الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عــن مـبــادرة «النقــاط العـشــــر»

عريب الرنتاوي

السبت 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 2997
تكاد مفاعيل مبادرة النقاط العشر التي أطلقتها حركة الجهاد الإسلامي أن تتبدد، لم نعد نقرأ تعليقات أو تعقيبات على المبادرة، ولم نعد نسمع عن تحركات فلسطينية داخلية تسعى في نقلها إلى حيّز التنفيذ، مع أنه لم يمض سوى أسبوعين على إطلاقها، وهي التي لقيت ترحيباً واسعاً من أوساط وفصائل فلسطينية عديدة، وقابلتها حركة فتح بكثير من التحفظ والفتور.
سبب هذا التراجع السريع في الاهتمام بالمبادرة، يعود إلى المبادرة ذاتها، فهي من جهة، مجموعة من الأفكار والعناوين التي تصلح مدخلاً لنقاش عام، ولا يمكن وصفها بالمبادرة التي تتوفر على الآليات والخطوات والإجراءات التي تجعلها قابلة للتنفيذ ... ثم أن هذه “المبادرة/ الأفكار”، تعني انقلاباً في المشهد الفلسطيني، مع أن كافة المؤشرات، تدفع على الاعتقاد، بأن الفلسطينيين، أو بالأحرى، القوى المتنفذة بصناعة قرارهم، ليسوا جاهزين بعد، للإقدام على تنفيذ انقلاب بهذا الحجم، وربما لن يكونوا كذلك في المستقبل القريب.
كافة المضامين التي انطوت عليها “النقاط العشر” هي موضع جدل وحوار في الأوساط الفلسطينية، وربما في حوار مغلق، محكوم بـ “قواعد تشاتم هاوس”، لن تسمع من أي مسؤول فلسطيني ما يناقض مضامين المبادرة، فمرحلة أوسلو انتهت منذ زمن طويل، والاتفاق الميت، ينتظر من يهيل عليه التراب من الفلسطينيين، بعد أن أثخنته إسرائيل بحكوماتها المتعاقبة، انتهاكاً وتجاوزاً وتدميراً.
ولا أحسب أن أي من الفلسطينيين، لا تسكنه القناعة بأن المرحلة التي يمر بها كفاحهم هي شيء آخر، غير مرحلة التحرر الوطني، إذ حتى الذين راهنوا على بناء الدولة “تحت جلد الاحتلال”، سقطت رهاناتهم، ويكادوا يخرجون من مسرح العمل السياسي، الأمر كذلك ينطبق على فشل خيار “المفاوضات حياة” وتآكل حل الدولتين.
وغالبية الفلسطينيين في الوطن المحتل والمحاصر والشتات، يدركون أتم الإدراك، أن لمرحلة التحرر الوطني، مستلزماتها ومندرجاتها، وفي طليعتها التوافق على برنامج وطني جامع وإنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي، واستئناف المقاومة بالأشكال والأدوات التي تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده على أرضه وتكسبه المزيد من الأصدقاء والحلفاء في العالم، وملاحقة إسرائيل قضائياً وحقوقياً ومطارتها دبلوماسياً وإعلامياً، فضلاً عن تشديد حملات المقاطعة ووقف مظاهر التطبيع معها.
في المبادرة بندان إشكاليان ... الأول ويتعلق بالموقف من اتفاق أوسلو، الذي تبدأ المبادرة بدعوة الرئيس الفلسطيني لاعتباره لاغياً، والثاني الموقف من المبادرة العربية ... لن تستطيع السلطة، ما لم تقرر حل نفسها والبحث عن أشكال جديدة لتدبير الشأن الفلسطيني المحلي، تحت الاحتلال، أن تقدم على خطوة من هذا النوع، وبهذا المعنى، فإن الاتفاق حول “مستقبل السلطة” وطبيعة وظائفها، والبدائل المحتملة لها، هي شرط مسبق للقبول والتوافق على البند الأول في مبادرة النقاط العشر... حول هذا النقطة بالذات تصمت المبادرة ولا تأتي بتصور بديل واضح.
إسرائيل في المقابل، لم تبق من أوسلو حجراً على حجر، وضربت به عرض الحائط بالكامل، من دون أن تقدم رسمياً على التنصل من الاتفاق أو إنهائه رسمياً حتى الآن، مع أن تصريحات كثيرة، لمسؤولين إسرائيليين كثر، تحدثت بذلك ... بقليل من “الثقة المتبادلة” بين الفلسطينيين، يمكن التوافق على عملية انسحاب تدريجي منظم من أوسلو وموجباته، من دون “التورط” في مواجهة، لا مع إسرائيل، فهي حاصلة كل يوم، بل مع المجتمع الدولي، الذي سينظر للجانب الفلسطيني بوصفه المسؤول عن خراب عملية السلام وانهيارها، رغم أن القاصي والداني يدرك، أن إسرائيل هي من أجهزت على مسار أوسلو ومجمل ما بات يُعرف بـ “عملية السلام”.
ولأن الثقة بين الفلسطينيين معدومة بالكاملة، بل أن بعض الفلسطينيين يثق بالإسرائيليين أكثر من ثقته بأشقائه، فلا نتوقع أن تكون “استراتيجية” من هذا النوع، موضع توافق بين الفلسطينيين، الذين يشتركون في القول بأن أوسلو استنفذ أغراضه، بيد أنهم يختلفون حول كيفية التعامل مع التزاماته وآلياته، وتحديداً ما اتصل منها بـ “التنسيق الأمني”، والأهم يختلفون حول “الاستراتيجية البديلة” أو “الخطة ب”.
والشيء ذاته، ينطبق على مبادرة السلام العربية التي أقرت في العام 2002 في بيروت، وظلت منذ ذلك التاريخ، تتنقل كالجثة الهامدة من عاصمة إلى أخرى ومن قمة إلى أخرى ... لا أحد لديه وهماً بأن هذه المبادرة ما زالت مدرجة على جدول أعمال العالم، وإسرائيل من قبل ومن بعد هي من أحبط مرامي المبادرة وأهدافها، من دون رفضها تماماً وكلية، بل وأحياناً تحت ستار كثيف من التصريحات الخادعة، التي تعظم الجوانب الإيجابية في المبادرة ... والمؤكد أن الفلسطينيين الذين خبروا بالملموس، الأداء العربي الهزيل أحياناً،في صراعهم مع الاحتلال، لا يحتفظون بأية أوهام حول هذه المبادرة.
ومع ذلك، وبفرض أن الجانب الفلسطيني قرر قيادة حملة لإقناع الدول العربية بسحب المبادرة من التداول، فما الذي سيضير إسرائيل؟ ... وكم من الدول العربية سيستجيب لهذا المسعى، وأية معارك سيخوضها الجانب الفلسطيني مع الدول الراعية لهذه المبادرة وصاحبة ملكيتها الفكرية، وهل من المناسب الدخول في معارك غير ضرورية تزيد من عزلة الجانب الفلسطيني، أم أن التكتيك الأسلم، يقتضي ترك هذه الجيفة للتعفن بالتقادم؟
في ظني أن لا خلاف حول كثيرٍ مضامين المبادرة التي أطلقتها حركة الجهاد الإسلامي، وإنما الخلاف يكمن في الخشية من تسببها في فتح معارك وجبهات جديدة على الجانب الفلسطيني، هو في أمس الحاجة لتفاديها ... وأحسب أن طريق الفلسطينيين لشق صفحة جديدة في مسار تحررهم الوطني، يملي عليهم، التفكير بالخيارات والبدائل وشتى الاحتمالات، قبل القيام بأية قفزات، ومن دون تحضير مسبق لشبكات الأمان.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش