الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قبل أن يفوت الأوان

تم نشره في الأحد 21 آذار / مارس 2010. 02:00 مـساءً
قبل أن يفوت الأوان

 

الدستور - وسام عبد الله

مع كل إطلالة ربيع يهل علينا هذا اليوم.

يسعدنا أحيانا ، لكنه غالبا ما يثير فينا الأسى...

أذكر يوم كنا صغارا وسمعنا للمرة الأولى بشيء يسمى عيد الأم.

أذكر الهدية الأولى لأمي ، التي جمعنا ثمنها أنا وشقيقتي بصعوبة ، في ظل مصروف هزيل لا يزيد على قروش كانت أمي تحصل عليها بشق النفس. يومها ، للحظة التمعت عيناها بنظرة فرح ، قبل أن نتلقى شيئا من التأنيب على تبذير المال لنحضر هدية لها... فقد رأت أن هناك ما هو أهم من هدية في عيد الأم ، الذي كان برأيها "اختراعا" لا تدري من أين جئنا به.

قوية كانت تلك المرأة،

تعالت على حزنها يوم فقدت زوجها ، وقد تركها أرملة شابة وسبعة أطفال أكبرهم مراهق لم تنبت ذقنه بعد ، واحتضنت الصغار.

كبرنا... واحدا تلو الآخر غادرنا البيت ، وظلت قوية وهي ترانا نغادر. تودعنا وتدعو الله أن يسعدنا.

قوية ظلت تلك المرأة وهي تدفن أصغر أبنائها شابا في مطلع العشرين من عمره.

غابت منذ سنوات قليلة ، لكن غيابها يجعلني أستحضرها أكثر فأكثر ، استعيد لفتات صغيرة لها بدت لي في وقتها شيئا لا لزوم له وأفعل ما كانت تفعله.

أشعر أن تلك المرأة القوية في داخلي ، تلك المرأة التي ترفض أن تنكسر ، هي بشكل أو بآخر نتاج تلك الأم. أكتشف اليوم أنني أحمل الكثير من سماتها ، وأن أكثر ما أعتز به في قرارة نفسي هو تلك الصفات التي كثيرا ما أغاظتني فيها.

قوية ظلت تلك المرأة،

لكن هذه القوة كانت تخفي في باطنها امرأة مرحة محبة للحياة رغم كل معاناتها. أمكن لها ، رغم كل ظروفها الصعبة أن تستنبط لنا وسائل للترفيه عن نفسها وعنا. ما زلت أذكر صوتها الشجي يصدح في جلسات سمر تعيد فيها على مسامعنا الأغاني الشعبية القديمة ، وتنهي الوصلة الغنائية بلعنة ، فيها الكثير من خفة الظل ، للظروف التي لم تساعدها لتكون مطربة مشهورة.

ربما لم تكن أمي نموذجا فريدا من الأمهات ، فهناك الكثير مثلها في فلسطين والعراق وأماكن أخرى ، أمهات تمضي بهن الحياة دون أن يشعر بهن أحد.

اليوم ، كبرنا وكبر أولادنا... واستقلوا بحياتهم كما فعلنا.

في زيارته الأخيرة لي ، وعلى ورقة ما زالت معلقة في مكانها منذ ما يقارب العام ، رسم ابني قبيل مغادرته قلبا وكتب بداخله "ماما" وإلى جانبه كلمتان "حبيبتي دايما".

هذا الصباح ، نظرت إلى ذلك القلب وتمنيت لو أنها هنا لأقول لها تلك العبارة الصغيرة. تمنيت لو أن كل واحد منا يقولها قبل أن يفوت الأوان.





التاريخ : 21-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش