الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأسير المحرر لـ «الدستور»: «9» سنوات تعرضت فيها لكل انواع التعذيب النفسي والجسدي في سجون الاحتلال

تم نشره في الاثنين 27 تموز / يوليو 2009. 03:00 مـساءً
الأسير المحرر لـ «الدستور»: «9» سنوات تعرضت فيها لكل انواع التعذيب النفسي والجسدي في سجون الاحتلال

 

* اجرت الحوار: نيفين عبد الهادي

حالة هروب من الأمس بكل تفاصيله ، من غرف ضيقة.. جدران عالية.. عتمة الوجود.. البحث عن المجهول في المجهول.. كذا لخّص الاسير المحرّر من سجون الاحتلال الاسرائيلي ماجد دحدوح وضعه اليوم وبعد تحقيق حلم الحرية الذي تمناه صباح كل يوم منذ تسع سنوات مضت في سجون الاحتلال.

ماجد دحدوح (37) عاما ، يعيش فرحة الحرية بحالة خاصة جدا ، انتزعها من معاناة سنين الاسر التي يسخّر مشاعره وايامه الان لنسيانها بكل ما حملته من الام ومعاناة ، وجراح وامراض ، فهي السنين التي توفي بها والده دون ان يراه ، وفي قلبه حسرة رؤية ابنه الاسير محررا ، وهي السنين التي خطفت منه اجمل لحظات شبابه ، بتعذيب اسرائيل اليومي له سواء نفسيا اوجسديا ، وكذلك محاولاتها اهانته ومساس حرمة الكثير من قضايا حياته ، .. امور سلبية يحاول ماجد وفق ما تحدث به لنا نسيانه.

دحدوح في حديث شامل خاص لــ"الدستور" قال انه خرج من سنين الاسر بصور حملها من عدة معتقلات تنقل بها اما طوعيا واما اجباريا ، صور قهر وعذاب ، ولعل الغريب في حديث ماجد ان هذه الصور ليست معنوية فحسب ، بل حرص على ان يتصور صورا فوتوغرافية في المعتقلات ويحتفظ بها على جهاز الكمبيوتر الذي يساعده في استخدامه ابن شقيقته كونه لم يتمكن من اتمام تعليمه.

صور ماجد حملت قصة اسير انتزع حق الحياة بدءا من سريره الذي كان ينام عليه والتقط له صورا ، وانتهاء بباب الزنزانة التي عاش خلف قهرها سنين تسع من عمره ، حيث كانت آخر صور قصة وجعه.. صورة امام بابا الزنزانة وهويغادر المعتقل ابتسامة حذر وخوف وترقب ، لكنها نهاية القصة.. قصة الوجع والقهر التي تحدث عن تفاصيلها للدستور.

(فرح عائلي )

توجهنا وزميلي المصور الى منزل شقيقة ماجد التي يقيم عندها خلال هذه الفترة التي تحفل باحتفالات الاهل والاقارب بعودته ، كنا نجهل مكان السكن ، وطوال الطريق لازمنا شعور الفضول لمعرفة تفاصيل ما حدث مع ماجد من جانب ، وما ينتظره من عالم مختلف برحابته عن العالم الضيق الذي عاش به تسع سنوات من الاسر.

استقبلنا ماجد وشقيق اخته الشاب محمد ، وكانت شقيقته (ام محمد) بانتظارنا عند باب المنزل ، وكل ملامحها تتحدث عن سعادة يصعب وصفها ، لكنها تقول بشكل او بآخر انها سعيدة وفرحة بعودة الابن الاغلى في الاسرة ، بدأنا الحديث مع ماجد الذي كان تحدث بلغة بيضاء خفيفة ، وبعفوية لم تخل من القهر والفخر بسنين عمره التي مضاها في المعتقلات الاسرائيلية ، وعدم الندم على اي خطوة قام بها.

واعتبر ماجد ان زيارات المسؤولين في السفارة الاردنية للاسرى الاردنيين في السجون الاسرائيلية بمثابة الداعم الاساس لهم ، اضافة الى الزيارات التي تنظمها الحكومة بين الحين والآخر لاهالي الاسرى لزيارتهم.

(بدايات حاضرة)

ہ الدستور: نعلم ان البدايات مؤلمة ، وقد تكون من امانيك ان تمحوها من ذاكرتك ، لكننا نود بداية ان نعرف بدايات اعتقالك ، ولماذا اعتقلت؟

ـ البداية كانت وانا في سن 29 عاما ، حيث كنت قد شاركت في الانتفاضة عام 2000 ، آنذاك كنا نتمنى ان تنتهي هذه الانتفاضة لما الحقته بالفلسطينيين من آثار سلبية ، لكن الانتفاضة استمرت وقد تكون مستمرة حتى هذه اللحظة ولكن بصورة مختلفة واقل حدة ، وكانت هذه الانتفاضة رسالة للعالم بأسرة من الشعب الفلسطيني بحقه في الحياة والحرية وان يكون له حق العيش فكان ان شاركت بهذه الانتفاضة.

لا اخفي كان البدايات مؤلمة ، لكنها حاضرة بشكل قوي في ذاكرتي واعيشها باستمرار ، حيث كنت موظفا ، ولكن في ظروف مالية ووظيفية سيئة جدا ، وكنت باستمرار اشارك بالانتفاضة.



ہ الدستور: وكيف تم اعتقالك؟.

ـ كانت عملية اعتقالي غريبة ، وبصراحة غير متوقعة ، وتحديدا بعدما اصبحت مناطق ( أ ) تخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية ، الامر الذي ابعد عنا شبح سلطات الاحتلال وحضورها في حياتنا ، فلم اتوقع يوما انه سيتم اعتقالي.

وفي ذات اليوم كنت اركب حافلة من جنين الى رام الله وفي الطريق وعند المرور بحاجز جيش قاموا بالتدقيق على هوياتنا ، وطلبوا من الحافلة التحرك بعدما عاد الركاب جميعا اليها باستثنائي ، اذ طلبوا مني البقاء خارجا ، مضت الحافلة وبدأت رحلة معاناتي منذ تلك اللحظة.

بقيت اقف دون ان اعرف ما الذي يحدث من حولي ، وبعد خمس ساعات من وقوفي ، قيدوا يداي بقطعة قماش ووضعوا لي عصبة على عيني ، وكانت اول نقطة اعتقال لي في (بيت إيل) ، كانت هناك نقطة التعارف بيني وبين جيش الاحتلال.



ہ الدستور: متى تم البدء بالتحقيق معك؟ وهل تم التعرض لك بالضرب خلال هذا الاثناء؟.

ـ في بداية الامر وضعت في (بيت إيل) لمعرفة معلومات عني ، ومن ثم تم نقلي الى (المسكربيه) اعتبروها محطة تعارف وبدأوا الاستفسار عني وعن اسرتي واشقائي ، وتفاصيل اخرى اؤكد انهم يعرفون الاجابات عليها كافة ، وفي الليل اعادوا ترحيلي الى (بيت إيل) مرة ثانية ، وفي اليوم الثاني نقلت الى سجن عسقلان..

وبالطبع طوال هذه الفترة لم يتم التحقيق معي على الاطلاق ، ولكن تم ترحيلي كما اسلفت وخلال ثلاثة ايام الى ثلاثة معتقلات ، لم يتم ضربي ولكن استخدمت معي اساليب نفسية لايذائي وتحطيم نفسيتي ، اضافة الى تشكيكي بمبادئ هامة في حياتي.

(اول يوم بالمعتقل )..

ہ الدستور: هل ما زالت تذكر تفاصيل اول يوم لك بالسجن؟ وهل يمكن ان تصفه لنا؟.

ـ بالطبع اذكره تماما ، تفاصيل ايام اعتقالي اذكرها تماما ، لم انس منها اي شي ، ولن انسى.. عندما دخلت المعتقل لم اكن نادما على الاطلاق ، لكني كنت خائفا من المجهول الذي ينتظرني ، كنت افكر اين انا ومالذي تخفيه لي الايام ، وبالطبع كل ما تخيلته لم يكن نقطة ببحر الواقع المرير الذي عشته ، اول يوم من سجني ، كانوا يضعون على عيني نظارات محكمة لا يمكن رؤية اي شيء من خلفها ، سرت الى منطقة لا اعرف شيئا من تفاصيلها يقتادني احد الجنود ، وطلبوا مني ان ارتدي زي السجن وهوعبارة عن بنطلون بني وقميص بني ، وادخلوني الى ضابط للتحقيق معي وكانت اول جملة قالها لي:"انا فواز ، وانا مسؤول عن ملف شرب دمك"، شعرت بالخوف لكني عشت الحالة كما هي وتفوقت على ذاتي وقاومت اي شعور بالضعف مما ينتظرني.

واستمر الحال هكذا ، حيث صدر قرار حبسي بعد سنتين من التحقيق ، بعدها حكمت 12 عاما ، وبعد الاستئناف خفضت المدة الى 9 سنوات.



ہ الدستور: ما هي انواع التعذيب التي تعرضت لها؟.

ـ ابرز انواع التعذيب التي تمارسها اسرائيل على الاسرى تتعلق بالجانب النفسي ، كموضوع قلة النوم وعدم تمكينك من النوم لفترات طويلة ، واخبارك بأن اعز الناس على قلبك قد توفي ، اوانهم اعتقلوا ابنة عمك ويتم التحقيق معها بسببك ، اوادخال مجندات على الاسرى في لباس غير محترم ، اوالاعتماد على العملاء بالتجسس علينا ، اوتشويه صورة الشخصيات التي تتمتع بمصداقية ، كلها اساليب تدميرية نفسية باتت تعتمد عليها اسرائيل تماما كبديل عن التعذيب الجسدي الذي لم تغفله ايضا في الكثير من الاحيان.



ہ الدستور: ومن هو اول شخص التقيته بالمعتقل؟.

ـ ومازلت اذكر ان اول يوم اعتقال لي بعد انتهاء التمييز كان يوم عيد ، فكان عيدي اني دخلت حياة جديدة ، وانتقلت من عالم كبير الى عالم ضيق بمساحته ، واول شخص التقيته بالمعتقل كان جباره ابوالسكر ، ودخلت قسم ,12

وكنت كل يوم اعيش حلم الحرية ، وتحديدا عندما كنا انا والاسرى جميعا نسمع بمباحثات تدور حول ملف الاسرى ، نبدأ برسم لوحة وردية لغد نحيا به فرحة الحرية ، وسرعان ما يبدد اليأس هذه الاحلام ، ونعود حيث كنا كل في زنزانته ينتظر بارقة امل جديدة.

(الجهود الاردنية )..

ہ الدستور: وسط هذه الاحداث ، ما طبيعة الاتصالات مع السفارة الاردنية في تل ابيب وكلنا يعرف الجهود التي تبذل لخدمة ملف الاسرى؟.

ـ بالفعل هناك زيارات يقوم بها القنصل بين الحين والاخر للاسرى الاردنيين في اسرائيل ، انا شخصيا آخر لقاء كان لي مع القنصل ، في الخامس والعشرين من تشرين الثاني الماضي ، حيث قاموا بتجميع الاسرى الاردنيين في معتقل هداريم والتقينا بالقنصل.

كما ان الحكومة الاردنية تعمل جاهدة على انهاء هذا الملف بشكل يضمن الحرية لكل الاسرى الاردنيين في اسرائيل ، هذا الى جانب تنظيم زيارات للاهالي بين الحين والاخر ، وبالطبع هذه الزيارات تعد بلسم جرحنا وطوق نجاة غربتنا وقهر اسرنا.



ہ الدستور: من هي ابرز الشخصيات التي التقيتها خلال فترة اسرك؟.

ـ التقيت شخصيات هامة تاريخيا ونضاليا ، الى جانب الاسرى الاردنيين ، التقيت بالسيد مروان البرغوثي ، واكرم ابوزهرة ، وعزيز دويك ، وعدد من القيادات الكبرى الاخرى.



ہ الدستور: كيف كنت تتصل باهلك؟.

ــ هذه من ابرز انواع التعذيب والقهر التي كانت تمارس بحقنا ، فعلى سبيل المثال ، طوال السنتين الاولى من اعتقالي واثناء فترة التحقيق ، لم اتصل باسرتي على الاطلاق ، ولم اعرف عنهم اي معلومات على الاطلاق ، لم اعرف عنهم شيئا كما هم لم يعرفوا عني اي شيء.

وكانت الرسائل هي الوسيلة الوحيدة بعد ذلك لمعرفة اخبار اهلي ، ولكن الرسائل كانت تصل بعد اشهر من ارسالها ، واذكر ان رسالة وصلتني من اسرتي بعد تسعة اشهر من ارسالها ، لكن بعد ذلك تمكنا من تهريب اجهزة هواتف خلوية للمعتقل وكنا نتحدث مع ذوينا مساء بعد ذهاب مدراء السجن الى منازلهم.

ولكن حتى هذه المسألة تغيرت ، بعد محاولة هروب اسيرين من المعتقل عام 2003 ادت الى نكسة في السجن ، حيث تم تفتيش الزنازين من خلال الكلاب والجنود ، وتم سحب الاجهزة الخلوية ، وتشديد الحراسة ، وتغيير نمط التعامل معنا وكذلك موضوع عد الاسرى الذي ارتبط بالعد والصورة.

(اصعب لحظات الاعتقال)

ہ الدستور: ما هي اصعب اللحظات التي مرت عليك في المعتقل ، ولن تنساها؟.

ـ اصعب اللحظات عندما عرفت بوفاة والدي ، الذي توفي العام الماضي ، وكنت قد خرجت حديثا من الزنزانة الانفرادية ، وشعرت بانقباض بالقلب وسارعت بالاتصال مع اهلي في عمان ، وسمعت ضوضاء وحراك ناس ، وسألت والدتي ما الذي يحدث فقالت لي انهم الان عادوا من دفن والدي ، الذي توفي وهويأمل ان يراني قبل وفاته.

اضف الى ذلك موضوع "التفتيش الجسدي العاري" وهو اسلوب من ابشع اساليب التعذيب والاهانة التي تقوم بها سلطات الاحتلال عندما تجبر الاسرى على هذا الامر وباسلوب ينتهك به آدمية الاسرى وكرامتهم ، وكانت هناك مطالبات عديدة لالغاء هذه المسألة لكن كالعادة لم تستجب اسرائيل لذلك.

كما ان من اصعب الايام كانت ايام الاضراب عن الطعام ، في الثالث والعشرين من آب 2004 ، بدأنا الاضراب المفتوح عن الطعام ، وكان يرافقه موضوع فرض سياسة التفتيش العاري ، واستمر الوضع 14 يوما وهي من اسوأ ايام اعتقالي.



الدستور: وهل تعاني من نتائج صحية نتيجة الاعتقال؟.

ـ هناك عدد من الامراض التي اعاني منها ، ابرزها امراض بالمعدة ، وآلام حادة بالظهر نتيجة الضرب عليه والركل باقدامهم ، اضافة الى امراض بالقدم والمفاصل.



الدستور: ما الذي حملته معك من المعتقل ، ماذا احضرت معك؟.

ـ لم احمل سوى صور فوتوغرافية تذكرني بحقائق لن تنسى من حياتي ما حييت ، فقد قمت باخذ صور في كل جزء من اجزاء المعتقل ،

.. هذا ما حملته معي ، وابرز صوري كانت عند باب الزنزانة وانا اترك هذا القبر الذي دفنت به تسع سنوات..اما باقي اغراضي لم احضر منها شيئا ، لن احضر ما يربطني بمر الايام التي عشتها ، ويذكر اسرتي بآهات عاشوها بانتظاري ، تركت كل شيء ، جلت بنظري في الغرفة وانا اغادرها ، لم اجد ما احمله ، ويكفي اني احمل ذكريات قاسية.



ہ الدستور: كيف تليقت نبأ الافراج عنك ، والذي طالما حلمت به؟.

ــ اي اسير مهما كبر اوصغر ، ومهما علا شأنه اوقل ، يحلم بالافراج يوميا ، وهذا حلمي منذ اول يوم دخلت به المعتقل ، وعندما بلغت بالافراج عني ، اول ما قمت به احضرت هاتف وقمت بالاتصال بوالدتي واخبرتها اني قادم حر الى عمان ، احمل وجع سنين واحتاج حضنها وحضن اسرتي ، ووسادة ابي القي بنفسي وهمي عليها.

والمضحك بالامر ان الهاتف الذي استخدمته ، كانت بطاريته من صنع الاسرى انفسهم ، ذلك ان بطاريته الاصلية تمت مصادرتها واتلافها ، من قبل سلطات الاحتلال ، وقمنا باختراع بطارية ، لهاتف حمل اجمل المكالمات.



ہ الدستور: وبماذا تحلم الان للقادم من ايامك؟.

ـ احلم بالحلم.. بحياة وردية خالية من الغرف المغلقة والعتمة ، ومن الجدران العالية ، احلم بحياة مليئة بالحرية ، اريد ان اتزوج وابني اسرة ، واعيش حياة آمنة.

وأؤكد هنا اني لست نادما على ما قمت به من اطلاق نار على قوات الاحتلال ، بل انا فخور بما قمت به ، لكن اليوم انا اعيش لحلمي بحياة لماجد ومستقبله.

التاريخ : 27-07-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش