الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أسفار إدوارد سعيد الثقافية

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:52 مـساءً
د. محمد عبدالله القواسمة *

يرى الدكتور محمد شاهين الأستاذ بالجامعة الأردنية في كتابه « ادوارد سعيد أسفار في عالم الثقافة» (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007) وكما يبدو في العنوان أن أعمال المفكر والناقد الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالثقافة، بوصفها حياة المجتمع الشاملة التي تتكون من تراكماتها الحضارة. وقد بدأ هذا الاهتمام في بواكير أعماله الفكرية، ففي عام 1972 كتب مقالًا في مجلة «مواقف» اللبنانية تحت عنوان (التمنع والتجنب والتعرف) ويمثل المقال المدخل لمعرفة دواخل الرجل، واهتمامه المبكر بقضايا الأمة العربية، فقد تحدث فيه عن الثقافة وأزمة الوضع العربي، وانتقد رؤية طه حسين الضبابية للثقافة الغربية في كتابه «مستقبل الثقافة العربية» عندما وصفها بأنها ثقافة اعتدال لا اعتداء.
وشرع بعد هذا الوقت بتأليف كتابه «الاستشراق» الذي يعد من أهم الكتب الفكرية التي ظهرت في القرن الماضي، وسبق أن ألف قبل هذا الكتاب كتابه «البدايات» وربما هو الأساس الذي بنى عليه سعيد أطروحته «الاستشراق». ثم ظهر كتابه «العالم النص الناقد» وهو من الكتب المهمة في النظرية الأدبية التي ترى قيمة النص في ذاته، مع التركيز على إبراز التأثيرات الخارجية من حياة المؤلف إلى الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها التي تحيط بإنتاج النص.

وظلت الثقافة ملازمة لاهتمامات سعيد كما بدا في كتابه «الثقافة والإمبريالية»1994 وفي هذا الكتاب يكشف سعيد عن ثقافة الهيمنة التي قدم المستشرقون من خلالها صورة مشوهة عن الشرق. ويحلل في الكتاب نصوصًا أدبية، ويعيد بناءها ليكشف ما فيها من أجندة إمبريالية، ويبرز النص الروائي من بين هذه النصوص وبخاصة روايات: جين أوستن «مانسفيلد بارك»، ورواية «كِمْ» لروديارد كبلنج صاحب مقولة: «الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان»، ورواية «قلب الظلام» لجوزيف كونراد. ويرى أن هذه الروايات تخفي بين جمالياتها خطابًا ثقافيًا استعماريًا يدور في فلك الهيمنة. إنها لا ترى بديلًا عن الاستعمار، وتغيب أي فكرة لمقاومته. وينتقد إدوارد سعيد قراءات النقاد الآخرين لهذه الروايات، ويرى أنها قراءات ناقصة؛ لأنها تركز على جماليات الروايات الفنية، وتتجاهل طبيعة الثقافة الاستعمارية التي أنتجتها.
ويوضح ادوارد سعيد أن مشكلة الثقافة الغربية تكمن في نظرتها إلى ذاتها بأنها ثقافة نخبوية متميزة، وهي بذلك ثقافة تقوم على الانفصال والتقسيم. ومن الضرورة ــ كما يرى سعيد ــ وجود ثقافات تأخذ وتعطي دون أن يكون بعضها فوق وبعضها تحت، لأن مفهوم الانفصال والتقسيم لا ينجح. ويرى أن الثقافة الإيجابية هي ثقافة المقاومة التي تواجه الهيمنة، والتي يجب ألا تكون مجرد ثقافة رفض للآخر أو معارضته؛ لأن هذا يعزز مقولة كبلنج السالفة، ويبقي النزاع مستمرًا ويقوي الهيمنة. فالرفض موقف ساذج، والحركات الرافضة تحرم نفسها من فرصة الانضمام إلى نمط مجتمع إنساني تصبح فيه قضاياها جزءًا من قضية الإنسان أينما وجد. وتجسد هذا الموقف قصيدة الشاعر الكاريبي سيزير» العودة إلى الوطن الأم» فهو في القصيدة لا يتخلى عن إظهار الاختلاف بين الرجل الزنجي والرجل الأبيض، ويقدم صورة إنسانية يبرز فيها هوية الرجل الأسود بأنها هوية تتخطى الحدود التي أوجدها الرجل الأبيض له، مما يمهد إلى التعامل مع قضيته على أساس أنها قضية مقاومة الهيمنة لا قضية لون، « وهناك مكان ومتسع للجميع حيث ثمة موعد مع الانتصار»
ويكشف إدوارد سعيد في كتابه «تغطية الإسلام» 1981 أن الغرب يرى في الإسلام تهديدًا للحضارة الغربية؛ وهي في اعتقاده رؤية ثقافية مشوهة تخضع إلى عوامل سياسية واقتصادية، لهذا فهو يدعو إلى وجود ثقافة عربية عملية تستند إلى وعي جماعي يناهض ثقافة الهيمنة، ويوفر الظروف لقيام ثقافة حرة.
ويقدم سعيد ضمن مشروعه التنويري عددا من النصوص الأدبية، وينهض بقراءتها قراءة طباقية تقوم على تقديم نصين أحدهما مواز للآخر لفضح أجندة الغرب لبسط ثقافة الهيمنة، من أبرز هذه النصوص رواية «في انتظار البرابرة» للروائي جون كوتزي من جنوب إفريقيا الحاصل على جائزة نوبل عام 2003 التي تتطابق مع قصيدة الشاعر اليوناني الإسكندراني قسطنطين كفافي «في انتظار البرابرة». وهي قصيدة عابرة للأمكنة والأزمنة ومعلم ثقافي في ثقافات العالم، تحكي ببساطة عن إمبراطورية ما تتوقف الحياة فيها انتظارًا لقدوم البرابرة الذين سيتولون كل شيء في الدولة، ويسنون القوانين لها، ولكن في النهاية تقول القصيدة:
«الليل قد هبط، ولم يأت البرابرة
ولأن أناسًا قدموا من الحدود
وقالوا ليس ثمة برابرة.
والآن ماذا نفعل بدون برابرة؟
لقد كان هؤلاء نوعًا من حل».
وفي رواية كوتزي المطابقة لهذه القصيدة تبيان للقوة غير المنطقية التي مارسها الرجل الأبيض في السيطرة على الرجل الأسود، وفيها تصوير لكفاح السود الذي انتهى بتحطيم نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. وقد نفخ فيها كوتزي ــ كما يرى محمد شاهين ــ من روحه الروائية ما يسبغ المجد والتقدير لقصيدة كفافي، فقد أظهر المغزى السياسي للقصيدة، وتمثل منظور الاستشراق روائيًا.
هكذا قدم لنا الدكتور محمد شاهين في كتابه القيم « ادوارد سعيد أسفار في عالم الثقافة» فكر إدوارد سعيد، ومرتكزاته الثقافية كما جاء في أهم مؤلفاته وتجلى في مواقفه. وهو فكر يرفض سلطة الهيمنة التي يمارسها الاستعمار، ويحث على مقاومتها، لأنها تستند إلى ثقافة غير إنسانية ومنعزلة وزائلة. وإذا كان الكتاب يسلط الضوء على أسفار إدوارد سعيد في عالم الثقافة؛ فهو في الوقت نفسه يبرز ما يتمتع به الدكتور محمد شاهين من قدرة تأليفية فيها التماسك، والدقة، والموضوعية، وبراعة التحليل والنقد. فلا غرابة أن يتميز بهذه الصفات؛ فهو الناقد والباحث الأكاديمي القدير، كما لا غرابة في أن يحيط بفكر صديقه الحميم إدوارد سعيد وثقافته، وقد صدر له كتابان عنه، غير هذا الذي عرضناه: الكتاب الأول «إدوارد سعيد: رواية للأجيال»، والكتاب الثاني «إدوارد سعيد: مقالات وحوارات».

* روائي وناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش