمات في تجاوزها.

على الجانب الاخر ، الاسرائيلي تحديدا ، كان ثمة ما يؤكد بان الحكومة الجديدة ، وما تستند اليه من دعم شعبي بدأ يشعر بالخوف والرعب على امنه ومستقبله في ظل تراجع «القوة» العسكرية ، وتصاعد موجة الهزائم والتهديدات ، قد انحازت الى «القطعة» تماما ، بما تحمله من مضامين التطرف والكراهية واقفال ابواب السلام والمفاوضات واقصاء الشريك من اية معادلة للتسوية او السلام ، وكان لا بد من التحرك على الجانب العربي لوقف هذا الجموح غير المسبوق ، ووضع حد لهذه الممارسات التي فهمت وكأنها تدفع المنطقة الى سلسلة من الحروب التي لا تنتهي.. والصراعات التي لا يمكن ان تتوقف.

التقطت الدبلوماسية الاردنية هذه اللحظة ، وتعاملت معها بمهارة ، ووضعت امامها على ضوء التصريحات الاسرائيلية عددا من العناوين: اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة هو الاساس الوحيد للتوصل الى تسوية عادلة للصراع.. وذلك مقابل دعوة نتنياهو لمنح «السلام الاقتصادي» للفلسطينيين ، ضرورة الالتزام بحل الدولتين كصيغة مقبولة عربيا مقابل ما اكد عليه وزير الخارجية الاسرائيلي حول «تنصل اسرائيل وعدم التزامها بتفاهمات انابوليس ، كما التقطت الدبلوماسية الاردنية عددا اخر من العناوين الدولية: تأكيد المبعوث الامريكي الخاص بالشرق الاوسط جورج ميتشل بان امريكا ستعمل من اجل تحقيق حل الدولتين وذلك لان هذا الحل يندرج ضمن اهتمامات المصالح القومية الامريكية ، دعوة توني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الخاص الحكومة الاسرائيلية بضرورة الاستمرار في المفاوضات مع الفلسطينيين ، ما انتهى اليه اخر تقرير استخباري امريكي حول ملف الشرق الاوسط ، وقد اعده احد الباحثين المقربين من الحزب الديمقراطي من ان «الادارة الامريكية الجديدة بدأت تدرك ان الحكومة الاسرائيلية الجديدة تحاول الدفع باتجاه اجندة معاكسة للاجندة الامريكية الشرق اوسطية ، كما ان الادارة الامريكية «ستواجه مشكلة الصراع المحتدم بين طرفي اللوبي الاسرائيلي في امريكا ، خاصة بعد ان نجح انصار نتنياهو ليبرمان في بناء لوبي خاص داخل اللوبي الاسرائيلي في امريكا ، ومن المؤكد ان هذا الصراع سينتقل الى صفوف الحزب الديمقراطي وبالتالي الى صفوف الادارة الامريكية نفسها.

من هذه الارضية ، يبدو ان التحرك العربي الذي يقوده جلالة الملك قد اختار اللحظة المناسبة «للهجوم» ، فهو من جهة يريد ان يضع صانعي القرار في واشنطن امام مسؤولياتهم ويستثمر «التغيير» الذي اشهرته الادارة الجديدة في ادراج « الصراع العربي الاسرائيلي» على قائمة الاولويات وربط ذلك مع ما ينتظره العرب والمسلمون من «اوباما» وادارته الجديدة من افعال وتحركات جادة ، من اجل تغيير مواقفهم ايضا من الصورة التي انطبعت في آذهانهم عنها ، وهي غير ايجابية بالتأكيد ، كما انه من جهة ثانية يريد ان يطمئن العواصم العربية ، والشعوب العربية ، على ان استعادة القضية الفلسطينية «لعافيتها» ومكانتها واهتمام العالم بها ، ممكن وضروري ايضا ، ولكنه لا يمكن ان يتحقق بدون «توافق عربي» يصدر عنه خطاب مقنع وموحد ، وقبل ذلك مصالحات عربية حقيقية تتوازى مع اعادة «الوئام» والوفاق الفلسطيني الى ما كان عليه قبل حادثة «الانشطار» وتبلور حكومة فلسطينية موحدة وقادرة على حمل قضيتها الى العالم بعيدا عن «لغة» الاتهام والانقسام ، كما انه من جهة ثالثة يريد ان يحذر اسرائيل من مغبة «العبث« بالسلام ، والتنصل من الالتزامات والمفاوضات ، ومن خطر «اللعب» في ميادين الالغام التي قد تنفجر في وجهها ، وفي المنطقة ايضا ، في اية لحظة ، فهي كما قال جلالة الملك امام خيارين لا ثالث لهما: اما الاندماج في المنطقة من خلال تسوية عادلة و منصفة تعيد الحقوق لاصحابها وتطمئن الاجيال على ما يدفعونه من ضريبة للسلام ، واما البقاء قلعة معزولة واشعال المنطقة بحروب كارثية ، ستكون اول الخاسرين منها بلا شك.

وفقا لبعض ما سربته الصحف الاسرائيلية فان الحكومة الاسرائيلية بدأت تشعر بأنها اصبحت «مطوقة» ومحاصرة ، اقليميا ودوليا وبأن زيارة جلالة الملك لواشنطن وما ترتب عليها من تصريحات امريكية ، قد «احرجتها» لا سيما وسط المؤيدين لها في امريكا ، وخاصة اللوبي اليهودي الذي تصاعدت حدة الانقسام بين صفوفه ، ومن المؤكد ان فشل «المراوغة» الاسرائيلية في التغطية على التصريحات التي تخرج من ليبرمان او حتى نتنياهو قد دفع الحكومة في جلستها أمس ، الى التفكير بصياغة «ردود» جديدة ومبادرات محسنة ، على ما يصلها من دعوات للتفاوض... أو لصياغة موقف اسرائيلي اكثر ليونة مما سبق للحكومة ان تعهدت به.

لا شك بأن العرب لا يعوّلون على ما يمكن ان تطرحه اسرائيل من محاولات «لتزيين» صورتها ، او لاخراج «مواقفها» بصورة اقل «تطرفا» مما تتبناه داخل مطابخها السياسية ، ولهذا جاءت تأكيدات جلالة الملك بضرورة «التدخل» لانضاج خطة ذات سقف زمني محدد ، ونتائج محددة ، وهي مسؤولية امريكية بالاساس ، من اجل الضغط على اسرائيل للرضوخ الى المطالب الدولية ، والانخراط في مفاوضات جادة لا تبدأ من الصفر ، ولا تركز حول «العملية» التي اصبحت جزءا من التاريخ ، وانما على «صناعة السلام» على اساس المبادرة العربية وعبر حل «الدولتين» اللتين تتمتعان بالسيادة والقابلية للامن والحياة.. وتضمنان التعايش المشترك بين الجميع.

كان لا بد للموقف العربي بالطبع ان يخرج عن صمته ازاء ما التقطه من تحولات جذرية في المنطقة ، ومن تراجعات اسرائيلية مؤكدة ومبرمجة عن «السلام» والتسويات والحلول المطروحة لوضع حد للصراع الذي مضى عليه اكثر من 60 عاما ، وكان لا بد ـ ايضا من مكاشفة واشنطن بهذه الحقائق وتحذيرها مما قد يترتب عليها من اثار مدمرة وقد حصل.. فهل بوسعنا ان نتوقع ما يتمخض عنه هذا الجهد العربي الذي قاده جلالة الملك ، من نتائج؟ وهل ستنجح واشنطن بالضغط على اسرائيل لتغيير اتجاه مواقفها وسياساتها؟ ثم ماذا عن «الاجندة» الامريكية في المنطقة.. من العراق والانسحاب منه الى طهران وملفها النووي.. الى سوريا والجولان..الخ..

هل ستكون «فلسطين» وقضيتها بوابة امريكا لفك هذه الملفات المعقدة.. وهل ستتقاطع مصلحة امريكا القومية مع مصلحة العرب والفلسطينيين في نقطة «ممكنة» يمكن ان تدفع الى تحولات جديدة في منطقتنا والعالم..

وهل يملك «اوباما» وصفة جديدة تساعده في اعادة صورة امريكا التي يريدها لعيون العرب والمسلمين الذين لم يترددوا في الاجابة عن سؤال «لماذا يكرهوننا» حين اجمع المثقفون والسياسيون الامريكيون على طرحه عليهم قبل سنوات؟

لقد وضع جلالة الملك الكرة في ملعب واشنطن ، وفي ملاعب كثير من العواصم العربية والاوروبية التي اختارت جلالته لكي يحمل رسالتها: رسالة السلام والامن والتعايش الى كل من يهمه الامر.. وقد حملها بقوة ودافع عنها بجدارة ، وطرحها بحكمة واقتدار.. وحسبنا ان ننتظر الردّ؟،



Date : 27-04-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش