الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في محاضرة حول «الغرب والاسلام ــ انا والاخر» القاها بمنتدى الدستور الثقافي * الجابري : علينا تغيير أنفسنا ليكون هناك تساو بيننا وبين الأخرين في ميزان القوى

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
في محاضرة حول «الغرب والاسلام ــ انا والاخر» القاها بمنتدى الدستور الثقافي * الجابري : علينا تغيير أنفسنا ليكون هناك تساو بيننا وبين الأخرين في ميزان القوى

 

 
عمان - الدستور
قال المفكر العربي الكبير الدكتور محمد الجابري ان من واجبنا أن نغير وضعنا ليكون هناك تساو في ميزان القوى ، ونقطة البداية هي الاعتراف بالواقع للاستعداد من أجل تغييره .
ودعا في محاضرة القاها بمنتدى الدستور الثقافي بعنوان: الغرب والإسلام ــ أنا والآخر" العرب الى المطالبة بتوازن المصالح في ظل الواقع الذي تعيشه الأمة في حقبة من الزمن تعمقت فيها الهوة بين الحضارات .
وبدأت المحاضرة بكلمة ترحيبية القاها رئيس التحرير المسؤول الدكتور نبيل الشريف قال فيها ..
بسم الله الرحمن الرحيم ، أسعد الله مساءكم بكل الخير ، وأهلاً وسهلاً بكم في منتدى الدستور الثقافي ، وإنه لمن دواعي سروري أن أرحب باسمكم وباسم جريدة الدستور بالمفكر العربي الكبير الدكتور محمد عابد الجابري ، الذي سيكون ضيفنا ومحاضرنا الكريم لهذا المساء.. والدكتور محمد عابد الجابري غني عن التعريف ، فهو مفكر عربي ذو مشروع واضح المعالم ، يقوم على سؤال النهضة ، إذ أنه يرى أن لا نهضة للأمة دون تحصيل آلة إنتاجها ألا وهو العقل الناهض ، ولا يمكن تحصيل هذا الفكر القادر على صناعة النهضة دون نقد للعقل العربي وبحث صيرورته التاريخية وتحديد المفاهيم المتحكمة في بنيته. يضاف إلى هذا أن مشروع الدكتور الجابري في قراءة التراث لم يكن من أجل مطلب يتعلق بفهم الماضي حصراً بل كان أساساً من أجل فهم الحاضر. أما موضوع المحاضرة وهو الغرب والإسلام "أنا والآخر" فإنه يكتسب أهمية خاصة في هذه الحقبة من الزمن التي تعمقت فيها الهوة بين الحضارات وتعاظمت الحاجة لكل جهد من شأنه تحديد معالم الطريق لتعظيم الجوامع وإزالة الالتباس والتصدي لحملات التشويه والتشهير.. إسمحوا لي أن أكرر الترحيب بضيفنا العزيز القادم من بلد عزيز أيضاً ألا وهو المغرب الشقيق وأدعوه للتلطف بإلقاء محاضرته .
وبدأ د. الجابري حديثه بالقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، أشكركم على الكلمة التي ربما بالغت فيها شيئاً ما مبالغة صديق لصديق ، وقد لا أحتاج لهذا النوع من المبالغة لأنني مع الأردن منذ سنوات وسنوات زماناً ومكاناً ، و من أكثر القراء الذين اعتز بهم هم هنا في الأردن - مع بلدان أخرى - لكن في الأردن بطبيعة الحال لوجود نخبة مثقفة وعلماء وزملاء تجمعهم بي في مجال الفكر آراء قد نتفق وقد نختلف ولذلك فلا أعدكم بمحاضرة بالمعنى التقليدي للكلمة ، وإنما سألقي بعض الأفكار في هذا الموضوع التي قد تثير شهية المناقشة لأستفيد من آرائكم ومناقشاتكم.. تعميم وتعتيم .
وقال لا شك أن الاهتمام بمقولة أو ثنائية أو زوج غرب - إسلام أو إسلام - غرب ، قد ازاداد في العقود الأخيرة كمناهج ، وإذا استعرضنا التاريخ القريب ، أي منذ بضعة عقود ، منذ الخمسينيات إلى الآن فإننا سنجد أن هذه الثنائية أو هذا الزوج قد صار موضوعاً للكلام من جميع الأطراف ، وقد اكتسى نوعا من التعميم ومن التعتيم أيضاً منذ الثورة الإيرانية ، فمباشرة بعدها بدأت كتابات تظهر في أميركا خاصة وفي أوروبا تلتها مقولة أو خطبة أو خطاب أو مقال هنتنغتون الذي تحدث عن صراع الحضارات ووجد أن هذا الصراع بين الغرب وبين الإسلام والطرف الصيني ، بعد ذلك الطرف الصيني سكت عنه وبقي محور الغرب والإسلام. واضاف : لا أريد أن أؤرخ لهذه العلاقة من خلال هذه الثنائية ، ولا أريد أن أتحدث عن حالة يتم التطرق لها الآن ومنذ سنين في البلدان العربية وفي أوروبا وفي أميركا تحت عناوين مثل صورة العرب في الغرب ، أو صورة الغرب في الإسلام ، أو صورة الإسلام في الغرب.. لا أريد أن أتطرق للمسألة من هذه الناحية ، لأن صورة الغرب في الإسلام أو عند المسلمين وصورة الإسلام في الغرب هي صورة ، إذا أردنا أن نبنيها فإننا نلتقط جزئيات من هنا وهناك ونبني جزئية ونقول هذه الصورة التي في ذهني أو في ضميري للجانب الآخر. ان بناء الصورة من عناصر معينة عمل يقوم به الكاتب وموجه في الأساس لما يريد أن يصل إليه ، فالصورة يصنعها فنان بريشته ، يبرز ما يشاء ، ويعبر عما يشاء ، ويعطيها الرمزية التي يشاء.. الفنان عندما يقوم بهذا يقوم كفنان يعبر عن ضميره وعن شعوره كإنسان ، أما الرجل الذي يريد أن يبني هذه الصورة من زاوية غرب - إسلام أو إسلام - غرب فهو هنا في إطار ايديولوجي أراد أم لا يرد ، ولذلك سأترك هذا الجانب وسأحاول أن أقف فقط مع مقولة غرب - إسلام بقصد تفكيك هذه المقولة المزدوجة وهذه الثنائية غرب - إسلام ، وسنرى أن تفكيكها بطبيعة الحال يتزن به القدر الاكبر من الموضوعية ولكن أيضاً لن نبني صورة مثل الصورة التي تحدثنا عنها ، بل سنحاول أن نهشم هذه الصورة ، وعندما ينظر الإنسان إلى صورة مهشمة إنما يعكس مثله عدة مرات ويكون شيئاً لم يبنى بعد ، وهذا ما نريد نحن أن نصل إليه ، وهو أن نقيس بنية هذه المقولة التي تتخذ الآن بعداً واحداً وهو العلاقة بين الغرب والإسلام في إطار مقولة هنتنغتون .

المضامين الايدولوجية
واضاف : وبالنسبة لي ليس لحوار الحضارات ما يتميز به عن مقولة صراع الحضارات لأن الألفاظ لا تغير الواقع ، الواقع شيء والألفاظ شيء آخر.
و سأحاول أن أقوم بمهمة تحليل هذه المقولة الغرب والإسلام من الأفكار الموروثة والمسبقة ، الأمر يتعلق بتشكيك المضامين الايديولوجية الصريحة والمضمرة التي تجعل من هذه العبارة أداة لاختزال متعدد وإغلاق للمنفتح ونظم ونسق لما هو بطبيعته يقع خارج النظم والأنفاق.. ثلاثة مستويات من التحليل ، المستوى الأول سنبدأ به وهو مستوى المرجعية الدلالية ، إلى ماذا يحيلنا لفظ غرب وإسلام من الناحية الدلالية في القاموس العربي - الإسلامي من جهة وفي القاموس الغربي من جهة،؟ المستوى التالي من التحليل هو العلاقة التقابلية ، لأن الغرب والإسلام هنا واو العطف ليس بالضرورة للجمع ، فالواو يجمع بين الطرفين والعطف يعطف شيئاً على الآخر ، لكن أيضاً يكون للتفريق أو يكون كعلامة لوجود فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه.. ثم أخيراً سنعرض لنوع من تعدد الأنماط ، أنماط الوعي للآخر باعتبار أن مقولة الغرب والإسلام سنعالجها من خلال هذه المقولة الأخرى والتي هي "أنا والآخر" أو الغيرية كما نقول.
وقال : بداية التقابل الذي يقام بين الغرب والإسلام ، لنلاحظ أن البداية دائماً نحن كعرب نقول: الغرب والإسلام ، بينما في الغالب في أوروبا وفي أمريكا يقولون: الإسلام والغرب ، وسنرى ماذا تدل عليه هذه البداية ، فنحن لا نقول الإسلام والغرب بل الغرب والإسلام وهم يقولون الإسلام والغرب ، فهذا سنتابعه من خلال السياق.. هاتان الكلمتان نجمع بينهما بالواو - كما قلنا - ، وهذا الجمع المفرق الموصل غير مشروع بين هاتين الكلمتين ، لأن الغرب جهة جغرافية أما الإسلام فهو دين ، فما الذي يجمع بين الجغرافيا والدين، ثم لماذا نقول: الغرب والإسلام فقط ولا نقول الشرق والمسيحية؟ أو الغرب والبوذية؟ فلماذا التقابل فقط ما بين الغرب والإسلام؟ فالغرب جهة جغرافية ، وليس هناك غرب واحد ، فالغرب هي مقولة نسبية: "كل غرب فهو غرب لشرق معين ، ولكل شرق غربه على مستوى الخريطة الأرضية جميعها".

أما الإسلام
هل نقصد به الدين؟ هل نقصد به الحضارة الإسلامية؟ أم ماذا نقصد بالإسلام ، أو على الأقل ماذا يقصد الأوروبيون بالإسلام عندما يتكلمون في إطار هذه الثنائية؟، سنحاول أن نتناول الحديث في المرجعيتين: العربية والإسلامية معنى للفظ غرب ولفظ إسلام لنقارن بين ما هو موجود ، ليس فقط في القاموس الأوروبي أو القاموس الإسلامي ، بل ما هو موجود وراء عبارات هذه القواميس أو النصوص.. مقولة حديثة .
واشار الدكتور الجابري الى ان الغرب مقولة حديثة ، في القرن السابع عشر كان الأوروبيون يسمون هذه الجهة ، جهة المشرق العربي ، مطلع الشمس ، وكانت بيروت "لبنان" هي بداية الشرق ، بداية مطلع الشمس ، لأن هناك ينتهي الغرب ، فمن هناك يبدأون ، فهو شرق جغرافي بالنسبة لهم ، فكانت التسمية حيادية نسبياً ، لأنها مطلع الشمس ، بعد ذلك تغير المصطلح فأصبحوا يسمونه الشرق ، لكن الشرق ليس الشرق في المنظور الجغرافي لكن الشرق كبلاد عجائب ، كرمز ، كحضارات ، أي كشيء يختلف عن اليونان ، وعن الرومان ، أي جغرافيا وحضارة وأيضاً تقويم إيديولوجي ، أو فكري أحياناً ، فلسفي أو غيره ، حتى بدأوا يفرقون بين الفلسفة في الغرب والفلسفة في الشرق ، مع أن هذا نوع من التعبير الحيادي ، لكن في الضمير هناك غرب وشرق. الشرق بهذا المعنى بالنسبة لهم هو بلاد العجائب أساساً ، وبلاد الغرائب ، فهي بلاد التوابل ، وبلاد الحضارة الهندية ، وبلاد الحضارة الفارسية والإسلامية والصينية ، أي أشياء غريبة جداً عن الأوروبيين ، هذا الوضع ما بين الغرب ، وهو الـ"أنا" ، وبين الشرق ، وهو الـ"آخر" هو علاقة تقابلية يحكمها مبدأ السيطرة. أنا الغرب لا أعرًّف نفسي ، ولكن أعرًّف نفسي من خلال أنني لست ذلك الشرق المملوء بالعجائب والخرافات والتوابل ..الخ ، فهنا الغرب يتعرف على نفسه من خلال الشرق كما هو في الفلسفة ، فالـ"أنا" تتعرف على نفسها من خلال الـ"آخر" ، ولكن ليس لدينا هكذا في الثقافة الإسلامية بل عند الأوروبيين ، وذلك لأن مقولة الـ"أنا" التي نستعملها الآن ، حتى مقولة الشرق والغرب في النهاية ليست في القاموس العربي ، فقط هي عبارة مترجمة ، فإذا أخذنا كتب التراث وحتى إلى ما قبل جمال الدين الأفغاني بسنوات أو عقود فلا نجد كلمات شرق وغرب بهذا التقابل ، بل نجد شرق وغرب بمعناه الجغرافي أو شيء من هذا القبيل ، لكن بعد ذلك ، بعد أن دخل التوسع الاستعماري كعنصر أساسي في الحساب ، في تحديد العلاقات ، أصبح الـ"أنا" هو أوروبا ، أي هو الغرب ، والـ"آخر" هو الشرق ، هذه المقولة: الـ"أنا" والـ"آخر" ليست مقولة عربية ، لا توجد في المرجعية العربية مقولة "أنا والآخر" بل هذه المقولة نفسها مضادة للنحو العربي ، فأنا ضمير متكلم معرفة أصلاً ، فليس من المعقول أن نضيف له "ال" التعريف ، فهو معرفة بنفسه ، وأصالته في المعرفة ، كذلك الآخر ، فالآخر في اللغة العربية ليس هو الخصم ، الآخر هو غير ما عندك ، فالآخر هنا للترتيب بالنسبة للقرب والبعد ، إذاً دخول الألف واللام على الآخر مناف للقواعد العربية.. غدت لدينا حسب تراثنا بمعنى أنه غير موجود عندنا وغير مقبول وغير مسجل في قاموسنا ، لكن بالنسبة للغرب فهذا التعريف أساسي ، وبالتالي في المقولة نفسها: "أنا والآخر" منقولة بالترجمة من الغرب.

غيرية ايجابية
واوضح اننا في الإسلام نسمي الآخر أو من يقوم مقامه في اللغة العربية ، ، لكن في الإسلام نقول "الغيرية" وهذه الصيغة كما نقول مشتقة أو مستحدثة ، والغيرية في جميع اللغات موجودة لكن في معاني مختلفة ، لكي نقترب بالمعنى أكثر نبدأ بما هو عندنا ، مثلاً عندنا في القرآن الكريم والذي هو المرجع الأساسي في اللغة وفي المعاني التي استعملت فيما بعد أو لنقل في النظام المعرفي البياني ، الغيرية في القرآن الكريم مثلاً ، بما أنه دين فهو يتحدث عن دين الآخرين ، ، اليهودية ، المجوسية ، المسيحية ، عدة آيات تستعرض هذه الأديان الثلاثة بالتساوي فكلهم متساوين في النهاية ، فهي غيرية من مغريات التساوي ، يشتركون في "من آمن بالله" فهذا الذي يجمعهم ، لكن مع التطور وقع نوع من التفريق ، فعندما دخل الإسلام للمدينة في صراع أو دخل اليهود في صراع مع الإسلام في المدينة ، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما هاجر إلى المدينة نزلت عليه الآية الكريمة: "وجادلهم بالتي هي أحسن" ، فهي خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ليجادل اليهود بالتي هي أحسن ، ويذكرهم بأننا نؤمن بالأنبياء فهذه كانت غيرية إيجابية ، غيرية تدعو إلى التعايش وإلى التعارف وإلى التضامن أيضاً.. وعندما بدأ اليهود في صراع مع الرسول ومع المسلمين كان رد الفعل بالفصل ، أن اليهود شيء ، حيث أنهم غيروا كتابهم والمسلمين شيء آخر ، ثم عندما تطور الصراع إلى صراع مسلح تقريباً مما أدى إلى هجرة اليهود من المدينة فتعاون اليهود وحاولوا اغتيال النبي ، فهذه الواقعة التاريخية أدت إلى تغير العلاقة على أساس الغيرية ، الإسلام شيء واليهود هم أبعد الناس قرابة وعندما توسعت الفتوحات العربية ووصلت إلى مؤتة ، والرومان "هرقل" شعروا بالخطر ، فأرادوا أن يهجموا هجوماً معلناً ففشل في غزوة مؤتة ، ثم عندما فتحت مكة ، ومكة كانت مركزاً تجارياً ، وهذه الطرق كانت منافسة ما بين الروم والفرس ، فقامت حرب بين الفرس والروم ، الفرس كانوا أعداء للإسلام في البداية ، فجاء القرآن ليتنبأ بنصر الروم بعد أن هزموا ، فتطورت العلاقة ما بين الأنا المسلم والآخر الدين اليهودي ، المسيحي ، المجوسي ، ثم الروماني أيضاً الذي أصبح كدولة ، تطور دائماً في إطار العلاقة التي تجيء من الآخر وليس من الأنا ، فالآنا ، وهو الإسلام موجود ولكن ليس كمركز يتحكم في العلاقة بل كرد الفعل على علاقات أخرى.. القاموس الغربي .
وقال : في القاموس الغربي شيء آخر ، القاموس الغربي منذ الفلسفة اليونانية ومنذ الرومان .دائماً يجد أن مقولة الآخر هي مقولة فلسفية مكون أساسي للأنا ، العبارة الشهيرة هو أن الأنا تتعرف على نفسها من خلال الآخر ، الأنا الأوروبي فلسفياً وحضارياً يتعرف على نفسه من خلال الآخر ، أي عندما يحدده الآخر ، أي الخصم ، عندما يحدده يكتشفه نفسه أو يحدد وضعه هو ، لا يحدد وضعه أولاً ثم يتعامل مع الآخرين كما كان الوضع عندنا في الإسلام أولاً وباقي العلاقات تتطور مع تطور الأحداث ، لا ، فالغرب ، أنا أولا ، ثم الآخر وما به يتعرف الشخص على نفسه.. سأشرح المسألة انطلاقاً من الفلسفة الحديثة ، من "ديكارت" والذي يعتبر أبا الفلسفة الحديثة ، وكيف تطور الأمر وأصبحت ال"أنا" قضية أساسية.. ديكارت فيلسوف ، لكنه فيلسوف مجدد ، ولذلك يسمى أبا الفلسفة الحديثة.. في ذلك الوقت ، في القرن السادس عشر كان هناك صراع مع الكنيسة وغيرها من الصراعات ، فديكارت أراد أن يهدم كل شيء ليعيد البناء ، فقال في كتابه "مقام في المنهج" والذي شرح فيه هذه الطريقة أنه سيتصور أنه لا شيء موجود ، ثم انتقل إلى نفسه وقال و"أنا" ، أنا هذه الجوارح فهو مستقل عن كل شيء ، إذاً جسمه تابع للمادة ، ولكن أنا لست مادة ، ما معنى أنا أو ما هو أنا؟ يفكر من يقول أنا شيء يفكر ، أنا أفكر في هذا العالم وفي هذه الطاولة فجوهري أنني شيء يفكر ، فإذا كنت أنا أفكر فإذن أنا موجود ، وأنا أفكر بأنني موجود يكون مغلقاً ، نحن نريد أن نبني عالماً ونبني معرفة في العالم ، فإذا بنا وقعنا في حلقة مفرغة ، فهنا قال "أنا شيء أفكر" لكن في ماذا أفكر؟ أنا لا أفكر في غيري ، لكن هناك في عقلي فكرة عن كائن ثان عالم فوق تفكيري وفوقي أنا وأنا أتطلع إلى أن أفهمه ، هذا الكائن الثاني لا بد أن يكون كاملاً من كل جهة ، لا يضلل الناس ولا يكذب عليهم ..الخ ، فبما أنني أفكر فيه فليس من المعقول نهائياً أن يكون هو الذي يضللني ، قد يكون هناك شيطان يضللني فهذا محتمل ، لكن بما أنه موجود .. هذا الكائن الكامل فهو يحميني حتى من هذا الشيطان ، إذن فأنا موجود ومتيقن بوجودي فلم أعد أشك في وجودي ، وضامن يقيني في وجودي هو الله ، المسمى هذا الكائن الكامل ، فهذا الكائن الذي ضمن وجودي هو الذي سيضمن أيضاً علاقتي بالعالم ، إذا بدأ يعترف بالعالم ككل من خلال داخل ضميره ، والضامن عنده هو الله الذي يضمنه. فالبداية هنا هو أنا ، الذات ، وهو أنا أفكر ، الباقي كل الآخر ، بقي ما أحتاج إليه فقط وهو هذا الإله الذي أتصوره لكي أسلك طريقاً للخروج من الدائرة ، والباقي الآخر أبنيه حسب ما أريد أو حسب مصالحي ..الخ.

السيطرة على الجميع
وبين انه ومن هنا كانت لفظة الآخر فهو موضوع وليس ذاتا ، فلفظ الآخر أو مفهوم الآخر أو مقولة الآخر بالنسبة للغرب وللفلسفة الغربية والتشكيل الغربي هو شيء به نتعرف على أنفسنا ، وعليه نمارس سيطرتنا ، فالأنا هو مبدأ سيطرة على الجميع ، وما يتم السيطرة عليه هو الآخر.. فكما ترون أن العلاقة بين الأنا والآخر عند الغرب فلسفياً هو في أعماقهم هو أنا الغالب المنتصر المستعمر الذاتي ..الخ ضد الآخر الذي هو المختلف. حتى في عصر الأنوار ، عصر فولتير ، ففلسفة الأنوار كلها قائمة على هذا الأساس ، نحن الأنوار سيشرق نورنا - الذي هو الحضارة - على العالم كله لنخرجه من ظلمات الجهل. حتى ماركس عندما قامت في أوروبا مناقشات حول استعمار الإنجليز للهند ، وكان عصر الأنوار مازالوا يرددون أفكاره ، ماركس نفسه قال: "دعهم يستعمرونهم ليخرجونهم من وحشيتهم ويلتحقون بنا وبطبقتنا العاملة" .

التعرف على الاخر
واكد ان هذه الغيرية هي غيرية ضدية ، الغيرية كما رأيناها في ثقافتنا هي غيرية إيجابية ، أما عندهم فغيرية ضدية. قد لا نحتاج الآن إلى القول أن كثيرا منا يميلون إلى الآخر ويقولون لنتعرف على الآخر ولنأخذ من الآخر ، لكن ينسون مقولة سقراط ، التي هي: "اعرف نفسك" فهذا هو شعاره ، فهذا لا يعرف نفسه ويريد أن يعرف الآخر ، لكن يجب أن يعرف نفسه ، وحينئذ سيعرف كيف يقيم علاقة معه أو كيف سيفهمه.. كذلك في المقابل من يعدم الآخر ويجعل الأنا هي كله وهذا أيضاً موقف متطرف.. ولذلك قلت لكم في البداية أن مقولة صراع الحضارات لهنتنغتون هي ، بالمناسبة عندما كتب هنتنغتون مقالته في مجلة فورين ، بعد شهرين دعيت إلى ندوة حول الموضوع وكنا حوالي 50 شخصاً ، وكان هنتنغتون حاضراً ويده مكسّورة ، وكان بجانبه (غيرنارد لويس) وأخذ يعرض علينا أفكاره ونظريته التي كتبها في شكلها الأولى ، وهي نفسها في مقاله المعروف. طبعاً المقالة كما تعرفون ، الحدود بين الشرق والغرب حدود دموية والإسلام مسؤول عنها ..الخ. أنا في تدخلي قلت له: "أنت كتبتها نصاً محبكاً كما هي النصوص الماركسية ، لكن انتهيت إلى نتيجة واحدة وهي أن على الغرب أن يحمي مصالحه لأنها مهددة".. وقلت له: "أننا نستطيع أن نتفق معك على هذه النتيجة بدون هذا التحليل كله" ، فالغرب مصالحه مهددة ، لأنه يريد للمصالح كلها تكون لديه فقط ، فقلت له: أرى أن نختصر الطريق بدون هذه الاتهامات التي تثيرها ، فالعالم الإسلامي ليس هو الذي قام بالحروب الدموية ، فلا يجب أن تنسوا الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية والحروب الأميركية ، وقلت له: على كل حال ، بدلاً من هذا النقاش والسجال والجدال أريد طرح قضية أخرى ، بدل صراع الحضارات توازن المصالح ، هذا سيفتح لنا باب الاستقبال.. وقلت له أيضاً: ماذا تريدون من الإسلام والمسلمين ، أعتقد أنكم تريدون البترول ، لكن نحن مع الأسف لا نعرف كيف نستخرجه وكيف نستعمله ، وحضارتكم تتوقف عليه ، فنحن متوقفون لكي يكون له مردود وله قيمة ونبيعه لكم ، لكي تبقى حضارتكم ، فنحن محتاجون إليه ومستفيدون منه ونتشارك ، لكن بتوازن مصالح.. عندما خرجنا ، جاءتني سيدة أميركية كانت موجودة في القاعة ، فقالت لي: أنت تتعامل جدياً مع هذا الرجل وماذا يقول.. قلت: ما أملكه عنه هو ما أسمعه. قالت: هناك ميزانية مخصصة في الكونغرس ، لكي نمررها لمجلس الشيوخ يجب إيجاد نوع من التهديد لكي تمرر ، هذا هو دور مراكز استراتيجية في الكونغرس ، قالت هذه هي الحقيقة ، فأنتم ترون أن تضخيم الآخر وهو ان المسلمين سيغزون الأرض فهذا كله صنع لآخر من أجل الذات ومن أجل الأنا لكي تبقى الأنا هي المسيطرة ، التي ستسيطر على العالم..

العصر الحديث
وقال الجابري أريد الآن الانتقال للعصر الحديث. العلاقة بين الغرب والشرق قديمة ، لكن في العصر الحديث بدأت في إطار هذا التحليل الذي قمت به مع التهييء لفتح قناة السويس ، قناة السويس هو مشروع قام به فرنسيون في فرنسا ، وهذا الفرنسي كان من جماعة أصحاب سانسيمون وسانسيمون هذا كان شخصية يحلم بغدْ تتعاون فيه الشعوب والعالم كله ، فبعض أتباعه كانوا مهندسين .. قالوا بأن مشروعهم هو قناة السويس ، وسيفتحون شقاً للجمع بين قارة هي أوروبا وجغرافيتها وتاريخها مع الغرب ومع الشرق والهند وسيكون هو صلة الوصل بين العالم ، فكان هذا المشروع الذي تحقق بعد سنوات ، فكان السانسيمونيون متحمسين ، وكان لديهم شاعر كتب شعراً بالفرنسية يقول فيه:"أنت مجال عملنا الذي سيعترف لنا العالم من خلاله بأننا فحول فعلاً. ونتحول إلى عالم جديد" فهي قصيدة فيها نوع من الشاعرية لها قيمتها. عندما قام خطيب آخر وهو قس من الكنيسة ، ألقى خطاباً لم يتحرر من التحيز الديني للمسيحية وتاريخها ، قام شاعر آخر وتكلم إيجابياً وكأنه نفى ما قاله هذا القسيس ، لكن الغرابة هو أن الأكاديمية الفرنسية ، وكانت حملة نابليون كما تعرفون أراد علماء آخرون أن يعطوا جائزة بهذه المناسبة للأكاديمية الفرنسية ، أعطتها لشاعر هاجم الشرق وتعامل معه على أساس ما . الأنا والآخر ، فتعامل معه من موقع مبدأ السيطرة ، فهو الذي نال الجائزة. وبعد هذا الوقت بسنوات برز محمد المخزومي في مصر ، وهو كاتب مذكرات جمال الدين الأفغاني ، كتب في كتابه الذي جمع فيه مقولات وكلام الأفغاني ، وكتب في النهاية "محاورة بين الشرق والغرب" في هذا الإطار ، فالغرب يمدح نفسه بالصناعة ..الخ ، والشرق يمدح نفسه بالماضي والديانات ..الخ ، .. لكن جمال الدين الأفغاني فيما بعد ، كتب مقالة ونشرها محمد المخزومي ، يحلل فيه الغرب كما هو في حقيقته ، عدواني لا يعرف إلا مصالحه ، أناني ، وجميع الأوصاف التي نعرفها ، فكتبها.. أنا كتبت في هذا الموضوع مقالة ، فختمتها بهاتين العبارتين: "الغرب ، يهديه الله" ، .."الغرب عدو الله" .. هذا موقف العرب منذ جمال الدين والمخزومي.. فبعضنا يقول: "الغرب يهديه الله" .. وبعضنا يقول:"الغرب عدو الله" .

الشريف
الدكتور الشريف عقب قائلا : كل الشكر لأستاذنا الدكتور محمد عابد الجابري على هذه الأفكار القيمة التي نثرها بين أيدينا ، وأنا متأكد أن هذه الأفكار تثير الكثير من الأسئلة وتحفز على الحوار.

الهلسة
بسام الهلسه قال نشكر الدكتور الكبير على هذه المطالعة .والمفاهيم التي أسست هذه العلاقة ، أخشى أن نكون وقعنا في قراءة الواقع قراءة واقعية ، قالوا بأن الغرب ليس واحداً وان المسلمين ليسوا واحداً وليس الإسلام ، والإسلام هو دين وحضارة وجهة جغرافية قد تكون داخلة في مكوناته مثلما أن الإسلام دخل في مكونات الغرب.. ليس ما يثير الإشكال بيننا وبين الغرب اقتباس المفاهيم بل ما يثيره صدام المصالح ، وهذا قد يثيرها في داخل الغرب نفسه وفي داخل البلدان الإسلامية كما نعرف من الواقع الحي. هناك مفاهيم ومنظورات معرفية وثقافية ، تقول أميركا عن نفسها بأنها العالم الجديد وأن أوروبا هي العالم القديم ، هذا لم يؤسس لصراع أميركي أوروبي ، وتقسيم العالم إلى قضاة وإلى مؤمنين هو الذي ادى إلى صدامنا الحالي ، قلت في ختام الكلمة أنك دعوت الى تبادل المصالح ، وهذه هي المسألة الجوهرية في الأمر ، فتبادل المصالح لن يقوم بغير توافق.

الحضارة الغربية
وقال أحد المتحدثين أريد التعليق على ما قيل حول صراع الغرب والعالم الإسلامي والصين ، في الحقيقة الصين تاريخياً لم تكن مصدرة للثقافة ولم تخرج للخارج ، وكانت حدودها سياسية وعسكرية وليست ثقافية بعكس العرب والمسلمين ، الحضارة الإسلامية صدروها إلى الصين ، ففي أحد العصور كانت الصين 12 ولاية ، 8 ولايات كان يحكمها حكام عرب مسلمون وأدخلوا الحضارة الإسلامية للصين ، حيث دخلت الحضارة الإسلامية للصين عن طريق الهند ، فالهند كانت تصدر ثقافة إلى الصين ، لكن الصين كانت عسكرياً وسياسياً تحمي المناطق قبل أن يصلها العرب والمسلمون من الهند. الناحية الثانية أن المسلمين أو العرب .. ولذلك هناك ندية وهناك سياسة وتبادل ثقافي واسع جداً في الحضارة الغربية ، فالحضارة الغربية قامت على أسس الحضارة الإسلامية ، فجامعة قرطبة هي عبارة عن نموذج للجامعات الغربية في برامجها ، لذلك أستغرب أن الصراع وسقوط قرطبة وسقوط اسطنبول أدى إلى نشوب وانتشار الاستعمار الغربي في الوطن العربي والإسلامي ، وأيضاً سقوط بغداد حالياً أعتقد أنه سيكون بداية لحرب ستستمر قروناً عديدة. الغرب وعلاقتنا معه هي علاقة مصالح وعلاقة دائماً مرتبطة بالدين ، ولذلك لا توجد حساسية بين الغرب والصين ، الحساسية بيننا وبين الغرب.
علاوي
النائب عبد الحفيظ علاوي قال : لقد أشار المحاضر إلى قضية هامة جداً وهو أنه وضع الأساس لقضية هامة وهي كيف يمكن أن نتعامل نحن الآن مع هذا الغرب ، هل يعتقد محاضرنا الكريم أننا الآن نتعامل مع الغرب ضمن هذا الوعي وهذا الفهم ، أم أننا نتعامل مع الغرب دون أن ندرك ، ونتعامل معه على أنه جيد ويريد أن يطورنا وسيخرج لنا البترول ، كما قال محاضرنا ، لأننا لا نعرف ولا نعلم حول كيفية استخراجه، لذلك أنا شاكر جداً لمحاضرنا وأعتقد أننا الآن نتعامل مع الغرب بطريقة عدم وعي وعدم معرفة ، وضروري أن تكون هذه الأسس وهذه الأفكار هي الأساس.. وقد أكد المحاضر أنه ليس هناك صراع حضارات وإنما هناك صراع للسيطرة ، وأعتقد أن هناك قضيتان ملحتان هما البترول والصهيونية العالمية.. فنريد من محاضرنا أن يكمل الحلقة ولا يقف عند عبارة "الغرب يهديه الله.. والغرب عدو لنا" فنريد أن يكمل لأن اللحظة التي نحن بها مهمة جداً حيث أننا في عصر اللقاءات والمحاضرات والندوات والمنتديات. الحموري .
الدكتور الحموري قال : أنا من الذين يعتقدون أنه عندما بدأ الإنحدار في المشرق قام المغرب ، في الماضي في الأندلس ، والمغرب العربي بدوره في النهوض ، وفي الوقت الحاضر تتكرر التجربة ، وأنت من قادة أهل الفكر في المغرب العربي ، وأقصد به الشمول الذي في الوقت الحاضر يحاول إعادة ما فات ثم يبحث عن رأب الصدع. المحاضرة عنوانها أنا والآخر.. لا أريد التحدث عن الآخر ، لأنني إن قارنت بيني وبين الآخر وجدت بوناً شاسعاً بيني وبينه ، فأريد أن أتحدث عن "الأنا" لماذا أنا بهذا الحال وهو بهذا الحال.. جوابي أن لديهم خلال القرنين الأخيرين الحرية التي أدت إلى أن يحققوا قفزات إلى الأمام أضعاف ما تحقق في التاريخ الماضي كله ، وخلال قرنين ، أما أنا ففي ظل غياب الحرية عندي جمدت مكاني وأصبحت محكوماً بمقولات قديمة ، قيدت عقل من كانوا في الماضي واستمرت إلى قرون من الزمن وأعاني من آثارها الآن.
د. الجابري: كما استمعت من التعليقات ، فسأحاول أن أشرح وجهة نظري التي لا تختلف ولا تبتعد كثيراً على ما قيل إنما بعض البيانات فقط.. عندما دعوت هنتنغتون إلى أن ننطلق إلى مقولة توازن المصالح وليس صراع الحضارات ، تعرفون بأنني ضعيف ، أنا عربي ضعيف والعرب ضعفاء ، فمن أنا ، أنا الذي كنت أتكلم ، فنحن متخلفون ونحن الذين لا نملك السلاح ونحن الذين تضطهدنا في عقر دارنا إسرائيل ، ونحن الذين تضربنا أميركا في العراق وفي كل مكان ، فنحن الضعفاء.. من واجبنا أن نغير وضعنا ليكون هناك تساو في ميزان القوى ، لكن مادام هذا الوضع ليس على طريق التحقيق الآن ، ففي إطار الجدال الكلامي والاعتراف بالواقع للاستعداد من أجل تغييره أن نطلب توازن المصالح لأن الأميركان والغرب عندما يتكلمون معنا يخاطبوننا حتى بخبث ، ويستعملون المنطق ، فلذلك كانت حجتي ضده هو ، فكنت أريد أن أحرجه بمنهجه ، لكن أن أقول: "ألا لا يجهلن أحد علينا : فنجهل فوق جهل الجاهلينا" فأنا على كل حال أتمنى أن يحفظنا الله من الجهل الذي هو ضد العلم ، ومن الجهل الذي هو ضد المنطق وضد السلامة والسلام. بالنسبة للموضوع الثاني وهو الصين ، فعندما كتب هنتنغتون مقالته جعل صراع الحضارات بين الغرب والإسلام والكونفيشوسية . ، ركزوا الآن على الإسلام ، لأن لديهم درجات ، فالدرجة الأولى الذي اتهموه هو الإسلام ، أما الصين فهي حاضرة لديهم كآخر يحاول أن يقوم بعمل نوع من توازن القوى وهو الآن يحسب له حسابه كقوة تناطح الغرب بالسلام وبالنمو الاقتصادي فهم مذعورون من هذه القوة ، لكن ذلك مؤجل الان ، فهم لم يلغوها إنما وضعوها بين قوسين إلى حين.. وبالنسبة لما تم قوله بأن الصين لم تقدم إلى العالم الثقافة وكانت منغلقة على نفسها ، فهذه المقولة لا أتفق معها ، لأنني أتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: "اطلبوا العلم ولو في الصين" فمنذ 15 قرناً كان شائعاً عند البدو وعند البادية وفي مكة والمدينة أن الصين محل العلم ، فهذا ليس حلماً بل كان أصداء وواقعا من التاريخ تصلهم ، ولذلك هذه شهادة تاريخية ولو أنها في إطار معين ، فالرسول لم يقل اطلبوا العلم في أوروبا أو في روما إنما في الصين لأن العلم في الصين كان مقترناً بالمعرفة والحكمة ، وهذا شيء معروف.
تاريخ قرطبة
وقال : اما بالنسبة لقضية تاريخ قرطبة وبغداد ..الخ فهي أمور صعبة ، ومن أصعب الأمور لأنها حوادث تاريخية ، كثير منها يوصف منهجياً لأنها تنآى عن التحديد ، فلا تستطيع تحديدها في معادلة واحدة ، فمثلها مثل الأمطار ، فأحياناً نسمع في الإذاعة أنه في اليوم التالي سيكون الجو ماطراً وإذا به في اليوم التالي تكون الريح فقط لأن المعطيات هذه قد تحدث ريحا فقط ، فتغير مسار السحاب وبالتالي يتغير كل شيء ، فهذه الأمور بهذا الشكل لا تقبل التحديد النهائي.. بالنسبة لقرطبة فهي نسخة من دمشق وبغداد ، فقرطبة والأندلس وعلومها كلها كانت راجعة ومدينة لسياسة الناصر الأموي في الأندلس الذي أتى لهناك من مصر واشتروا الكتب بالملايين ، فنحن من الخليج للمحيط فضاء حضاري واحد فالعلوم تنتقل.. التعامل مع الغرب ، أنا قلت إشارة أننا نريد أن نعرف الغرب أو نعادي الغرب أو نحب الغرب قبل أن نعرف أنفسنا ، في حين أن الغرب لم يبني معرفته لنا من فراغ ، المستشرقون والبعثات التبشيرية والحروب الصليبية ، فهو يجمع معلومات عنا ، كذلك أميركا ، المعلومات التي تجمعها عنا في أقسام الدراسات الشرقية ، واليوم هنالك مراكز للبحوث عندنا فنحن نبحث لهم وهم لا يحتاجون للبحث في بلادهم ، فهم يبحثون ويراقبون المعارف عنا ولذلك فهم يعرفوننا لكن نحن لا نعرفهم ، فقليل منا من يعرف ثقافة الغرب ، فإما أن نذهب إلى الغرب لنزداد إعجاباً به ، وإما أن نكتسب عداوة له لتصرفه ضدنا وضد المهاجرين العرب والمسلمين ، لكن قبل هذا يجب أن نعرف أنفسنا. تحدثتم عن الغرب والتقدم الغربي ، لكن المبالغة في هذا المجال ناتجة عن جهلنا لأنفسنا ، إذا عرفتم أنه في الوقت الذي كانت به النهضة الأوروبية في القرن الثاني عشر تبدأ ، كيف كان المثقفون الأوروبيون يتصورون العالم ، أكثر مما يتصور ويعجب العرب والمسلمون الآن بالغرب ، فالجبة التي تلبس في قاعات المحاكم أخذوها من عندنا وهي تعني العلم والمعرفة والوقار ، فيهم من كتب أنه: "إذا كانت لدي فكرة وأردت أن أنشرها بين بني قومي فيجب أن أنسبها للعرب لكي يأخذوا بها ويهتموا بها ، أما إذا قلت أنها لي فلا أحد يهتم بها".. وكتب إنجليزي آخر يستنكر ويقول: "نحن في بلادنا نعيش في الضيق ونحارب إلى درجة أننا نفكر أن نذهب إلى بلاد عدو الصليب لنعيش هناك بجزية مرتاحين وغير مضايقين ولا مقموعين ..." فهذه الأمور عندما نقرؤها في التاريخ ، إعجابنا بالغرب اليوم ومنذ القرن التاسع عشر هو أقل كثيراً من إعجاب الغرب بالعرب أيضاً في وقتهم عندما انتقلت الحضارة إليهم ، لأن عملية انتقال الحضارة من الغالب إلى المغلوب أو بالعكس هي عملية تحيط بها وتصاحبها تصورات وتخيلات ، فنحن أيضاً صورتنا عن الغرب هي مبنية على أحلام وتصورات من عندنا غير خاضعة للنقد ، ولذلك عندما يقال بأن لديهم الحرية ونحن لا توجد لدينا الحرية ، فأقول بأن الحرية لا تعطى بل تكتسب وتنتزع ، قل هم انتزعوا حريتهم ونحن جالسون في منازلنا ، هذا هو الصحيح ، لأن ضحايا الحرية في أوروبا يبلغون من العدد ومن التنوع مالا يبلغه ما هو عندنا ولا كان عندنا ، الحرية تنتزع ، فإذا لم تكن لدينا حرية فلا معنى لأن نشتكي لفقدانها لأنها منتزعة.

درويش
غيداء درويش قالت : أقف احتراماً لعقلك الذي يغني العقل العربي ويوغل فيه ، وعرف نفسه كما دعا سقراط لذلك ، لذلك أباح لنفسه معرفة الآخر.. الآخر عرفنا كما تفضلت أكثر مما عرفنا أنفسنا ، ونحن لم نعرف أنفسنا ولم نعرف الآخر مع الأسف ، لذلك تضخمت الأنا عنده لأنه يملك مصادر القوى ، قوة معرفتنا ، وإن كان الشك الأنا عندنا لأسباب كلنا يعرفها ، وأولها طمع الآخر فينا ، ألا ترى معي أن توازن المصالح أعقد كثيراً من صراع الحضارات، والأنا عندنا نحن تكاد تزول في الآخر ، على رأي الشاعر الذي قال: "أبناء عمي من نزار ويعرب ليسوا بأعراب ولا أعجام.. يترصدون الغرب حتى يوشكوا أن يعبدوه عبادة الأصنام".
احدى المشاركات قالت : بعد حديثك مع هنتنغتون وانك اخذته على محمل الجدية وكل المراكز الاستراتيجية هي من أجل أن تبرر ما يريده الكونغرس ولجانه فهو القوى المتنفذة في الولايات المتحدة الأميركية ، وهذا يعيدنا مرة أخرى ، هل ابتدأت أن تؤمن في قضية المؤامرة ووجودها ، أو على الأقل ، على صعيد أن هناك تخطيطاً متواليا لتثبيت هذه العملية وبالتالي كيف يمكن وهذا التخطيط المستمر والدائم من الغرب والذي لدينا شواهد كثيرة عليه والذي تمتليء الوثائق به على هذه المؤامرات أولاً وأخيراً ، كيف يمكن فقط أن تنتظر حتى نعرف أنفسنا مع أن معرفة أنفسنا قضية مهمة لكن يجب أن يكون هناك بدء فلا يمكن الانتظار حتى يكون هناك بدء لمعرفة أنفسنا ثم نبتدىء للتحرك ، فهناك عملية ديلاكتيكية ويجب أن يكون التحرك متواجدا.. وحول قضية الحرية ، الآن وبعد أحداث 11 سبتمبر ، كنا نتحدث عن ديكتاتورية الآخر عندما يكون خارج بلاده ، لكن ما وجدناه عن الحريات والديمقراطيات التي نصف بها الغرب أنه بعد 11 سبتمبر تغيرت كلياً وأصبحت القوانين السائدة في الولايات المتحدة والتعامل بها هي أقسى من أي قوانين ديكتاتورية في الشرق.

المؤامرة
وقال الدكتور الجابري : هناك كلمة أريد توضيحها ، وهي ما نسميه بـ"المؤامرة" ، قضية استراتيجية وتخطيط كما قلت ، ولكن لماذا لا نقول استراتيجية ونقول مؤامرة، المؤامرة شيء لا يحتاج إلى شرح أو فهم ، أما إذا قلت استراتيجية فمفهومها أنه يجب أن ندرسها ونطلبها ونفهمها ونقيم بدلاً عنها استراتيجية أخرى ، ولذلك فالذين يستعملون المؤامرة يجب أن يفقهوا أنهم يستعملون مفهوماً غامضاً يزيد الضبابة في العلوم والرؤيا ، فهؤلاء الناس يخططون ليل نهار ، يقرؤن العربية الآن في كل مكان ، فيقرؤن العربية ويتعلمونها في أميركا لماذا؟ لكي يقوموا بعمل استراتيجية ، والآن هناك أجهزة للترجمة الفورية من اللهجة العراقية إلى اللغة الإنجليزية يحملها الجندي الأميركي معه ويتكلم مع العراقي وتترجم فورياً ، فهذه ليست مؤامرة ، لكنها استراتيجية.. إذا سمح لي أن أطلب شيئاً فهو أن نقصي عنا مثل هذه المفاهيم التي تريح الناس..
وفي الختام قدم د. نبيل الشريف الشكر للمفكر العربي الكبير وقال : باسمكم جميعاً أشكر أستاذنا الكبير الدكتور محمد عابد الجابري على هذه المحاضرة القيمة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش