الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة نقدية في رواية إبراهيم نصر الله «أرواح كليمنجارو»

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 02:00 مـساءً

 الدكتورة رزان إبراهيم
تنقل لنا رواية «أرواح كليمنجارو»، للروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، مسارات رحلة صعبة أخذ أبطالها قرارهم بصعود كليمنجارو، الجبل الذي كان قد ألهم القارة الإفريقية في رحلتها إلى التحرر من الاستعمار. تضم الرحلة أطفالاً أصيبوا بجروح عميقة بعد أن تسبب الاحتلال الإسرائيلي في بتر أعضائهم، كما تضم متطوعين تجمعهم إرادة ورغبة في مساعدة بشر حاجتهم للأمل توازي إن لم تكن أعظم من حاجتهم لأطراف وعمليات جراحية وابتسامات.
قديماً قال ليوناردو ديفنشي: «فقط عبر التجربة نستطيع أن نتعلم شيئاً». وحُقّ للتجربة نفسها أن تكون هدفاً، إلا أن فهماً لطبيعة النفس البشرية يفرض تنوعاً في الغايات. أمرٌ هو في صميم ما تسعى إليه الرواية إذ تضعنا أمام شخوص كان قرارهم في الصعود نابعاً عن رغبة حثيثة في البحث عن لحظة توازن مع النفس تُستعاد فور الخروج من خانة التعاطف إلى خانة العمل. بل وقد ترتبط الغاية بلحظات كسب نفعية يبحث فيها المرتاد عن نجاح يراه فيه الناس. لذلك كانت للرواية عتبتها التي تقول «في كل إنسان قمة عليه أن يصعدها».
يبدو هنا أننا نستطيع استلهام توينبي في نظريته المستوحاة من علم النفس السلوكي حين خلص إلى أن صدمة يتعرض لها بعض الأفراد قد تفقدهم توازنهم فترة ما، إلا أنهم ما يلبثون أن يستجيبوا سلباً عبر النكوص إلى الماضي والتمسك به تعويضاً عن واقع مر، أو تجدهم وقد قبلوا الصدمة واعترفوا بها ومن ثم تغلّبوا عليها. في هذه الرواية تستوقفنا شخوصٌ أخذت قرارها بالسير قدماً من حافة إلى أخرى يقابلون فيها خطراً يحدق بهم عبر سبل يسعون فيها إلى ملاءمة سريعة بين النفس والمواقف الطارئة. وهو ما تشهد عليه حوارات وصداقات تتيح للواحد منهم أن يبوح بما يجول في نفسه من انفعالات متغايرة كما هو حال البشر.
في هذا السياق نبدأ من نورة ابنة نابلس التي بُترت رجلُها من منتصف الفخذ مع تقرحات رفضت أن تفارقها طيلة الرحلة. لكنها  آمنت بأن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الإرادة لا إعاقة الجسد، وآمنت بأن»لا للمستحيل في ضوء المثابرة والمواصلة لتحقيق المراد» ص193. وهي من سألت أمها وهي صغيرة عن مكان رجلها فأجابت: «إن رجلك على رأس الجبل، وحين تكبرين قليلاً سأصعد بنفسي وأحضرها لك من هناك» ص23. ولم تكن تعرف أي جبل تعني أمها، عيبال أم جرزيم؟ لكنها انتظرت ولم تأت رجلها، فكان أن قررت الذهاب إلى كليمنجارو لتحضرها: «أنا ذاهبة إلى هناك لكي أحضرها بنفسي.. لقد اكتشفت أنها كانت طوال الوقت فوق كليمنجارو..» ص23.

أما يوسف ابن غزة، فقد كان بأطراف صناعية غير مؤهلة لرياضة قاسية من النوع الذي اقتضته طبيعة الرحلة. وعن قراره في الصعود فلحاجة إلى صديق آخر يضاف إلى صديقه البحر. وقد كانت رحلته هذه فرصة أخيرة يرى من خلالها العالم ثم يعود إلى السجن من جديد «إلى غزة. أمنيتي الوحيدة كانت الخروج من الحصار وأن أتنقل في أماكن لا حواجز عسكرية فيها» ص162.
وحين نذكر أروى فنحن نحكي عن طبيبة كانت في عداد من التحق بأول بعثة طبية ذاهبة لعلاج الأطفال في البلدة القديمة في الخليل. بل إن حضوراً لها تلازم وحضور لغسان الذي غدا جزءاً منها ومن شارع أُطلق عليه اسم (شارع الشهداء) حين اختفت فيه الحياة بحجج أمنية مختلفة. نعرف أن لغسان يداً أضحت غصن زيتون يحترق وهو يحاول إطفاء النار في بيته القريب من الحرم الخليلي. وهو مثله مثل بيوت كثيرة هناك؛ شبابيك محصنة بحديد وشبك ضيّق لمنع دخول أذى المستوطنين. يفقد بعدها عينه وتحترق شقيقته الصغرى، وتبقى في الذهن جملة يقولها غسان: «من الصعب علي مغادرة البيت». ص33. الجملة التي ندرك كنهها في نهاية الرواية؛ فغسان كان الحاضر في ذهن أروى وحسب، أو هو الحاضر في الروح الغائب في الجسد. وفي النهاية أيضاً يصبح بوسعنا معرفة إن كان غسان هو من يستعيد ذكريات له في الخليل وهو فوق الجبل أم إن أروى هي من كان يفعل. خصوصاً أن حلماً واحداً كان يرافقها: أن يكون غسان هناك.يضاف إلى من تقدم كل من التنزاني (صوول) والأمريكي (هاري) والشاب اللبناني والمصور السينمائي (إميل) والفلبينية (جيسيكا) العاملة في أحد البنوك في نيويورك و(نجاة) الطالبة السعودية صاحبة الخبرة الجيدة في تسلق الجبال، والأردنية الفلسطينية (سوسن) ربة البيت التي بدت بكامل زينتها طيلة الوقت رغم حلكة الظروف. والمصرية الفلسطينية (سهام) التي صعدت الجبل وفي ذهنها أن تنجب ولداً قوياً كالجبل. والأمريكي (جون) الصحفي الذي أعطى القضية الفلسطينية عمره منذ الانتفاضة الأولى حين توفيت زوجته الفلسطينية تاركة له ابنتين رفض العودة بهما إلى أمريكا.
ما إن تمضي في الرواية قليلاً حتى يأتيك اليقين بأنها رحلة وجهتها معالجة جروح عميقة في الروح لا تقل عما في الجسد. وهو ما يعلن عنه العنوان (أرواح كليمنجارو) وما تلبث بعد ذلك أن تصدفك  أكثر من عبارة تنفتح على دلالات كثيرة وتأويلات عميقة تعزز ما ذهبنا إليه. أبرزها ما يصلنا عبر صوول رئيس فرقة المساعدة في الرحلة إذ يبدؤها بالقول: «كل شخص جاء إلى هنا وهو يريد شيئاً من الجبل، قلة هم أولئك الذين يدركون ما الذي يريده الجبل منهم» الرواية ص37. وهو ما ستكون له تداعياته المتكررة حين نلمس ما يطرأ على شخوص الرواية من قرارات مصيرية تتعلق بحياتهم، هي حصيلة فرصة منحها لهم جبل يقول فيه أحد أبطال الرواية: «لا يريد منا سوى أجمل ما نريده لأنفسنا.» ص283.
لن يفوت قارئ هذه الرواية ملاحظة ما يجمع فلسفة بأدب يتلمس كل منهما غاية وجوده في الكشف عن وحدة الطبيعة ووحدة الأشياء كما يقول دانتي. لذلك تحضر الطبيعة مصدر إلهام وتأمل عميقين في مواقع نلمس فيها بهاءً تحمله الطبيعة لا يقلّ عما يمكن أن يكونه الإنسان. فذاك صوول (بما فيه وله للجبل) يُذكّر مرتادي الجبل بروح قوية بيضاء متمردة على طبيعة إفريقيا وبرأفة قد لا نجدها في البشر. يقول لهم: «فليسأل كل منكم نفسه: لماذا لا أكون مثله؟» ص 114. وهو – أي الجبل- وفقاً لصوول أيضاً لا يحب أولئك الذين يصعدونه برؤوس منكسة... الجبل يحب الجباه العالية»326. وما كان ليوسف في هذا السياق إلا أن يفكر في جبل تنزانيا كما في بحر غزة صديقاً يحب أحدهما الآخر ويثق فيه «كل شخص نحبه كثيراً يحس بحبنا له، حتى لو لم نخبره» ص134. لذلك يهمس يوسف له:»أنا لم آت إلى هنا لكي أهزمك، جئت لأنني أريدك أن تكون صديقي، أنت والبحر..». ص 278. ويبدو صوول في تصميمه وإرادته مثل شجرة (غراند سينسيو) الفاتنة بأوراق لا تموت « حين تموت أوراقها لا تسقط، بل تلف نفسها حول الجذع لتصنع طبقة عازلة من الفراء الناعم الذي يشبه الحرير» ص 192.
بدت الرحلة صوب القمة في أعالي كليمنجارو مرتبطة باستغراق روحي في الطبيعة، فأضحت بمثابة التحليق في عوالم النفس والروح بما يشبه فكرة المجاورة والاقتراب من الملكوت السامي حيث يجد الإنسان قيمته ويدرك سر النفس. كما المعادلة التي وضعها جبران حين جعل محبة البشر وجهاً آخر لطهرانية الروح بما يقتضيه الأمر من ترفع عن سطوة المال وعن كل ما يجلب الكدر والحزن. فلم يكن الأمر غريباً إذن أن يفشل (جبريل) رجل الأعمال الذي صعد الجبل وفي ذهنه مآرب تجارية يسعى إليها؛  وهو من رأى أن «الثمار ستبدأ معنوية، لكنها حين تنضج ستصبح مثل ورقة الشيك...تحول إلى مال» ص108. لذلك ما كان لإنسان أن يصل باتجاه القمة مستأثراً ذاته بعيداً عمن حوله؛ فقمة القمم تكمن في خطوات لا يخون المرتاد فيها نفسه ولا الآخرين من حوله إذ «لا يمكنك أن تصعد القمة وحدك» ص 348، ولا بد من اصطحاب الآخرين، وإلا كانت الوحدة والوحشة هي المصير المنتظر. ليبقى «أسوأ الصاعدين هم أولئك الذين يعتقدون أنهم بوصولهم إلى القمة سيغيرون كل شيء خلفهم». الرواية ص 315. يكاد أن يكون انسجامٌ جمع بين أعضاء هذا الفريق أنموذجاً هائلاً لبشرية نحلم بها؛ لذلك حدّث إميل اللبناني صوتٌ من داخله يخبره أن يوسف هو إميل. وكان همه أن يصل إلى قلبه. ولم يجد غضاضة في أن يغسل قدماً بدت كقدم المسيح في صعوده غير الآبه لجراحه وآلامه. وبالمثل رأينا بقية أعضاء الفريق يؤازر بعضهم بعضاً. بل إن رقصاً جماعياً شبيهاً برقصة السماح: (رقص جمعي قديم قريب من حفل التحليق) لم يكن ليحضر بعيداً عما ذهبنا إليه من روح التسامح وقبول الآخر في أجواء وعرة وهواء بخيل.
في عمق «أرواح كليمنجارو» ما يوقظ فينا معنى إيديولوجياً هو بمثابة استجابة  لكلمات وصور هي بالضرورة علامة من علامات حياة كانت وما زالت تشكل تحدياً لشخوص وأبطال كان عليهم إما أن يغيروا من حدود علاقتهم بالعالم الخارجي، أو أن يبقوا على ما هم عليه في إطار نمو جدلي بين الكائن الحي والوسط الذي يعيش فيه. في كل الأحوال فإن تغييراً نلمس آثاره في أغلب الشخوص يبقى محصلة تغير في عمق الذات فرضته تجربة صعود جبل ينقل صوول للآخرين عنه أنه «لن يمنحك كرامة وأنت منتهك الكرامة، ولن يعطيك نصراً وأنت مهزوم. الجبل يريد روحاً قوية تشبهه، حتى يستطيع التواصل معها والاندماج معها والانحناء لها أيضاً في طريقها إلى قمته» ص317.
وبالمثل فإن تغايراً بين البشر في الغاية والهدف توازيه حركة ديناميكية في عمق الإنسان الواحد هي حصيلة تفاعل الذات مع ما يحيط بها. ولا أدل على ذلك من قول بأنك: «لا تستطيع أن تصعد الجبل مرتين، ففي كل مرة أنت تصعد جبلاً مختلفاً.. لأنك تصعده في كل مرة بمزاج خاص. بفكرة خاصة.. بحالة روحية مختلفة لا تشبه سابقتها وبحالة جسدية لا تشبه سابقتها..». ص 318. وللجبل مفاجآته و»لا أحد يستطيع القول بأنه يعرف الجبل حتى لو صعده ألف مرة، تماماً كما لا يمكن لأحد أن يقول إنه يعرف البحر لأنه قبطان، أو يعرف الغابة لأنه صياد، أو حتى يعرف البشر الذين يعيش بينهم عمره كله» ص 126.
أما أن يُخفق الشخص في لحظة ما، فإن رغبة في النجاح وتحقيق الذات ستدفع به للبحث عن وسيلة تخفف من شعوره بالدونية، فيلجأ إلى التعويض في محاولة منه للقضاء على كل ما يعيق. وهنا تأتي الإشارة إلى قوة خلاقة تؤكد قدرة البشر على صنع مصائرهم. وهو ما رأيناه مع سهام حين أصيبت بعمى الثلج؛ فما إن تغيب حاسة حتى تستيقظ أخرى؛ ( السمع واللمس وإدراك الأصوات) «فأي قدرات تلك التي يمتلكها الإنسان بمجرد أن يصبح أعمى!» ص262. ولا ضير لو استعان أحدنا بالآخر ساعة الضعف. أما أن تنهار كبرياء الإنسان لمجرد أنه احتاج مساعدة الآخرين، فذاك باب من أبواب الفشل، ولم يخلق بعد ذلك الذي لا يحتاج مساعدة غيره. والإنسان «كلمة تحييه وتقتله كلمة» ص 217. بل إنك في لحظة صعبة «قد تضطر لبتر يدك أو ساقك إذا كانتا ستقفلان أبواب نجاتك» 217. يبقى كما يقول توماس أديسون أن «العديد من التجارب الفاشلة في الحياة تكون عندما لا يُدرك الناس أنهم كانوا قريبين من النجاح عندما استسلموا». للسرد في هذه الرواية استراتيجيات بنائية منظمة. وفي هذا الشأن يغدو بإمكان القارئ ملاحظة قسمين بارزين مترابطين؛ أولهما: حكاية الصعود نفسها بكل ما يعتريها من صعوبات. وهو ما يجري على أرض الجبل بكل تضاريسه وظروفه الصعبة. ثانيهما: سلسلة من الحكايات أو القصص الفرعية التي ما كان لها أن تستقل بعيداً عما يوحدها ويدخلها ضمن الحكاية الرئيسية، أمر يكسبنا متعة التحرك بين أجزاء متماوجة على لوحة واحدة تقرأ المجموعة في حركة ذهاب وإياب. تتكشف لنا بعدها وظيفة اعتبارية أو رسالة متوارية وراء حكايات أو متون يجمعها إطار كما في الصورة.  
وما كان للسارد أن ينتقل من حكاية إلى أخرى بعيداً عن بنية نظامية ينتهجها منذ بدء الرواية وحتى النهاية. فسمة هذا النص السردي نقلات نوعية هي بمثابة خروج يغذي النص بإمكانيات عالية تمكننا من سبر أغوار شخوصه بكل ما فيها من أزمات شعورية داخلية. وهو ما ينجح السرد في إيصاله عبر استخدام موفق لتقنية السارد المحايث للشخصية، حيث الرؤية مع منظور الشخصية المساوي لمنظور السارد، وما تبعها من تجاذب في استخدام صيغ نحوية متعددة (الغائب والمتكلم والمخاطب).
تدخلنا الرواية إذن في حبكات إطارية متشظية، لنكون مع أكثر من حكاية ماضوية تلازمت وفضاء الصدمات والأزمات النفسية بكل ما فيها من كوارث وانعطافات عصفت بشخوص يشكل كل منها أنموذجاً للإنسان الفلسطيني القابع تحت وطأة وحشية وعدوانية تثير القلق والغثيان والموت. وهو الفضاء الذي كان له دوره في تشكل موقف الشخوص وعزمهم على صعود الجبل، وكانت له تجلياته الفنية من حيث التفلت من التعاقب الزمني الكرونولوجي، أو الخط الزمني المتسلسل من الحاضر نحو المستقبل. فما من شك أن التطرق للحظات مأساوية كانت في أغلبها سببا للإعاقات الجسدية التي وقعت لأصحابها، لم يكن ليتم بعيداً عن قفزات متتالية بين لحظات مؤرقة وحزينة ما زالت سمة تلاحق الفلسطيني داخل أرضه.
يرتاد الروائي جوانب هامة في النفس البشرية ببساطة ولغة متقشفة دقيقة خالية من ترهل بلاغي، بل إن كسراً لخطية الزمن وتقطيعاً للحكاية على النحو الذي ذكرناه لم يكن ليُدخل القارئ في متاهة، وهو ما يمكن ملاحظته عبر استخدام واع للفضاء الطباعي بالحرفين الغامق والاعتيادي، بما يساعد على التمييز في الحالة السردية. إلا أن الرواية لا تخلو من نمط سردي غرائبي يخترق النص وعلى الأخص في النهايات، ولكنه يبقى في إطار عناصر إيمائية أبعد من أن تكون مجرد شكل ولعب تجريبي أو فانتازي. بل تحضر هذه العناصر لتتبدى موقفاً وقولاً يذكرنا بتودوروف حين ربط بين الوظيفة الاجتماعية والأدبية للامعقول.
في هذا السياق يحضر هاري الكاتب في مسافة فاصلة بين الحقيقي والمتخيل بدا فيها شخصية في داخل رواية يمكن أن تسمع وترى. لذلك نراه كما نرى شخوص الرواية في حلقة دائرية ما بين شخوص ورقية وأخرى حقيقية. وتبقى المعضلة قائمة في تحويل الحقيقي الذي يصدق إلى الخيالي الذي لا يصدق. والراوي يقول إنه «لسبب ما أحس كل واحد من الفريق بأنه سيتحول برغبته أو رغما عنه إلى شخصية في كتاب لكاتب لم يقرؤوا له سطراً واحداً». وهاري يخبرهم أنه هنا لم يأت كاتباً وإنما شخصية حقيقية  تشبه بطل فيلم «ثلوج كليمنجارو» ص43. إن حضوراً متكرراً للروائي الأمريكي همنغواي في ثنايا الرواية، سواء باسمه المباشر أو من خلال شخصية هاري - في مشكلة عرضت لساقه، أو في إلقاء نفسه في أي حرب تندلع في العالم، أو هواية صيد الحيوانات المفترسة- يأخذنا باتجاه تعالقات رمزية ما فتئت أن تكون علامة من علامات الأدب. وهو حضور له قصديته لمن يعرف عن همنغواي إتقاناً في تجسيد أشكال الصبر والصمود والتحدي في وجه الطبيعة. وهو ما يأتي منسجماً مع روح رواية نصر الله بمعانيها المتحلقة حول فلسفة القوة ولعبة فرض الإرادة في ظروف بدت غاية في الصعوبة.
يبقى أن مصيراً لنمر ضلّ طريقه ومات جوعاً وبرداً لدى هيمنغواي في «ثلوج كليمنجارو» يحضر بالتقابل مع مصير فريق كليمنجارو لدى نصر الله الذين عرفوا مرضهم واعترفوا به فلم يضلوا كما النمر. حتى إن الجبل نفسه في «ثلوج كليمنجارو» بقي سراً لم تكشفه الكاميرا، لنكون في رواية نصر الله قبالة العديد من المصائر المخالفة لما يمكن أن يكون جانباً من نص مرجعي للرواية. ومن هنا يصبح بإمكاننا الحديث عن حدث حواري أو تفاعلية حوارية تتراوح بين الكلي والجزئي في آن واحد.
أختم بعبارة – مع بعض التصرف- من مقدمة للروائي يصف الرواية بأن «فيها من ظلال أرواحنا الكثير، وفيها من ظلال أرواح أخرى حلمت بهذا الجبل قبلنا، وستحلم به بعدنا.. فيها ما يشبهنا وما يشبه ما سعينا إليه. وفيها اختلافنا النبيل الذي لا ندركه ولا نحصل عليه إلا بمعايشة تجربة عميقة كهذه».

باحثة وأكاديمية من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش