الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إستقراء أدب الطفل بين المستعمل والمهمل

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:54 مـساءً
عبد الرحيم جداية **

سؤال: هل استطاع الكاتب أن يعبر عن الصورة الذهنية عند الطفل؟
إضاءة:
1. الأحداث في القصص الخمس تدور خارج المنزل في الغابة، المركبة، الحافلة، الشارع؟
2. قدرة الكاتب في التعبير عن أفكاره الشخصية.
3. جمال الفكرة والسرد الأدبي.
4. سيطرة صوت الأب المطلق.

مقدمة:
رغم ندرة أدب الطفل في المكتبة الأردنية، إضافة إلى ندرة الأعمال الجيدة المختصة في أدب الطفل شعرا وقصا والتي تحاكي جوانية الطفل ومحيطه الخارجي بأسلوب وبراعة فنية جمالية مبنية على فكرة تعيد تشكيل الوجدان والعقل للطفل بهدف إنتاج مواطن صالح.
في هذه الفترة المتأزمة في أدب الطفل يأتي زاهر باكير القاص البارع في اقتناص الأفكار وتوظيفها بأسلوب قصصي معبر عن الطفولة والحالة الاجتماعية السائدة التي تنمو فيها هذه الطفولة منبها إلى تغول بعض الحالات الاجتماعية التي تؤثر سلبا على النمو الإيجابي للطفل في عالم تشكل الخطورة أكبر التحديات التي تواجه الطفولة في مراحلها العمرية المتعاقبة.
فهل يعالج زاهر باكير في مجموعته يا صغيري لعلهم يتعلمون أم يؤشر إلى مكامن الخطر حتى تتكاتف المؤسسات المعنية بالنشء قبل المدرسة وخلال المدرسة وبعد المدرسة، حيث الشارع هو الخط الأسود الذي يربط هذه المراحل الحياتية للطفولة والشباب والكهولة.
فما الذي قدمه زاهر باكير في مجموعته يا صغيري لعلهم يتعلمون؟
عتبة النص:
ماذا لو اختبرنا عنوان المجموعة القصصية يا صغيري لعلهم يتعلمون، حيث جاء النداء (يا صغيري) دالا على علاقة المنادي والمنادى، فهل هما صغيران ينادي أحدهما الآخر، أم هو نداء العارف للصغير الذي ما زال يسير على درب المعرفة، وقول الكاتب (لعلهم) تدلل على الترجي كما قال اللغويون وعلى الشك كما تشعر به النفس لكن النداء (يا صغيري لعلهم) تجمع بين الشك ورحلة البحث عن اليقين، ليتساءل القارئ (يا صغيري لعلهم .. ماذا) فيطلق القارئ السؤال باحثا عن الجواب ليجده في التعلم ليكتمل العنوان (يا صغيري لعلهم يتعلمون) فرغم الشك فقد جاء التعلم على صيغة الأفعال الخمسة (يتعلمون) ولم يسبقها ناصب أو جازم فأدت لإستمرارية البحث بالتعلم للانتقال من الشك إلى اليقين.
يبدو العنوان مشتقا من صيغة أوسع، وكأن الكاتب يقول (تعالى يا صغيري) ليكون الطفل فاعلا في الحركة والبحث ورحلة التعلم، لكن قوله تعالى يا صغيري لعلهم يتعلمون هو شك بتعلم الكبار مع فسح المجال لهم بمحاولة التعلم ليكونوا قادرين على تربية أطفالهم، فالجاهل لا يربي وغيرالمتعلم لا يعلم.
لقد أبدع زاهر باكير هذا العنوان يا صغيري لعلهم يتعلمون مشكلا حالة من الإيحاء والدلالة لقيمة العلم والتعلم حتى يستمر الجنس البشري بالوجود والتطور، وهذا العنوان بدلالته الذي ابتكره زاهر باكير خليق بالدلالة على معان جليلة وجمل موحية وظفها القاص في قصصه الخمس لينبت أو يعيد استنبات النشئ بأسلوب تربوي قائم على معرفة النفس والذات والروح حتى يصبح الآباء مؤهلين إدارة حياتهم وحياة أطفالهم.
أولا: المستعمل:
وهو الذي استخدمه الكاتب في نصه القصصي للتعبير عن الفكرة الموجهة للطفل في حياته اليومية، مشكلة خبرة عميقة عند الطفل في ممارسة السلوكات الإيجابية في الحياة ومنها:-
1- استعارة التاريخ وإعادة إنتاجه في قصة (الأرنب والسلحفاة)
2- الشرطي صديق للفرد والمجتمع في قصتي: أبو يمان... وحزام الأمان والخط المتقطع للمشاة
3- سلطة القانون وسيادته على النزاعات الفردية في قصة (باص المدرسة).
4- التواصل الكوني ويشكل إضافة نوعية لأدب الطفل في قصة (الزائر المحترم)
5- سيطرة العامل الخارجي في قصة (الخط المتقطع للمشاة).
- الشرطي والمعلمة في قصة أبو يمان، وحزام الأمان:
إذ يجد القارئ دورا إيجابيا للشرطي المتفهم للدور الرقابي والتواصل البناء مع أفراد المجتمع لتأسيس فكرة الشرطي الحامي للمواطن بالتسامح لا بالعقوبة ونموذج ذلك إهمال حزام الأمان عند بعض السائقين ورعاية الأطفال في مقاعد خاصة في سيارة مجهزة بحزام الأمان، فالدور التربوي في الشارع هو نفسه الذي تقوم به المعلمة في المدرسة، من أجل تكامل الأدوار.
- الغريب ودوائر الثقة مع الغرباء في قصة الخط المتقطع للمشاة:
تحفز هذه المجموعة القصصية القارئ إلى مفهومي الغريب ودوائر الثقة، إذ تقدم قصة «الخط المتقطع للمشاة» ثقة أم وليد المطلقة بطفلها وليد والمجتمع بإرساله لشراء الخبز من منطقة مكتظة بالبائعين الغرباء، حيث يقطع وليد الشارع بمساعدة رجل غريب ويعتبره في مقام العم، لتغيب دوائر الثقة التي تميز طبيعة العلاقة مع الغرباء والأقارب وتصنيفهم ضمن دوائر ومنهم الشرطي الذي نثق به لأنه رجل الأمن الحامي.
العوامل المشتركة:
هناك عوامل مشتركة تجمع بين قصتين أو أكثر مما يساهم في تعميم القيمة على المجتمع من وجهة نظر الكبار والتي يغفل عنها الأطفال وهي:
1- غفلة الأب عند قيادة السيارة في قصتي أبو يمان وحزام الأمان والزائر المحترم عن وضع حزام الأمان والإلتزام بقوانين السير التي وضعت لخدمة المجتمع وحماية أفراده.
2- حضور الشرطي في قصتي أبو يمان وحزام الأمان، والخط المتقطع للمشاة، حيث يقوم الشرطي بخدمة المجتمع وتنبيه أبي يمان لوضع حزام الأمان والتواصل مع يمان للجلوس في المقعد الخلفي ووضع حزام الأمان، إضافة إلى دور الشرطي في مساعدة وليد في قطع الشارع وحمايتة في قصة الخط المتقطع للمشاة.
3- حضور الحافلة والمركبة في القصص أبو يمان وحزام الأمان، باص المدرسة ، الزائر المحترم، الخط المتقطع للمشاة، مما يؤشر إلى اهتمام الكاتب في الأحداث التي تدور في الشارع خاصة أصول السير وقيادة السيارت في أسلوب آمن.
4- ضعف الحضور الأنثوي وسيادة الذكورة
حضرت الأنثى في المجموعة القصصية كاملة في خمس شخصيات فقط هي:- أم يمان ، روان، أم روان ، أم وليد، المعلمة، على العكس من الحضور الذكوري في 12 شخصية هي:- شخصيات يمان، أبو يمان، الشرطي، سائق باص المدرسة، السائق المتهور، القضاة الثلاث، سمير، أبو سمير، الزائر الفضائي، وليد، الباعة على الرصيف، أصحاب المحلات التجارية، أحد المارة ساعد وليد (العم) شرطي السير.
ثانيا: المهمل:
المهمل قد يعاد استخدامه في أدب الطفل عند زاهر باكير، وقد شكل المهمل عالما موازيا لسيطرة العامل الخارجي على سلوك الطفل مع هامش من التفكير في قصة يمان بحواره للشرطي (الحوار الخارجي)
العامل الداخلي:
1- الصوت الداخلي ومعرفة الذات
2- البوح عند الطفل
أهم الملامح المستفادة من قراءة مجموعة «يا صغيري لعلهم يتعلمون»:-
- عدم الاستفادة من قراءة التاريخ في قصة الأرنب والسلحفاة وتكرار الخطأ التاريخي في السباق المتجدد بين الأرنب والسلحفاة.
-اسقاط الخطأ التاريخي على القضايا العربية بعدم أخذ العبر من التاريخ وعدم الاستفادة من قراءته كما ورد في قصة (الأرنب والسلحفاة).
-تفاعل الشرطي مع حس الطفولة عند يمان والتحول من الجباية إلى البعد الإرشادي والتثقيفي في المجتمع.
-الحضور السلبي للأب ممثلا في شخصية أبي يمان والتأثير الإيجابي ليمان والزوجة والشرطي لتعديل سلوك أبي يمان وانعكاسه على المجتمع عندما أظهر عدم قناعته في وضع حزام الأمان.
-أهمية مسؤولية السائقين في قيادة المركبات والحافلات.
-تحصيل الحقوق بالأساليب القانونية من السائق المتهور من خلال الجهات الأمنية والقضاء.
-البعد التربوي في تعليم السائق المتهور وعدم الاكتفاء بسحب رخصته.
خاتمة:
استطاع زاهر باكير في مجموعته القصصية «يا صغيري لعلهم يتعلمون» أن يجعل من المكان بطلا في نصه القصصي، كما قال جاستون باشلار في كتابه جماليات المكان الذي ترجمه غالب هلسة، فشكل فضاء المكان المعادي خارج حدود في الشارع (البطل الظاهر)، وأخفى الفضاء الأليف، حيث المكان الآمن في البيت (البطل الثاني) مكانيا بعد الشارع، إضافة إلى أبطال متحركين في المكان من سكان الأرض ومن الفضاء الخارجي حيث تشكل الفضاء القصصي من المكان وحركة الشخوص مغفلا الزمان وقيمته السيادية في تشكيل الفضاء القصصي.
فالمستعمل الفضاءات الخارجية المكانية على حساب المهمل العوالم الداخلية للإنسان فالنفس والذات والروح غيبها سيطرة المكان على الحدث، فغاب الصوت الداخلي (المونولوج الداخلي) وغاب الصراع الباطني لحساب الصراع المكاني المرئي والمحسوس وغياب اللامرئي رغم أهميتها في البناء القصصي الجميل الذي يزاوج بين الداخل والخارج مكملا بناء الشخصية في الحدث.
وقد قدم زاهر باكير بناء لغويا متميزا في قوة الجملة التي ساعدت في بناء الحبكة صورة ظاهرة بأداء لغوي سلس قوي معمما الفترة العمرية للقراء لتناسب مستويات الطفولة على اختلاف مراحلها.
* (قدمت هذه الدراسة في مركز الحسين الثقافي في حفل توقيع مجموعة «يا صغيري لعلهم يتعلمون» للقاص زاهر باكير، السبت 10/12/2016م)
** شاعر وناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش