الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشقران ونصير يدرسان جماليات اللغة والمقامة الرملية لهاشم غرايبة

تم نشره في الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 09:51 مـساءً
إربد - الدستور - عمر أبوالهيجاء
استضاف فرع رابطة الكتاب الأردنيين في إربد، الروائي والقاص هاشم غرايبة، في أمسية قصصية بمشاركة الناقدة الدكتورة نهلة الشقران، أدارها وشارك فيها الشاعر والناقد المهندس مهدي نصير، وسط حضور كبير من المثقفين والمهتمين في المحافظة.
واستهلت الناقدة د. الشقران الأمسية بتقديم دراسة نقدية حملت عنوان:»جماليات اللغة عند هاشم غرايبة»، قالت فيها:الخطاب اللغوي لم يأتِ من فراغ ولا يخصّ ذاتاً مفردة ينبثق منها، وإنّما يتشكّل في إطار واسع تجتمع فيه أنماط كثيرة من بنى ثقافية، ونفسية، واجتماعية، ومعرفيّة، فهو ميدان واحد، يشكّله كل مبدع كما يشاء، ويبثّ فيه رؤاه الفكرية في قوالب لغوية تخصّه دون سواه، ليضفي على إنتاجه صبغة خاصة تميّزه عن غيره، مشيرة إلى أن هذا الأمر بدا في قصة «حبة قمح»، لهاشم غرايبة، مادة الدراسة المحلّلة، إذ تسفر عن لون فكري لغوي خاص بمنتج الخطاب، فتظهره بسمت معيّن يدلّ على ثراء معجمي وتشكيل نحوي وترميز دلالي يكاد ينطبع به المبدع في جلّ قصصه، وما هذه القصة إلا مثالا لمعانيه ومقاصده التي تسير جنبا إلى جنب مع قوالبه الشكلية.
وتحدثت د. الشقران عن مرحلة الشرنقة ومرحلة ما بعد الشرنقة ومرحلة النضوج لحبة القمح، مبينة أن الخطاب ينتقل إلى مرحلة جديدة في حياة حبة القمح، فتتحرّر من السنبلة الأم، وتنفتق من سماء الغلاف الأخضر إلى السماء الزرقاء، فيبدو زمن المضارعة مناسبا أكثر في وصف كمال النضج (فأختال/أزيّن/أعلّق/أمسح)، ثم يعقد مقارنة بين حبة القمح وأترابها في مرحلة ما بعد الشرنقة، «دائما أنجو فلا أذهب للطاحون»، «فتغمرهم سعادة مؤقتة بهطول المطر...لكنهم لا يلبثون أن يصلوا نارا حامية فلا تعود ذرة الواحد فيهم تدرك من أين جاءت؟ ولا إلى أين مصيرها؟ لكنها فرحة بتحرّرها من سلطة الكينونة التي كانت دائما تجبرها على التشكّل من جديد»، ويعمد إلى استخدام العنصر الاتساقي الوصل العكسي في هذا، إذ يظهر الصورة التي يريد بشكل دقيق، فالوصل العكسي يقدّم جملة مركّبة تتكوّن من عبارة أساسية بسيطة، وعبارة أو عبارات أخرى تعتمد على العبارة الأولى،
وأكد د. الشقران أنه بعد ذلك تظهر المرحلة الأخيرة من حياة حبة القمح في حوارها مع الهدهد، فالحوار يمكن أن يُعالج بوصفه مناظرا لتفسير النص( )، هذا الحوار من شأنه أن «يترك فراغات على نحو معتمد لكي يملأها القارئ، وعادة ما تنجم الفراغات من حيل أسلوبيّة، لا يكتشفها ويفهم أبعادها ودلالاتها إلا قارئ متمرّس»( ) ، فجاء الحوار مكثّفا بالدلالات موجزا يشي برغبة جامحة لدى حبة القمح في التحرّر والانطلاق نحو المجهول الذي سعت للكشف عنه، وبدا متماشياً مع الوضع النفسي الذي تحياه الذات الهاربة من الثبات في الوصف بالإنشائي، إذ لم يستخدم من الأفعال إلّا ما دلّ على الطلب وجوابه كخطاب: (خذني، أحب، مللت، سأحملك، ليكن، أحبك)، وظهر النداء (أيها الطائر) والاستفهام(ما اسمك؟ إلى أين؟) والتعجب( يا لجرأته! يا للموسيقى! ما أوسع الفضاء! يا لروعة الزمن!).
وختمت د. الشقران دراستها القول:نسج غرايبة الخطاب نهاية هذه المرحلة من حياة حبة القمح بأفعال ماضية ذات وقع نفسي مؤثّر في المتلقي: ( تلقفني لسانه، غابت زرقة السماء، حاولت الخروج، غصّ الهدهد، تخبّط، مال مستسلما للريح، هبط) لتثبت حقيقة الفناء ذاتها أيّا كانت سبلها، ومن أجل الوصول إلى حتميّة زوال الذات مهما حاولت الانفلات من دورة حياتها الكونيّة.
أما الشاعر نصير قدم قراءة نقدية «المقامة الرميلة» لهاشم غرايبة، أشار فيها حين قال: لم يلتفت النقاد كثيراً لرواية هاشم غرايبة الأولى «المقامة الرملية»، وربما كان مردُّ ذلك مرتبطاً بصعوبة الرواية وصعوبة مناخاتها وتشتُّت وتشظي الزمان والمكان وتداخلهما وانتشارهما المائع على امتدادٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ شاسع يحتلُّ الزمان والمكان العربي برمته أوهو صورة للتاريخ العربي بزمانيته ومكانيته بعد إزالة إحداثيات الزمان والمكان من مواقعها، مبينا أن هذه الرواية التي أخذت شكلاً فنياً تراثياً مرتبطاً بالمقامة التراثية عند الحريري والهمذاني والتي وظَّفها هاشم غرايبة بتنويعاتها متنقلاً فيها بين الرمال والأفلاج والخيول والإبل والكواكب والأنواء التي شكَّلت وعي هذه الصحراء.
وبيّن نصيرأ أن المقامة من خمسةِ أسفار مذكِّرةً ومتماهيةً مع بعضِ أسفار التوراة التأسيسية وهذا مؤشرٌ آخر يؤشِّر إلى أن هاشم غرايبة كان يبحث عن سرديةٍ وهويةٍ يؤصِّل فيها لهذا الجسد المتراخي من المحيط إلى الخليج، وهذه الأسفار هي: سفر التكوين وسفر الخروج وسفر التيه وسفر الرجوع وسفر الأفول، مشيرا إلى أن سقر التكوين يؤشر هاشم غرايبة لأسطورة التكوين الأولى المتوالدة من ثمر الحنظل المر ومن حمض الزاج وأكاسيده – هنا وهكذا ولد الخميس بن الأحوص ورهطه - ,
,في سفر الخروج يفكك هاشم غرايبة شخصية الخميس بن الأحوص الذي يُقتل أبوه الذي كان صانعاً لقبيلة شامخ الرملي وتُختطف أمه الثريا من الروَّاج وفي هذا إشارةٌ أن حلم التكوين الطبيعي للخميس – الذي سنرى أنه رمزٌ لأسطورة السلطة والدولة وتشكلها في الصحراء والذي يصنع اللاس على هيئة الثريا فيعبدها الناس - لم يكتمل بقتلِ أبيه وخطفِ أمه الثريا وعليه الخروج للثأر من قاتل أبيه واستعادة أمه الثريا ليكتمل تشكُّله.
أما عن سفر التيه يقول نصير: في سفر التيه يواصل الخميس رحلته نحو السلطة ويواصل بحثه عن أمه الثريا ومحبوبته الثريا , ولكن ملكه يسقطُ ويلجأ إلى فلجِ الصياد ليلم شعث شيخوخته مع زوجته أم البنين وولده الأخنس بينما كانت الصحراء يأكلها الموت والرمل والغرباء والأزارجة المتوحشون ويتقاسم الصحراء البر الآخر والنهر الكبير كناية عن الغزاة والغرباء الذين سيطروا على مقاليد الصحراء، مؤكدا أنه في سفر الرجوع يؤشر لعودة الخميس ملكاً بلا مُلك - بعد قتله بالسم لإبنه القريب من الصعاليك الأخنس – برعاية ابنه صنو اللاس التاجر القريب من السلطة الجديدة التي تتحكم بالصحراء، وكأنه يتحدث عن فترة فقدان العرب لسلطنهم الفعلية وتحكم الفرس والترك السلاجقة والصليبيين بتاريخ ومستقبل العرب، وكذلك في سفر الأفول يسقط الخميس بن الأحوص قتيلاً على يد همَّام الضرير وكأن في هذا إشارةً عميقةً لانتهاء السلطة والدولة العربية بشكلها المتناسل منذ بداية التاريخ في الصحراء ووقوف الصحراء على مفترق طرق شائكٍ كأنه بداية التكوين الأولى، وكأن الرواية تقول أن هذا النموذج المتناسل سيذهب ولن يؤسس لدولةٍ عربيةٍ قادرةٍ على الحياة.
وخلص نصير إلى القول: بأن الرواية بلغتها التراثية واقتباساتها الشعرية من الشعر العربي القديم والحديث كشعر زهير بن أبي سلمى وعرار ويوسف بن أبي لوز وطلال حيدر تدلِّل على اختراق مقولاتها للزمان والمكان ومزجها لهذه المكونات الثقافية في محاولة لاستيعاب هذه الصحراء ومحاولة للخروج من مستنقع موتها المتنامي .
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش