الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الوعي والخطاب

عبد الحميد المجالي

الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 107
ثمة تساؤل لايغيب عن البال ، ولعله فرض نفسه في السنوات الاخيرة رغم حضوره منذ عقود ..لماذا يعيش العالم العربي حالة من الاضطراب السياسي والاجتماعي ، اكثر من غيره في عالم اليوم ؟ لماذا استقرت معظم دول العالم بعد استقلالها ، وباشرت مسيرتها للحاق بالدول المتحضرة ، واستطاع بعضها دخول عصر الحداثة ، ومنها من تجاوز ذلك الى ما بعد الحداثة ، في حين لايزال العالم العربي بدوله المتعددة يبحث عن خياراته تائها بين العديد منها ، رغم ثلاثة ارباع القرن من سنوات ما بعد الاستقلال ؟
هذه الاسئلة أكبر من أن يجاب عليها في مقال . غير ان هناك جزئية صغيرة لابد من عزلها عن الاجابة الكبرى ، تتعلق بوعي المواطن العربي ، وبالخطاب الرسمي في كل او معظم دول العالم العربي ، دون ان نخص بالحديث شعبا او دولة بعينها .
لقد طرات تحولات جديدة على مشهد الاجتماع الوطني السياسي والثقافي في العالم العربي، وخصوصا في العقدين الاخيرين ،كان لها الاثر الاكبر في تشكيل وعي جديد للمواطن العربي ، وجاءت هذه التحولات نتيجة عدة عوامل اثنان منها هما الاهم :
الاول : انتشار التعليم على نطاق واسع بغض النظر عن نوعية هذا التعليم ومخرجاته .
الثاني : الثورة الاعلامية المعاصرة وتاثيرها على تنمية الوعي لدى معظم فئات المجتمع ، وخاصة بعد انتشار البث الفضائي ووسائل التواصل الاجتماعي ، الذين كسرا احتكار الدولة لوسائل الاعلام ، ومانتج عن ذلك من تنام لوعي الناس حول ما يجري في العالم ، وحول حقوقهم السياسية كمواطنين ، مما ادى الى انخراطهم في الشأن العام اكثر من اي وقت مضى ، وما أقتضي ذلك من اجراء المقارنات بين طبيعة النظام السياسي وممارساته في دولهم، وبين نظيره في دول ما بعد الحداثة .
وقد طرحت هذه التحولات حقائق اجتماعية جديدة على كافة الصعد ، وكل من هذه الحقائق تولدت عنها مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية مشروعة كانت قد تحصلت عليها الكثير من شعوب العالم، سواء تلك التي تنتمي لدول متحضرة ، او تلك التي اقل تحضرا، لكنها غابت عن واقع الشعوب العربية ،وبقيت بالنسبة لها على قائمة التمنيات .
ورغم تطور الوعي الجماهيري بفعل هذه العوامل وغيرها ، الا ان الخطاب الرسمي الموجه لهذه الجماهير ظل محتفظا باسسه وطريقته وباللغة نفسها كما كان في عقد الخمسينيات او الستينيات من القرن الماضي ، مع بعض التغييرات الفنية والشكلية وليست الجوهرية ، وكأن أجيالا جديدة لم تنشأ خلال العقود الاخيرة بوعي جديد ، او كأن النسيج الاجتماعي لم يطرأ عليه اي تغيير .
وقد ساهم جمود الخطاب او تخلفه في ازمة النظام السياسي العربي ، وكان سببا من اسباب الانتفاضات او الثورات التي جرت في العالم العربي خلال السنوات الاخيرة وسميت بالربيع العربي .
وحتى اولئك الذين وصلوا الى السلطة بعد هذا الربيع ، لم يتنبهوا الى ضرورة تغيير لغة الخطاب وطريقة ادائه، سواء لجهة الحديث عن شرعية الحكم ، او لتبرير تراجع التنمية الاجتماعية والاقتصادية ونواقص الديمقراطية، وهو امر ينطبق ايضا على الدول التي تاثرت بالربيع العربي ، اذ لم تخضع هذه الدول مسألة تغيير الخطاب للتفكير والدراسة ، بقصد الاستفادة من العبر والدروس ، التي ادت لتلك التظاهرات او الاضطرابات ، وخصوصا الشعارات التي رفعت خلالها ودلالاتها الحاضرة والمستقبلية .
ولهذا ظل الخطاب السياسي وممارسات الانظمة السياسية كماهي ، مما ساهم ويساهم في اتساع الفجوة بين الانظمة وشعوبها ، اي بين المشهد السياسي العربي والحقائق الاجتماعية والثقافية القائمة بفعل التحولات في الوعي . وقد يكون ذلك سببا من اسباب دخول دول العالم العربي في مرحلة اخرى من الاضطرابات التي قد تأخذ مسميات مختلفة لكنها ستؤدي الى نتائج واحدة .
لقد غاب التحديث الشامل عن العالم العربي منذ عهد استقلال الدولة الوطنية ، ولم تتحرك هذه الدولة باستراتيجيات ثابتة لاحداث تحولات سياسية واقتصادية تحاكي العصر، رغم التطور الذي طرأ على وعي شعوبها ، وهو ما يطرح اسئلة اخرى حول مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في الوطن العربي ودوله القائمة .
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش