الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الخلاف حول رؤية هلال رمضان بين الشرع والحسابات الفلكية ... هل من حل ؟

تم نشره في الجمعة 24 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
الخلاف حول رؤية هلال رمضان بين الشرع والحسابات الفلكية ... هل من حل ؟

 

 
عمان - الدستور - عماد مجاهد
منذ عقود ومنذ تطور علم الفلك والخلاف يزداد بين علماء الشرع وعلماء الفلك حول تحديد بداية غرة شهر رمضان الفضيل ، فنجد أن رؤية الهلال تثبت في دولة إسلامية ولا يثبت بالدولة المجاورة لها ، وهو مخالف من حيث المبدأ بالمنطق العلمي ، ثم اجتمع علماء الشرع مع علماء الفلك في عدة مؤتمرات أقيمت في دول إسلامية وخرجت هذه المؤتمرات بتوصيات واتفاقيات مهمة جدا ، وعندما يقترب رمضان يعود الخلاف حول إثبات الشهر من جديد وتبقى توصيات المؤتمرات حبرا على ورق ، فما الذي يحدث بالضبط؟ وهل هنالك خطا في الحسابات الفلكية أم هو خطا من المشرع ؟ ثم لماذا لا يأخذ المشرع بالحسابات الفلكية كمعين له خوفا من الوقوع في الخطأ ؟ للإجابة على هذه الأسئلة أجد انه من الضروري الحديث بشكل مختصر عن الحسابات الفلكية ثم الحديث عن علاقة الدين بالفلك في هذا المجال وما تحدث عنه علماء الشرع في هذا المجال.
"الشروط الفلكية لرؤية الهلال هنالك عدة شروط يجب توفرها لرؤية هلال أول الشهر هي :
1 - حدوث الاقتران : وهو وجود القمر بين الشمس والأرض تماما ، وتستحيل رؤية الهلال الوليد قبل حدوث الاقتران ، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه انه من شهد برؤية الهلال قبل حدوث الاقتران ، فيكون في هذه الحالة كمن يشهد بشروق الشمس عند الفجر ، أو كمن يشهد برؤية الجنين قبل ولادته ، ويمكن تحديد موعد وجود القمر في الاقتران باستخدام الحسابات الفلكية بدقة فائقة ، وخاصة مع دخول الحاسب الآلي الذي يمكنه حساب موعد ولادة الهلال حتى بكسور الثانية لآلاف السنين القادمة ، إضافة لأوضاع الهلال المختلفة مثل موعد شروق وغروب الهلال وموقع الهلال نسبة إلى الشمس وغيرها الكثير من المعلومات التي تبين كيفية رؤية الهلال.
2 - المكث : هو مكث الهلال أو مدة تأخره فوق الأفق الغربي بعد مغيب الشمس مباشرة مدة معينة بحيث تسمح برؤية الهلال ، ولقد وجد علميا انه حتى تتحقق رؤية الهلال ، فيجب مكوثه بعد مغيب الشمس مدة لا تقل عن 40 دقيقة ، والحقيقة أنني قمت منذ عدة سنوات برصد هلال أول كل شهر قمري ، ووجدت أن رؤية الهلال تكون صعبة للغاية إذا مكث الهلال مدة تقل عن 40 دقيقة ، حتى ولو بالمرقاب ، ويستطيع أي شخص القيام برصد هلال كل شهر قمري والتأكد بنفسه من ذلك ، وكما حدث في رصد هلال محرم لعام 1412 هجرية ، كان الهلال قد مكث مدة 54 دقيقة بعد مغيب الشمس ، ولم استطع رؤية الهلال سوى بالمنظار وبصعوبة بالغة ، حيث كان الشفق الذي يرافق ظهوره مع غروب الشمس يغطي الهلال.
3 - قوس الرؤية : قوس الرؤية هو الحجم المرئي من القمر والمقصود به هنا نسبة إضاءة الهلال المرئي ، وهو من العوامل المهمة التي يجب توافرها حتى تتحقق رؤية الهلال ، فقد يكون الهلال نحيلا جدا ، وبالتالي يتعذر رؤية الهلال ، ووجد أن نسبة إضاءة الهلال يجب أن لا تقل عن ( 01,0 ) علما أن القمر المكتمل تكون نسبة إضاءته (00,1) وتستطيع الحسابات الفلكية تحديد نسبة إضاءة الهلال بدقة بالغة في أي مكان على سطح الأرض لحظة رصد الهلال .
4 - البعد الزاوي للقمر عن الشمس : وهو ابتعاد قرص القمر عن الشمس مسافة معينة بحيث تستطيع العين تمييز الهلال النحيل عن أشعة الشمس ، كما أن الشفق الذي يرافق مغيب الشمس يغطي بشكل واضح مغيب الهلال وعندها قد يتعذر رؤية الهلال ، ووجد علميا بأنه حتى يرى الهلال بالعين المجردة ، فيجب ابتعاد الهلال عن الشمس مقدار 12 درجة على الأقل ، أي بعد حوالي 24 ساعة من ولادة الهلال .
5 - ارتفاع الهلال عن الأفق : وهو مقدار ارتفاع الهلال عن الأفق الغربي لحظة شروق الشمس ، فإذا كان الهلال قريبا من الأفق لحظة غروب الشمس فان رؤية الهلال في هذه الحالة تكون صعبة للغاية ، كما أن الشفق يزداد كثافة إضافة إلى العوامل الجوية الأخرى مثل العجاج haze وهي انعكاس أشعة الشمس عن ذرات الغبار في الجو وخاصة في الأفق الغربي قبل غروب الشمس بقليل ، أو الشابورة mist وهي نسبة الرطوبة العالية في الجو التي تعمل على منع الرؤية فوق الأفق مما يعيق رؤية الهلال. وقد وجد الفلكيون انه يجب أن يرتفع الهلال عن الأفق الغربي لحظة غروب الشمس مسافة 8 درجات على الأقل حتى تتحقق رؤية الهلال.
اختلاف المطالع جاء في مسند الإمام أبي اسحق الهمذاني نقلا عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن الصحابة رضوان الله عليهم سألوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله هذه المغارب أين تغرب وهذه المطالع من أين تطلع ؟ فقال : هي على رسلها لا تبرح ولا تزول ، تغرب عن قوم وتطلع على قوم ، وتغرب عن قوم وتطلع ، فقوم يقولون غربت ، وقوم يقولون طلعت . وفي رواية أخرى منقولة عن ابن عباس أن الرسول صلى الله علية وسلم قال :(الشمس بمنزلة الساقية تجري في النهار في السماء في فلكها ، فإذا غربت جرت في الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها ، وكذلك القمر) .
إن الأحاديث سابقة الذكر والمنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم تؤكد بكل وضوح أن الأرض كروية الشكل وان الشمس لا تختفي في العالم السفلي كما كان يظن الفراعنة أو الحضارات الأخرى القديمة ، بل أن الشمس تطلع على قوم وتغيب عن قوم ، فالشمس تشرق عند قوم لكنها تغيب عند قوم آخرين وتكون في الزوال عند قوم آخرين وتكون عند العصر عند قوم آخرين أيضا ، وبذلك فالشمس لا تغيب عن الكرة الأرضية ولكن تختلف الأوقات من مكان ما على سطح الأرض بالنسبة إلى الأماكن الأخرى ، وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أول من أوضح حقيقة كروية الأرض وكيفية تغير الأوقات في اليوم الواحد من خلال حركة الشمس الظاهرية في السماء .
وللأسف الشديد فلا زال بعض علماء الدين يعتقد أن الأرض منبسطة وأنها ليست كروية ، وهذا مخالف لما ورد في القران والسنة بل هي مجرد اجتهادات من قبل علماء الدين ووقوع هؤلاء العلماء في الخطأ أمر وارد ، والمشكلة الكبيرة أن التقدم العلمي الهائل عند الغرب جعل الغرب يستخفون بالأمة الإسلامية عندما يسمعون أن علماءه يكذبون كروية الأرض على الرغم من ارتياد الفضاء وتصوير الأرض من الفضاء والتي تظهر فيها كروية الشكل. ولان الموقع الجغرافي لكل منطقة يختلف عن الموقع الجغرافي لمنطقة أخرى فان هذا يجعل فترة شروق وغروب الشمس في كل منطقة تختلف عن المنطقة الأخرى وسبب ذلك هو كروية الأرض ، فلو أن الأرض منبسطة لأشرقت الشمس وكذلك القمر والنجوم وجميع الأجرام السماوية في نفس الفترة تماما على كل المناطق ، وهذا الاختلاف في فترة شروق الشمس وغروبها لكل منطقة معينة على سطح الأرض يسمى (اختلاف المطالع).
وعندما يحسب الفلكي مواقيت الصلاة لكل منطقة معينة أو مدينة على سطح الأرض فعليه أن يأخذ بعين الاعتبار الموقع الجغرافي لكل مدينة من حيث خط الطول وخط العرض ، وهذان العاملان مهمان في تحديد مواقيت الصلاة بسبب اختلاف المطالع.
ولكن هل يؤخذ باختلاف المطالع في رصد الهلال أول الشهر القمري ؟ الحقيقة أن رؤية هلال أول الشهر تختلف عن تحديد مواقيت الصلاة ، فمواقيت الصلاة دقيقة جدا وتخص منطقة معينة خلال فترة زمنية صغيرة ومحددة ، فمثلا يختلف موعد صلاة الظهر في منطقة معينة عن منطقة أخرى تبعد عنها عشرة كيلو متر نتيجة لاختلاف الموقع ، أما بالنسبة لرؤية الهلال فهي لا تخص منطقة معينة لأنه إذا تمت رؤية الهلال في منطقة معينة فيجب أن يشاهد في كل المناطق المجاورة إضافة للمناطق التي تقع غرب هذه المنطقة بعد غروب الشمس في كل منطقة ، وذلك لان رؤية الهلال تتم فقط بعد غروب الشمس .
وبذلك فإذا شوهد الهلال في منطقة معينة فانه يجب أن يشاهد الهلال في كل المناطق المجاورة والمناطق التي تقع غربها خلال الليلة الواحدة وبذلك فلا اعتبار للمطالع في رؤية الهلال ، وهذا ما اتفقت عليه ثلاثة مذاهب باستثناء المذهب الشافعي الذي اقر باختلاف المطالع في رؤية الأهلة.
رؤية الهلال وفقا للشريعة الإسلامية أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يعتمدوا على رؤية هلال أول الشهر لكي يحددوا موعد بداية شهر رمضان وهو شهر الصوم ، وكذلك شهر شوال وهو شهر الفطر أي بداية عيد الفطر السعيد وكذلك تحديد موعد العبادات والمناسبات الإسلامية الأخرى مثل موسم الحج وبداية العام الهجري وذكرى الإسراء والمعراج والمولد النبوي الشريف وغيرها من المناسبات الإسلامية ، وقد وردت أحاديث نبوية شريفة بمتون مختلفة نوجزها بما يلي :
1 - صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ، فان غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما .
2 - صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ، فان غم عليكم فاقدروا له .
3 - صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ، فان غم عليكم فأكملوا العدة ، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا.
4 - إنا أمة أمية ، لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا ، وأشار صلى الله عليه وسلم بكفيه مرة تسعة وعشرون ومرة ثلاثون.
إن الأحاديث النبوية الشريفة سابقة الذكر تدل على أن رؤية الهلال أول الشهر القمري هي علامة بداية الشهر القمري ، وهو أمر منطقي تماما ، إذ أن الوسيلة الوحيدة المتاحة آنذاك لتحديد بداية الشهر هي رؤية الهلال بالعين المجردة ، ولم تكن آنذاك وسيلة غيرها ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم في تلك الأزمان لم يكونوا يحسبون حركة القمر ولم يكونوا حتى يعرفون القراءة ولا الكتابة ولذلك وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في تلك الفترة بالأمة الأمية ، وهذه الصفة لا تتعلق بالمسلمين في كل الأزمان بل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن لم تعد أمة الإسلام أمة أمية بعد عهد الرسول كون القران الكريم حث على العلم والتعلم ، وكانت نتيجة ذلك أن ظهر العلماء والمخترعين في عصر الدعوة الإسلامية والذين لا تزال أسماءهم تسطع في الفلك الحديث .
والذي يتمعن في الأحاديث النبوية الشريفة يجد أنها جاءت في متون عدة وتتضمن أكثر من معنى وأكثر من حكم شرعي وذلك لحكمة كبيرة وهي توافقها مع كل الأزمان والتطور في الحياة العلمية وكلما ارتقت وسائل المعرفة واتسعت آفاق العلم جيلا بعد جيل ، وكلما فتح الله تعالى على بني آدم ما لم يكونوا يعلمونه من قبل بعد أن كان لهم في علم الغيب ، وفي ذلك قال تعالى:(والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ، ويخلق ما لا تعلمون) كما يشاء الله تعالى أن يظهر للناس أشياء في المستقبل لحكمة لذلك نجد أن متن الحديث يتغير من حديث إلى آخر ، وبذلك يصبح الشرع متمشيا مع جميع الأحوال والأزمان .
وبذلك فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الباب مفتوحا للتطور في رصد الهلال من خلال نص الحديث (فاقدروا له) أي قدروا للهلال بالحساب ومنازل القمر لتحديد بداية الشهر إذا كان هنالك مانع للرؤية.
وقد كان المسلمون يختلفون في تحديد بداية الشهور القمرية وخاصة بداية شهر رمضان المبارك وشهر شوال ، وفي التاريخ الإسلامي العديد من الوقائع التي تثبت ذلك ، فقد جاء في صحيح الإمام مسلم عن كريب رضي الله عنه انه استهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنه ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال : أنت رايته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت : أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه . فقال : لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن المشكلة الوحيدة التي تواجه عملية رؤية هلال رمضان والشهور القمرية الأخرى هو الخطأ الذي يمكن أن يقع به المسلم الذي يرقب الهلال وبحسن نية أي بدون قصد ، والتاريخ الإسلامي يذكر مثل هذه الوقائع ، ومن إحدى هذه الوقائع أن الصحابي الجليل سيدنا انس بن مالك رضي الله عنه كان يرقب الهلال - وكان حينها طاعنا في السن - مع بعض الصحابة والتابعين ، فأشار سيدنا انس بيده نحو الأفق وقال لمن معه إنني أرى الهلال ، ولكن جميع من كانوا معه لم يروا شيئا ، فنظر الصحابي إياس الذي كان شابا إلى انس فرأى شعرة بيضاء من حاجبه تتدلى أمام إحدى عينيه فأزاحها بيده ثم قال له : انظر هل ترى الهلال ؟ فقال انس : لا ، فقال له إياس : انك قد رأيت الشعرة وليس الهلال .
وفي رواية أخرى أن جماعة مكونة من سبعة أفراد ، نظروا إلى الأفق وتهيأ لهم رؤية الهلال ، وفي هذه الأثناء مر بهم رجل ثامن فقال لهم اروني الهلال فاروه إياه فإذا به نجم لامع وليس الهلال. أما في العصر الحالي فان الوقوع في الخطأ في رصد الهلال أمر وارد ، ونتيجة لخطا في رؤية الهلال يصوم ملايين المسلمين مع العلم انه يمكن تفادي الوقوع في الخطأ بسبب نعمة الله علينا وهو التقدم العلمي في كل المجالات العلمية ومنها الحساب الفلكي الذي يمكن من خلاله التيقن برؤية الشهود ، ومن هذه القصص ما حدث من بعض الطلبة المسلمين الذين يدرسون في الولايات المتحدة الأمريكية سنة م1993 حيث قرروا - وكانوا أربعة - مراقبة الهلال بأنفسهم ، فاستأجروا طائرة صغيرة وارتفعوا بها فوق السحاب وبعد قليل رأوا شيئا ظنوه الهلال ، ونزلوا واتصلوا باللجنة يشهدون أنهم رأوا الهلال ، وبعد سؤالهم واحدا بعد الآخر عن بعض التفصيلات قال ثلاثة منهم أنهم غير متأكدين من ذلك ، وان الرابع هو الذي رآه جيدا ، وعند سؤاله عن شكل الهلال الذي رآه وعن اتجاهه وعن موقعه نسبة إلى الشمس قال : إن شكل الهلال الذي رآه خط مستقيم ،، .
وقيل أن أحد الرجال الطاعنين في السن وانه اعور جاء مرة يشهد برؤية الهلال ، وأكد الرجال الذين كانوا يجلسون مع القاضي المسئول في تلك الدولة أن الرجل المسن يسير على عكاز لان نظره ضعيف ، وانه يصطدم بالأثاث الموجود في مكتب القاضي فكيف رأى هذا الرجل المسن الهلال وهو لا يرى أمامه ؟ .
وتحدث قصص كثيرة تدل على جهل الكثيرين من الناس برؤية الأهلة وعدم معرفتهم العلمية بذلك ، فمثلا جاء بعض الأشخاص ليشهدوا برؤية الهلال ، وعندما تم الاستماع إلى إفادتهم تبين أنهم كانوا يرصدون هلال كوكب الزهرة فظنوه هلال القمر أي هلال رمضان ، كما حدثت أخطاء شائعة في بعض الدول الإسلامية فعندما جاء أحد الأشخاص ليشهد برؤية الهلال أفاد انه رآه بعد الفجر أي انه رأى هلال شعبان قبل أن يتولد ، فهل من المعقول أن يأخذ القاضي برأي هذا الرجل ويصوم المسلمون نتيجة هذا الخطأ ؟، حتى أن الغرابة أن بعض الأشخاص شهد بأنه رأى الهلال ثم غاب ثم أشرق من جديد في نفس اللحظة ، .
ولكن لماذا لا يتم الاعتماد على الحسابات الفلكية في تحديد بداية الشهر وعدم الوقوع في الخطأ ؟ دلت الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت في الفصول الماضية أن إثبات بداية شهر رمضان المبارك والشهور الأخرى يتم من خلال رؤية هلال أول كل شهر ، وانه إذا لم تتم رؤية الهلال لسبب أو لآخر فيجب إكمال العدة بحيث يصبح الشهر ثلاثين يوما ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال الاعتماد على طريقة أخرى في تحديد بداية الشهر خاصة وانه لم يكن هنالك الحاسب والكاتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم . وعلى الرغم من ذلك فقد اختلف العلماء حول إمكانية الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد بداية الشهر ، فبعض العلماء اقر بالاعتماد على الرؤية فقط دون الاعتماد على الحساب الفلكي ومعظم من قال بهذا الرأي هم من الفقهاء القدماء ، ومنهم من وجد ضرورة الاعتماد على الحساب الفلكي كعامل مساعد لرؤية الهلال.
وقبل أن نبين آراء الفريقين حول إمكانية الاعتماد على الحسابات الفلكية أود أن أبين علماء الفلك لا يطالبون - لا قدر الله - الاعتماد على الحساب الفلكي وعدم الاهتمام برؤية الهلال بالعين لان في ذلك مخالفة لنص رسول الله عز وجل ، ولكن ما يقصده الفلكيون أو ما يطالبون به هو الاعتماد على الحسابات الفلكية كعامل مساعد في رؤية الهلال بدل النظر إلى السماء دون معرفة شيء عن الهلال ، فالحسابات الفلكية الآن تستطيع تحديد بداية الشهر بدقة بالغة من حيث موعد وجود القمر في الاقتران أي ولادة الهلال ، ومكان تواجد الهلال فوق الأفق بالنسبة للشمس وارتفاع الهلال عن الأفق لحظة غروب الشمس إضافة إلى كل المعلومات المطلوبة لبيان إمكانية رؤية الهلال ، والمراصد الفلكية الآن تطورت تكنولوجيا بشكل ملموس حيث أنها مزودة بأجهزة حاسب آلي مرتبطة مع الأقمار الصناعية بحيث تستطيع هذه المراصد الذهاب بشكل آلي إلى الهلال في السماء أو إلى أي جرم سماوي آخر ووضعه في عينية التلسكوب ، وبذلك أصبحت عملية رصد الهلال من ابسط القضايا الفلكية .
ولكن هل يمكن إثبات بداية رمضان بالحسابات الفلكية ؟ يقول الأستاذ الدكتور شرف القضاة أستاذ الفقه وأصول الدين في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية في بحث قدمه حول هذا الموضوع أن في مسالة الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد بداية شهر رمضان رأيان مشهوران : أولهما: أن الشهر لا يثبت بالحساب والتقدير وهو قول الجمهور قديما وحديثا ، أما الرأي الآخر فيقول انه يمكن أن يثبت بالحساب والتقدير وهذا الرأي لم يقل به في القرون الأولى إلا قلة ، ولكن أتباعه يزدادون جيلا بعد جيل نتيجة للتطور العلمي المتواصل على مر العصور وخاصة في الحسابات الفلكية .
وحسب الدكتور القضاة فقد استدل أصحاب الرأي الأول بما يلي : عن ابن عمر رضي الله عنهما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين ) .
قال ابن حجر العسقلاني: إن الحديث علق الحكم بالصوم بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير . وقال القرطبي تعليقا على الحديث : إن الله لم يكلفنا في تعرف مواقيت صومنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة ، وإنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفتها الحساب وغيرهم ، فالحديث ينفي ويرفع الحرج ولا ينهى ، انه ينفي أن تكون الأمة الإسلامية في ذلك الوقت أمة متقدمة في العلوم بعامة وفي علم الفلك بخاصة ، وليس في الحديث نهي عن الحساب ، وإلا كان معناه تحريم علم الحساب بعامة - أي علم الرياضيات - وتحريم حساب حركة الأجرام السماوية بخاصة - أي علم الفلك - ولم يقل بهذا أحد . بل لو أننا فهمنا الحديث على هذا النحو لكان معناه تحريم تعلم الكتابة أيضا لان الحديث يقول ( لا نكتب ) وهذا ما لم يقل به أحد ، ويتعارض مع كل الآيات والأحاديث التي تأمر بالعلم بمعناه الشامل .
وقد بنى الجمهور في الرأي الأول على الفلك باعتباره تنجيما كما كان سائدا في الماضي البعيد وقبل عصر الدعوة الإسلامية وكان دليلهم على ذلك أن الحساب كان من علم النجوم وقد نهى الإسلام عن ذلك ، فعن زيد بن خالد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي) .
وفسر ابن بزيزة الحديث قائلا : فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنه حدس وتخمين ليس فيه قطع ولا ظن غالب ، مع انه لو ارتبط الأمر بها لضاق. وهذا الدليل أيضا لا يدل على النهي عن تعلم حساب حركة النجوم ولا عن اعتماده في إثبات الشهر ، بل هو نهي عن التنجيم الذي يدعي كشف المستقبل من خلال حركة ومواقع الكواكب السيارة في البروج السماوية ، لذلك فلقد اعتبر في الماضي أن الحساب ظني لا تقوم به الحجة ، لكن تقدم علم الفلك في القرون القليلة الماضية حتى أصبح الآن علما يقينيا ، ولكن لو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين الصيام بناء على الحساب الفلكي لكانت هنالك مشقة كبيرة على المسلمين لأنهم كانوا سيحتاجون إلى فلكي في كل منطقة وقرية وهذا كان متعذرا .
لقد كان هذا الكلام صحيحا في تلك الأزمان ، حيث لم تكن هنالك وسائل اتصال ، لكن تطور الاتصالات في العصر الحالي مثل الإنترنت والإذاعة والتلفزيون والصحف وغيرها سهلت من موضوع رصد الهلال ونقل الخبر بين الناس ، وبذلك يكون رأي الجمهور الأول صحيحا خلال تلك الفترة لأنه كان يصف الظروف السائدة في ذلك الزمان ، ولكن يبدوا أن آراء الجمهور الأول قد أصبح ضعيفا الآن بسبب التغير في العلم والتكنولوجيا ولم يعد ينطبق على عصرنا الحالي .
أما الجمهور الثاني فقد استدلوا في رأيهم على الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين ) وقد فسر المفسرون الحديث على أن الأصل في إثبات الشهر أن يكون بالحساب ، ولان هذا الأصل غير متيسر في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقد تم اللجوء إلى البديل وهو الرؤية ، وإلا فما وجه ذكر الأمة أمية لا تكتب ولا تحسب ؟ فالعلة في إثبات الشهر بالرؤية هي أن الأمة لا علم لها بعلم الفلك ، والمعلول يدور مع العلة وجودا وعدما ، أما في عصرنا فقد تيسر الأصل فلماذا نلجأ إلى البديل ؟ .
كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:(صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غم عليكم فاقدروا له ) أي اعتماد الحساب اليقيني في إثبات بداية الشهر إذا لم نتمكن من الرؤية وانه يجوز الاعتماد على الحساب. يبين الدكتور شرف القضاة في بحثه أن رأي الجمهور الثاني الذي يؤيد الاعتماد على الحساب الفلكي هو الأرجح في عصرنا بعد أن زالت عن الأمة أميتها ، وبعد أن أصبح علم الفلك في مجال حساب حركة القمر والأرض علما قطعيا .
وقد بين تقي الدين ألسبكي في النصف الأول من القرن الثامن الهجري انه ترد شهادة الشاهد إذا أكدت الحسابات الفلكية اليقينية استحالة الرؤية حيث قال: (وها هنا صورة أخرى وهو أن يدل الحساب على عدم إمكانية رؤيته.... فلو اخبرنا به بخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط... لم تقبل الشهادة ، لان الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان ، والظن لا يعارض القطع فضلا عن أن يقدم عليه ، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسا وعقلا وشرعا ، والشرع لا يأتي بالمستحيلات. وهذا يدل على انه إذا صار الحساب قطعيا كما في عصرنا فانه يفترض الأخذ في الحساب .
وقد وافق ألسبكي من العلماء في عصرنا محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر والشيخ علي الطنطاوي حيث يقول: (وهذا الحساب قطعي بينما الرؤية غير قطعية فربما توهم الشاهد أو كذب ، وخلاصة رأي ألسبكي الذي يجمع بين العمل بحديث (صوموا لرؤيته) وبين حقائق علم الفلك هي أن نسال أولا علماء الفلك هل يمكن أن يرى الهلال هذه الليلة ؟ فان قالوا: نعم ، تحرينا رؤيته .... وان قالوا بأنه لا يمكن أن يرى رددنا شهادات الشهود.
ومن الذين طالبوا باستخدام الحسابات الفلكية في إثبات بداية الشهور في عصرنا هو الشيخ احمد شاكر حيث قال: (فإذا خرجت الأمة عن أميتها وصارت تكتب وتحسب وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت ، وان يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده. كما يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:( إن الأخذ بالحساب القطعي اليوم وسيلة لإثبات الشهور يجب أن يقبل من باب قياس الأولى ، بمعنى أن السنة التي شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدنى لما يحيط بها من الشك والاحتمال - وهي الرؤية - لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود .
وقال الشيخ بخيت : مما يؤيد القول بالعمل بالحساب الصحيح أن أهل الشرع من الفقهاء وغيرهم يرجعون في كل حادثة إلى أهل الخبرة بها وذوي البصيرة فيها . فإنهم يأخذون بقول أهل اللغة في معاني ألفاظ القران والحديث.
وبقول الطبيب في إفطار شهر رمضان وغير ذلك ، فما الذي يمنع من بناء إكمال شعبان ورمضان وغيرهما من الأشهر على الحساب ، والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة العارفين به إذا أشكل علينا الأمر في ذلك . مع كون مقدماته قطعية ، وموافقة لما نطق به آيات القران المتقدمة. النتائج: إذن نستنتج من هذا البحث أن الحسابات الفلكية يستعان بها في إثبات بداية شهر رمضان والشهور الأخرى بعد أن أصبحت الحسابات الفلكية يقينية ودقيقة وموثقة ، وذلك حتى لا يقع المسلمون في الخطأ الغير مبرر في تحديد بداية الشهور العربية سواء أكانت الأخطاء متعمدة أو بحسن نية .
ويمكن أن نختصر نتائج البحث بما يلي :
1 - لا يجوز الربط بين الفلكي والمنجم وليس الفلك هو التنجيم الذي نهى عنه الإسلام.
2 - الحسابات الفلكية دقيقة للغاية ويجوز الاستعانة بها في إثبات بداية الشهر.
3 - يجب رد شهادة الشاهد إذا أكدت الحسابات الفلكية استحالة الرؤية.
4 - ليس هنالك دليل ينفي الاستعانة بالحسابات الفلكية في تحديد بداية الشهر.
5 - لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتماد التقدير والحساب في إثبات الشهر ، بل جعل ذلك هو الأصل إن كان في الأمة علماء في الفلك.
6 - رؤية الهلال وسيلة من وسائل إثبات الشهر وليس غاية أو هدف .
7 - كان الحساب الفلكي قديما ظنيا أما الآن فهما يقيني وقطعي.
8 - لا تتعارض الرؤية الشرعية مع الحسابات الفلكية ، ولكن يمكن أن تتعارض الشهادة مع الحساب ويتوجب في هذه الحالة الأخذ برأي الحساب لان الرؤية بالعين ظنية والحسابات الفلكية يقينية وقطعية .
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش