الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قصتان قصيرتان جداً

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:46 مـساءً
زهير بهنام بردى *

النداء
إلى الفنان الفوتوغرافي العراقي الرائد فؤاد شاكر

بين كومة صغيرة للقمامة ومجرى الماء الأسن، توزعت مقلتاه الذاهلتان من إثر السقطة المفاجئة نحو جسده المتقوض الآذن بالرحيل إلى الآفاق المغمورة بالضياء، وتجسدت في وهلة عاصفة أدركتها كينونته وتشربت بها أعطافه، الحقيقة التي تبدت معلنة عن أن النقطة القابلة الرابضة في آخر السفر صارت بمرأى العين بعيداً عن الهاجس المضني بأن سفينة الرحلة الطويلة قد أدركت المبتغى، وها هو الآن يتوقل سحابة قشيبة وبصيرته تمعن البصر في نورس تدمع عيناه، وانتفاضة موجة حبلى بقرش خائب أفرى الجوع والتجوال الخائب أحشاءه، وهو فوق طيته الأبنوسية فوق المويجات المائسة في رحلته اليولسيوسية يحاول أن يمد مجاذيف روحه المحلقة من حناياه الى اسفل ثديه الأيسر حيث كاميرته الأثيرة لاقتناص هذه اللحظة التفاعلية المفترضة في شاشة ذائقته، وفي باله أن يماهي بين هذا المشهد، ويطعمه بشمس طفلة ضجيجة بالكركرة وسماء لازوردية، ومنار بعيد يصيء بنبض جنين يغادر أحشاء شمس فتية نحو أخرى عاصرة هاصرة، وتناهت إليه أصوات كالهوام.
- ما به؟
وصوت أنثوي راجف.
- اتصلوا بالإسعاف.
وثالث أجش عليم.
- تبدو إحتشاءاً في عضلة القلب؟
فتعزز يقينه أن رحلته مؤكدة، وأن جسده الذي تنرفن مع مدينته الحبيبة التي عشقها حد التماهي بمنائرها وشوارعها وحواريها وشناشيلها وأسواقها وفاختاتها ونخيلها، وكذلك سوق يصطخب بموسيقى تتآصر فيها السواعد السمر المعروقة والوجوه المشدودة والصفافير التي تتشكل وفق الرؤى الساعية لتشكيل معالم المدينة الأصيلة الأثيلة، وما عليه الآن سوى البصبصة بعيني عدسة ماهيته الممسوسة بالتقاط كل ما يواشج الحياة ببهائها وسرمديتها، وأن يصالبها في شاشة محجريه الكاويتين بجوهر السحر، وأن في حشيته، وهي أيضاً تلملم ما هو نفيس لعبور البحر اللجب صحبة الملاح الرافديني الصامت بعينيه الصقريتين، كي ترافق ذلك الجسور الذي قطع السهوب والهضاب والجبال بحثاً عن عشبة التسرمد، وها هي ذا توشك على اليقين، إن الذراعين المتعبتين لذلك الجسد العتيق المكدود، بشراعه الذي يقاوم بصلادة عواء العاصفة التي لا تذر ولا ترحم ولا تبقي،.... ويخلع الكاميرا عن رقبته، وبتعاشق لا معقول وتموسق فيزيقي، وعين الكاميرا البلورية تعانق عين باصرته المتجلية. وأمام ذهول وحيرة المارة المتقاطرين على الرصيف، توالدت الصور من الجسد الممدد متصاحبة من حشرجة انبثت من فمه شبيه بدفقات صرخات إمراة تطلق بكرها، فأبصر المتجمهرون والذهول خيمة من دهشة نادرة وهم يعاينون صور مدينتهم الحبيبة، مدينتهم المعشوقة، المدينة الحلم، وهي تتوالد من رحم باصرته بصوبيها الحانيين كأم رؤوم على نهرها السرمدي، بكل تفاصيل الحياة الدافقة المائرة في شوارعها وساحاتها وتماثيلها وسوق كتبها العتيد ، في أبهى صورة وأنقى بهاء، والبسمة تتسع على محيا الوجه التعب الشائخ، والتغضنات بدأت تتلاشى فاسحة المجال للبشرة الحيية الشابة، والشعر المنسرح الشائب المتحول إلى ليل صافٍ، وتدريجياً، والمارة مذهولين ما زالوا، ارتدى الجسد الصافن ثياب اليفاعة، بهيئة مدينة متحولة إلى فتاة ساحرة المحيا، يتقطر الطهر من نواهلها وهي تحمله بين راحتيها راكناً رأسه بدعة طفل رضيع ينشد الأمان بين حناياها، فارتخت عيناه، يتسقط نبض قلبها فاحتضن كاميرته و... نام.
الاسم
إلى/ اسمي
لن يتنازل عن بدهية لقنتها له قامة عضلة جهمة صارمة، ذات صباح كانوني يثوي الزمهرير صلمتيَ أذنيه، وصفير حاد يصّم، بل يقدّد صيوانيه الصلدين المنتصبين كجرد مذعور، ويجعلهما تصطليان ببخار نبرة تخرج من فم يجلده شاربان كثان كأنهما جناحي عاصفة....
- يجب أن تكون في مستوى اسمك الذي أورثته لك أباً عن جد، عن سلف قح....
وحملت القامة بقايا وجودها المهذب وغيبتها غيمة من سنين عجاف، ومنذ ذاك... حرص، والجوع رديفه أينما حل، وإينما ارتحل، والعوز توأمه في رحلة تباري الشهور والسنين وهدفها العقود، والعضل فيه ينمحي، والسواد فيه يمهره بياض زاحف، وهو يحرص أن يكون في مستوى اسمه، وشلوه الذي حملته له القامة الغائبة ينتقل من فص دماغه الأيمن إلى الأيسر، والنداء والمعنى يقضقضان حواسه حتى باتت خلاياه تردد.
- اسمك يا بني، معناه فرخ العقاب، وللعقاب سمتان... أولاهما أنه لا يأكل الجيف، وثانيهما أنه لا يأتي الأعداء من الظهر.
وأورثته البدهية، بل تلبسته ووسمته ببصمتها، فمستقيم مضيء متشكل من نقطتين أكثر إضاءة، خاض غمار قطعه خلال رحلة فاربت الستة عقود، أورثته الأسمال والأوضار والسقم، وهزأت به شامتة العشرات من الفرص التي يقتنصها أي كائن لا يتوشحه اسم شريف، ولا سمة نبيلة، ولكنه، وإن تراءى له الشارب والأسنان البيض والعيون المتوهجة، وهو يحذره، فانه انمهر بالطبيعة التي جعلت اسمه يتردد بين الألسنة بتوقير واعجاب واعتزاز، ولكنه، وهو في وحدته وعزلته، لا يقدر أن يوازن المعادلة، فأنى ما حاول، تظهر له معضلات تجعله يشبه حالته، ونسج السنين يلف أنفاسه بطوق من خيط فولاذي يجعله مصلوباً على خشبة مئات الآلاف من الثواني التي تهتف، ربما بشماتة، باسمٍ شريفٍ نبيلٍ أصيلٍ، لا يأكل الجيف، ولا يأتي الأعداء من الظهر.......
* أديب من العراق
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش