الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النوباني في مقاطع من سيرة (أبو زيد) وصناعة الشبيح

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل *
في المجموعة القصصية الثانية لشفيق طه النوباني الموسومة بعنوان: ( مقاطع من سيرة (أبو زيد) – دار العماد للنشر والتوزيع، ط1، 2016) تستوقف الدارس القصة الموسومة بعنوان «لن أحمل السلاح». فهذه القصة تحظى بمقدمة تتضمَّن عدداً من الإشارات التي تحدد سير المحكيّ فيها، والمتخيل، ففي العنوان إشارة لنهاية عكسية، وفي الزقاق، والجدار الذي يحتمي به ربُّ الأسرة، وأسرته، من الرصاص الطائش، إشارة لأجواء الرعب التي تظل تشتد، وتتصاعد، طوال القصة، والسيارة – أو طوق النجاة- التي تنتظرها الأسرة لتتحول بهم من مواطنين إلى لاجئين، إشارةٌ هي الأخرى لما سيتمخَّض عنه متْنُ الحكاية من نتائجَ عكسية؛ لأن النجاةَ لم تكتبْ لهذه العائلة، كغيرها من عائلات الحيّ، الذي تحوَّل إلى كوْمة كبيرة من الأنقاض.
فالسيد علي، وهو ربُّ أسرة تتألف من زوجة (عبلة) وعدد من الأولاد، أكبرهم حسن، يحاولون مغادرة منزلهم مرورًا بالزقاق، منتظرين سائقًا بسيارة بيجو كي يُقلَّهم من البلدة إلى أخرى أكثرَ أمنًا، وفي الأثناء، يُعاني السيد علي من أن الأبناء خائفون، يكاد يقضي عليهم الرعبُ، لولا بارقةُ أملٍ بالنجاة، ولكنَّ البحث عن مأوى أكثر أمنا ليس باليسير، فهم لا يعرفون متى، ومن أينَ تندفع باتجاههم طلقاتُ الرصاص، ولا يعرفون من أيِّ جهة يتلقُّون مثل هذا التهديدِ بالموْت، ويعانون أيضًا من قلق الانتظار، فصاحبُ السيارة البيجو، التي تتعلق بها آمالهُم بالحياة، يتأخَّر، وفي تأخّره ما يسمح للظنون أنْ تتجاذب مشاعر هؤلاء الأشخاص الخائفين على أرواحهم، فهل نكثَ بوَعْده، أم أنه هو الآخرُ تعرَّض لعيار ناريٍّ طائش، فأرداه قتيلا، وفارقَ بذلكَ الحياة؟
في حمْأَة هذه المخاوفِ يشعر الأب بانزياح صخرة سيزيف عن صدره بقدوم السيارة. وبعد أنْ حشر السائقُ أفراد الأسرة جميعًا داخلها، توجَّه إلى الأبُ طالبًا ما تبقَّى من الأجرة. تلك الأجرة التي دُفعتْ مقدمًا عن طريق الوسيط(فتحي) لكنَّ السائق يصرُّ على تقاضي مبلغ إضافي لا يقلُّ عن نصف المبلغ المدفوع، وإلا لنْ يُتابع.في إشارة من الراوي إلى ما يُعرف بتجارة البشر، وتهريبهم من موْضِع لآخر، مثلما يجري تهريبُ الممْنوعات، ونظرًا لتشبُّث السيد(علي) بالحياة له، وللأسرة، وخشية أن يتركهم السائق ليلاقوا مصيرَهم، وحتفهم، على أيدي القتلة، بادر لاستخراج النقود من أحَدِ جيوبه، دافعًا بها للسائق الذي دسَّها هو الآخر في جيبه دون أن يعدَّها كما العادة، قائلا:
- الذي منَّك بركة
في الأثناء، ينشيءُ الكاتبُ مشهدًا آخر يتذكر فيه السيد علي ما كان من أمره مع (نسرين) التي لاحت في ذهنه تلك اللحظة الحرَجة، فعادت به الذكرى إلى الماضي في غير الأوان المناسب. فهو أبعدُ ما يكون عن المواقف الرومانسية في ظرفٍ كهذا الظرف. ففيما يوحي القمرُ المتألِّقُ بالذكريات، لمن هم خليّو البال، ذكَّره سائقُ «البيجو» بموقفه من حمل السلاح، ذلك الموقف الذي كرَّره في اجتماع الحيِّ – الذي كان حيًا- مؤكدًا أنه لا يرغبُ في إعلان الحرب على أبناء الوطن. وقد ذكَّره أيضًا بما رُمي به من تُهَمٍ نتيجة موقفه هذا، فقيل له: « أنت لا تتحدث عن أبناء الوطن، بل عنْ أعدائه. هؤلاء قتلوا أبناءَنا. وشرَّدوا عائلاتنا. هتكوا أعراضنا. أمّا إذا كنتَ جاسوسًا لهم فتلك قضية أخرى « (ص7)
يُذكِّرُه السائق بهذا، ويذكِّرُه باجتماعاتٍ أخرى في الحيّ، قبل أن يتحول إلى أنقاض « أيام كان لنا حي « (ص9) ويذكِّرُه - علاوةً على ذلك- بما هو خفيِّ «سمعتُ أنك مطلوب» ويجيب: إنه كغيره من الناس، فالكل مطلوبون. ولا بدَّ من الإسراع للوصول إلى المكان الذي يجد فيه الأمان، والطمأنينة له، وللأسرة، بيْدَ أن السائق يعدل عن الطريق المعروف لآخر، ويراوغ مثلما يراوغ الآخرون. « إن لم تكن في صفِّ أحَدٍ، فأنتَ خائن « وعلى نحو مفاجئ تظهر أمام السيارة البيجو جثة امرأة ملقاة على قارعة الطريق، كانت قد تلقت أعْيرةً نارية في ظهرها، وهي تولي الأدبار، وتحاول النجاة، فخرَّت صريعة قبل ساعتين على الأكْثر، فجراحُها ما تزالُ تنزفُ دمًا حارًا.
يحاولُ عليّ تفحُّص الجثة، ويقترحُ، على الرغم من أنَّ الظرفَ لا يسمح بالتريُّث، دفنَ الشهيدة، ولكنَّ أي دقيقة تأخير يمكن أن يكون فيها حتفُهم، فالخطر الجسيم يحيط بهم إحاطة السوار بالمِعْصَم، يقول الابنُ حسن» الموقف صعبٌ يا أبي.. لا نستطيع أن نفعل شيئًا للجثة.. «ويقول الأب: لا بد أن نفعل شيئًا. والسائق يُهدِّدُه بالتخلي عن الصفقة، بعد أن تسلم الثمن كاملا غير منقوص، إنْ هو تريثَ لدفْن المرأة. فالصدمَة كبيرة، لقد كانت جثة نسرين التي أعادت عليًا عشرين عامًا إلى الوراء، عندما قالت له في آخر لقاء ضمَّهُما:
- اخطبني. ألا تحبني؟
قال لها
- لا أستطيع، أريد إكمال دراستي . أنت تعلمين كمْ أحبك.
وأخيرا ينصاع السيد علي لإلحاح السائق، والزوجة عبلة، والأولاد، ويتابعون السير، بيد أن مفاجأة أخرى كانت بانتظار الراحلين بحثًا عن الأمان، فقد بوغتوا بمجموعة مسلَّحة بانتظارهم، وفي هذا الموقف تتجلى المفارقة التي أومأ إليها الكاتبُ في مستهلِّ القصة، وهي مفارقة تُضفي شيئًا من الغُموض على الحكاية، فقد التفتَ السائقُ إلى السيد علي، قائلا: هل تحملُ السلاح؟ ودون أن يجيب عن السؤال، تلفَّت إلى حيث الجثة، وفي عينيه المزيدُ من النظر الحائر.
تبدو لنا القصة تطويرًا للإشارات(العَتَبات) الواردة في التقديم، فالسائقُ، بسؤاله هذا، يبدو على صلة بالمجموعة المسلحة، التي اعترضتْ السيارة، والمجموعة المسلحة يبدو أنها كانت بانتظار السيارة، لإلقاء القبض على عليّ، وعلى من معه من الأشخاص، وإذا لم تنجح في تحقيق هذا الهدف، تلجأ لتصفيتهم مثلما تجري تصفية الكثير من العائلات. ويبدو صمتُ السيد عليّ تعبيرًا عن الصدمة التي تفوق كلَّ توقُّع ممكن. فهل كان تغيير الطريق بآخر مؤامرةً من السائق؟ وهل في مقتل المرأة (نسرين) وعدم القيام بدفن الجثة- وهو أقلّ ما يمكن فِعله في مثل هذه الحال- تعبيرٌ عن أنَّ الحرب تجرد الإنسان من إنسانيته، وتمنعه من التفكير بالآخرين، على أساس المبدأ ( أنا. أنا. ومن بعدي فليَكُنِ الطوفان ) جل هذه الاحتمالات يمكن أن توحي بها هذه القصة القصيرة التي جرَّدها المؤلف – النوباني- من دلالاتِ الزمان، والمكان.
صحيحٌ أن القصة لا تخلو من بعض الإشارات التي تنمُّ على أنَّ الوقائع المروية تجري في زماننا هذا. وأن الحيّ الذي أشير إليه، والقرية، والمدينة، وهي جميعًا بلا أسْماء، قد تكون في سورية، أو في العراق، أو اليمن. ولعل ما يرمي إليه النوباني، بعدم تحديده لأسماء الأماكن، هو جعْلُ الحكاية حكايةً تنْسَحِبُ على أكثر من إنسان، في أكثر من مكان، وفي أكثر من زمان، من أزمنة عالمنا العربي المتشظّي، وأمْكنته، فالقلاقل، والفِتنُ، يتناسلُ بعضُها منْ بعض، وأخبار المذابح، والمجازر، تتوالى مثل حلقاتٍ من مُسلسل تلفزيزني طويلٍ يُذكِّرُنا بمسَلْسَل بيتونْ بليسْ* Peyton Place (الذي عرضه التلفزيزن الأردني في السبعينات والثمانينات في حلقات تجاوزت 600 حلقة).
لقد وظَّف النوباني في قصته هذه عدداً من الأشْخاص، لكنَّ من يلفت النظر منهم هو السائق، الذي يذكِّر القارئ بسائق الصهريج في رائعة غسان كنفاني (رجال في الشمس). ففي تأخُّره عن القدوم للزقاق لأخذ الأسرة ما يثير الريبة، واقتضاؤه مبلغًا إضافيًا من الأجرة التي تلقاها مقدمًا من الوسيط يثير الريبة فيه أكثرَ منْ ذي قبل. والعدول بالسيارة عن الطريق المعروف لآخر أقرب، وأكثر أمنًا، بادِّعائِهِ، يثير الريبة أكثر مما يثيرها الأمْران السابقان. علاوة على ما ذُكر، فإنَّ ظهور المجموعة من المسلحين، أو الكمين، والتفاتهِ لعليّ، وقوله: هلْ تحمل السلاح، دليلٌ آخر على أن السائق غير بريء مما رُتب، ودُبّر، لهذه الأسرة، وقد لا يكون بريئًا مما جرى للمرأة (نسرين)التي أبى التريث قليلا لدفنها عملا بالواجب، وهو أضعفُ الإيمان، ذاهبًا إلى أبعد من ذلك، إذ يُهدد بالتخلي عن الصفقة بعد أنْ تقاضى الأجرَ مضاعفًا إنْ هم تريَّثوا لإنفاذ ذلك الواجب.
من هنا يلاحظ الدارس أنَّ لشفيق النوباني خبرةً في نسج الحكاية التي تقوم على أساس التكثيف، وتوجيه الانتباه للخلاصة، أو الخاتمة. ومثلما تقدَّمت الإشارة، توحي (عتباتُ) القصَّة بهذه النهاية، وجلّ ما أخْضع له المتَخّيَّلُ المروي فيها من مجريات، ومن تفصيلات، إنما كان في سبيل التوصُّل لهذه النتيجة، بحيث تبدو غير مفْتعَلة، ولا مفروضة على الحكاية قسْرًا.
وتبدو هواجسُ النوباني في قصَّته « الفجْرُ الأخير « متقاربَة مع تلك التي عرفنا بعضَها في القصة الأولى» لن أحمل السلاح «. فالبطل فيها- إذا جازتْ تسميتُه بطلا، ولو من باب التسامُح- يحاولُ التغلُّبَ على عزلته في زنزانته الخانقة بأحد السجون، والتسلق على سريره بعد أن اتخذ منه ما يشبه السُلّم لبلوغ النافذة، إلا أنَّ السرير انزلق به، واضعا حدًا لآماله برؤية العالم الخارجي المقابل للسجن، يحدث ذلك في اللحظة التي يُقبل فيها أحدُ حراس السجْن ليبلغه بانتهاء مدَّة محكوميِّته، وأنه آن الأوان ليهيء نفسه لتذوق « طعم « الحرية من جديد. بيد أن الحارسَ حينَ يراهُ، وهو على تلك الحال، يقول مستغربًا:
-    تحاولُ الهروب في آخر يومٍ من حكمك؟ أليست هذه بلاهة؟
وهذه البلاهة تنمُّ في الحقيقة عن أنَّ رغبة السجين في كسْر طوْق العزلة أقوى بكثير من قدرته على الإحساس بالزمن. فشعوره بمرور الوقت، أيامًا وشهورًا وسنواتٍ، توقَّف، حتى إنه لا يكاد يذكر أنَّ محكوميته قد آذنت بالانتهاء، وأن إطلاق سراحه قابَ قوْسيْن أو أدنى مما يظنُّ، ويحْسَب.
تشيرُ القصة بهذا إلى أوضاعٍ يغلِبُ عليها القمْعُ، وتعاني فيها الشخوصُ معاناة الشخوص في قصة « لن أحمل السلاح «. ففي القصة الأولى، وجد البطل نفسه نادمًا لأنه لم يحمل السلاح، بعد أن اتَّضح الخياران: سواءٌ حمَلَ السلاح، أمْ لمْ يحملْهُ- فالنتيجية واحدة، وهنا يفكر بالانطلاق، سواءٌ اقتربت مدة حكمه على الانتهاء، أمْ لمْ تقتربْ. على أن الكاتب النوباني يؤثر في قصة أخرى من قصص المجموعة، وهي قصة « مقاطع من سيرة (أبو زيد) « التراخي إزاء الحرص على توجيه الأضواء على ما يعانية الشخوص من السُلْطة. فنجده يسلط الضوء على نموذج هو أقرب ما يكون إلى الممارسات التي تؤدي إلى صناعةِ البطل، بالمفهوم المتداول عن الأبطال الشعبيّين، وإن لم يكن بهذا النموذج سيبرئ السلطة مما أدانها في القصة الأخرى. وذلك لأن البطل(أبو زيد) - في الحقيقة - لا يعدو أن يكون واحدًا ممن يوصفون بالشبّيحة، أو البلطجية. فزيد الذي تغلب في بداية القصة على عددٍ غير قليل من أترابه في مشاجرة غير متكافئة مع غانم، مُنح لقبًا لا يخلو من التشجيع، وهو لقبُ (أبو زيد) تشبيهًا له بأبي زيد الهلالي، بطل التغريبة – السيرة الشعبية المعروفة- وتبدو هذه المشاجرة غير كافية، والانتصار الذي حقَّقه غيرُ كافٍ، لذا لا بد من مشاجرة ملحمية أخرى بطلاها هذه المرة زيدٌ نفسه، وسلطان ذو البنطال الأحمر، والقميص الزهري، وتسريحة الشعر التي تشبه عُرْف الديك. وصاحب السيرة التي لا تخلو من أخبار عن عدوانيةٍ تنضح بها شفتاه المنتفختان، وأنفه المدبَّب الذي يذكر زيدًا بمنقار الصَقْر. وقد ظفر زيد بسلطان، ولقَّنه درسًا قاسيًا من نتائجه أنَّ (سلطان) هذا لم يعد يتعرض لزيد بسوء، أو بخير. وسرعان ما انتقل من المدرسة إلى أخرى، ليواصل زيدٌ فخرهُ بانتصاره على ذلك الفتى. ولهذا يغدو، بين عشية وضحاها، زعيمًا يتحلَّق حوله  الأتباعُ من أبناءِ جيلهِ ، فعرفتْ (المحلَّة) بذلك ثلة من الشجعان الذين يرهبهم الجميع.
غير أنّ أبا زيدٍ، بدخوله الجامعة، يصرُّ، إصرارًا كبيرًا، على التخصص في الصحافة والإعلام، لا الهندسة التي يفضلها أبوه على أيِّ تخصُّص آخر. وفي الأثناء، يستحوذ هذا الإعلامي على إعجاب رئيس الجامعة الذي يقرِّرُ تعيينه مذيعًا في إذاعتها الـ FM. وفي البرنامج الذي يُعدّه، ويذاع بصوته، يوظف زيدٌ قدراتِه على التحريض، وبثِّ الحماسة، حتى أصبح اسمه يتردد على ألسنة المارّة، وهم يهتفون بالأغاني التي تمجدُه، وتمجِّد قدرته على اختراع الأخبار الكاذبة، والشعارات الحماسيَّة الرنانة. قامت الحرب، وتغلَّب الأعداءُ على الجيش الذي اكتفى بالانسحاب إلى خط الدفاع الأخير، فيما كان أبو زيد، كعادته، يواصل بثَّ شعاراته الجوفاء عن انتصاراتٍ وهْميَّة مزعومة. الأمر الذي دفع بالجماهير للتظاهر ضدَّه، « شوهد كثيرٌ من الناس يضربون المذياع، تعبيرًا عن نقمتهم على (أبو زيد) سبُّوه، شتموه، لكنهم – أخيرًا – افتقدوه. فقد نُقل إلى وظيفة إدارية، وتسلم البرنامج التعبوي موظف آخر، هو حمزة العرب. حمزة العرب سمي بهذا لأنه في صغره استطاع أن يتغلب على عصْبةٍ من خصومه في معركةٍ ملحمية كتلك التي تغلَّب فيها أبو زيد على غانم وعلى سلطان «.
ومن البيّن، الواضح، أن القارئ لا يحتاج إلى طويل تأمُّل كي يكتشف أنَّ القصة تتضمنُ حكاية رمزية تشير لممارساتٍ تؤدي لاختراع الأبطال الوهميِّين، والزائفين، الذين شوَّهوا، ويشوهون، تاريخ هذه الأمة، وحاضرها، ويلحقون بها أقبح الهزائم، والانكسارات، فيما هم لا يملّون الحديث، والتبجُّح بالانتصارات. فالفتوة، والعَضلات، التي يبديها أبو زيد، من خلال المكرفون الإذاعي، تذكرنا بما كان من شأنه مع غانم، وسلطان، وما تسبِّبُه شعاراته الجوفاء من تضليل العامَّة، فهو أحدُ المسؤولين عما تؤول إليه حالُ هذه الأمة من أوضاعٍ تزعج العدوَّ قبل الصديق. ومع ذلك، لا يفتأ الناس يجدون لذةً في اختراع مثل هذا النموذج، فمع أن القرار صدر بنقل (أبو زيد)من وظيفته لأخرى إداريَّة، استجابة لغضب الشارع، إلا أنَّ شبيحًا آخرَ سرعانَ ما جرى استنْباتُه، ووضعهُ في المكان نفسِه، عملا بالشعار القديم المأثور « الرجل غير المناسب في المكان المناسب «.
ومن يقرأ قصص شفيق النوباني، قراءة متأنيةً لا عَجْلى، يُلاحظ أن الهمَّ العام هو الشاغلُ الوحيدُ لدى الكاتب، والهاجسُ الذي يُملي عليه كتابة القَصَص، وأن آخر ما يفكر فيه هو التجريبُ، الذي يؤدّي إلى اختزال القصّة، وحرمان القارئ من الإحْساس بمتعة التشويق الكامن في نسيج الحكاية القصيرة، والتعرُّف على الشخوص التي تدورُ حوْلها، وعلى ما تفكّرُ فيه، وما يَضْطربُ، ويصطخبُ به عالمُها من مشاعرَ نفسيَّةٍ تارة، ومن أحاسيسَ تُلقي الضوءَ على علاقتها بالزمان، والمكان، الذي تقعُ فيه الحوادثُ، وتجري، تارةً أخْرى، في لغةٍ تغلبُ عليها البساطَةُ، ولا تغيبُ عنها فصاحَةُ اللّسان.

*ناقد وأكاديمي من الأردن 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش