الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فنانون عرب * * عبدالرحمن الابنودي * * الفقراء اكثر ابداعاً في صنع بهجة الافطار

تم نشره في الخميس 5 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 مـساءً
فنانون عرب * * عبدالرحمن الابنودي * * الفقراء اكثر ابداعاً في صنع بهجة الافطار

 

 
الدستور - وكالة الاهرام للصحافة - هدير حسين
الشاعر الكبير عبدالرحمن الابنودي احد اهم وابرع الشعراء في العالم العربي ، هو شريك مؤثر في حفر مجرى العامية لانه امتلك نواصي القول وعندما يبحر في ذكرياته فإنه يدخلنا في عالم مليئ بالسحر والغموض الذي يملئ قرى الصعيد المصري ويحدثنا عن لياليه فى رمضان.
ذكريات مليئة بالسحر والغموض
يقول الابنودي عن ذكريات قرى الجنوب بالصعيد المصرى انها مليئة بالسحر والغموض في ليالي شهر رمضان ، ويضيف: اكثر الاشياء التي اتذكرها عندما كان يأتي فصل الصيف حيث الحرارة القاسية للغاية في مدن الصعيد ، يجتمع كل اطفال احياء القرية من بعد العصر ، ونظل نقطع الوقت باللعب ومن يجيد صناعة الالعـاب يبيعها للآخرين كصنع ترانيم "بنوى البلح" او صنع جمال من الطين مزينة بطرق مختلفة وتكون رائعة الجمال. وذلك الامر كان نتيجة نعمة عدم وجود تليفزيون يخطف الوقت فينكب الاولاد على صنع المصنوعات اليدوية الجميلة ويتفننون في صناعتها.
ويتابع الابنودي سرد ذكرياته قائلا: احياناً كنا نذهب لشراء الثلج لبيوتنا فلم يكن هناك شيئ يسمى "ثلاجـة" مطلقاً ويوجد في القرية كشك واحد فقط لبيع الثلج يتهافت عليه اهل "ابنود" لتثليج المشروبات لما بعد الافطار ، وحين يقترب وقت المغرب ننزل نحن الاطفال جميعاً الى ساحة مسجد سيدي الغزالي ، المسجد الوحيد في القرية والذي يعلن منه وقت الآذان حتى الراديو لم يكن الا فى بيت العمدة فقط. وكان عم رفاعى رحمة الله عليه مؤذن المسجد بلا صوت فكي نستمع اليه وهو يرفع الآذان لابد من الالتصاق بحائط المسجد ، بل ونعرف موعد الآذان عندما يضع يديه على اذنه ويحرك شفتيه ، فتنطلق كل مجموعة من الاطفال نحو حيها مهللين لكي يعرف الجميع وقت الافطار ولولا التهليل العالي لما علموا الاهالي ان آذان المغرب قد آن.
ونظل نغنى غنوتنا الشهيرة "افطر يا صايم على الكعك العائم" اي العائم في السمن. وكانت اسرنا فقيرة للغاية لا تملك "السمن" فيقومون بطهي الطعام من زيوت تم استخراجها بالمنزل سواء زيت الخس او بذرة قطن وانواع أخرى ، ولم تعد موجودة تلك الزيوت و انقرضت ، ونظل نغني في كل شوارع ابنود ، والآن انقرضت هذه الافعال البديعة واصبح بإمكان الناس الاستماع للآذان من التليفزيون الموجود في كل بيت واصبح هناك اكثر من مسجد تعلوه الميكرفونات. لحظة الافطار.
ويتابع الابنودي سرد ذكرياته قائلا: انا موقن ان الفقراء كانوا مهراء في صنع لحظة اعلان الافطار ، فعند عودتنا لمنازلنا تخترق انوفنا رائحة "طشة" البامية "الويكة" التي يشتهر بها اهل الصعيد ، والملوخية اضافة لانواع من الاكلات المتوارثة بالخبرة مثل العصيدة ، المديدة ، الخبيصة ، المخروطة ، المبوخية التي يتم طهيها على البخار وشبيهة "بالكسكسي" ، المزبوبة او "المسبوبة" وهي اقراص الشعير. ويشير الابنودي في يوم واحد في الاسبوع هو الاربعاء يتم طهي اللحم "القسامي" ، اي الجدي ، فلم يكونوا يشترون لحم من خارج منازلهم مطلقاً اي التي يربونها بأنفسهم ويتأكدون من مرعاها ولم يكن هناك بيت يستطيع ان يذبح لنفسه ، ويأكل بأكمله لاسباب اقتصادية ، فإن هذا الامر شبه مستحيل الا مرة واحدة في العام في عيد الاضحى.
اللحم القسامي وحلبة مسحوقة
ويتابع الابنودي: كان منصور الصعيدي اهم واشهر جزار في القرية ، كان يقوم بعرض "اللحم القسامي" الجدي في السوق يوم الاربعاء ، ويرى من يرغب في جزء من الجدي ، كما ان المرأة التي رعت وربت هذا الجدي تحب ان تتذوق لحمه وبعد ان يذبحه منصور الصعيدي يقوم بتقسيم اللحم لكل شخص حسب طلبه على الرغم من انه لم يكن يملك ميزان لحم ويقوم بذلك ببصيرته.
اما المشروبات الشهيرة انذاك ، يقول الابنودي عنها: كانت الحلبة المثلجة حيث يمر رجل يبيع "الحلبة المسحوقة" فتقوم سيدات القرية بشرائها ونقعها وتثليجها. ومن افضل انواع الحلوى كانت "لقمة القاضي" وكانت جدتي تجيد صنعها بدرجة لم اتذوق مثلها في حياتي.
شرائط قماش تضيء السراج
اما عن عادات ايام زمان بعد الافطار ، يقول الابنودي: بعد الافطار يذهب الرجال الى المسجد للصلاة ، وفي طريق عودتهم يتبادلون الاحاديث. ولم اعرف بموضوع الفانوس الا بعدما كبرت وقرأت المجلات ومن هنا عرفت الفانوس ، فحين كنا نقوم بصنع "السراج" او "القنديل" بالمناسبة كان يطلق على امي تلك السيدة العظيمة اسم قنديلة نسبة الى ابيها قنديل رغم ان اسمها فاطمة ، ونعد السراج بشرائط القماش التي يتم تصغيرها ونضع في الزيت ثم نضعها على طابق فخار ونرفعها داخل مكان في الحائط لتضيئ المكان ، لكنه يحدث كم هائل من "الهباب" لدرجة انهم كانوا يجمعون ذلك الهباب ويكحلون به اعينهم ويطلقون عليه "الدلال".
فقدنا طقوسنا
وعن تلك الايام يقول الابنودي: خبرات متوارثة وجميلة فقدنا معظمها مع مرور الايام والسنين ودخول التليفزيون الى القرى المصرية ، وبعدما كانت الحياة الريفية مكتفية بذاتها اصبحت تعتمد على الغير حتى فى صناعة الخبز ، فأصبحوا يشترونه بعدما كانوا يجيدون خبز العيش الشمسي ، وقاموا بهدم البيوت الطينية الملائمة للحياة في الصعيد واصبحت من الطوب الاسمنتي الذي لم يكن في الامكان العيش داخله.
البيئة تحولت من مصدر للعلماء الى ارباب سوابق
وعن الحياة في الصعيد ، وبماذا اختلفت عن هذه الايام ، يقول الابنودي: تغيرت الحياة هذه الايام في الصعيد والليالي القمرية التي اعطتني الايحاء الايقاعي في الشعر ، لم تعد تلهم ابناء الصعيد ، والتليفزيون فتح باب عوالم جديدة وتحولت البيئات الريفية والصعيدية من مصدر للكتاب والعلماء الى بؤر لارباب الجرائم: نتيجة الفكر المسموم الذي يبث من الاعلام ، لاننا فرطنا في عادتنا المتوارثة كما نفرط في ارضنا حالياً في صمت يشبه صمت الامة العربية لما يحدث في عدد من البلاد العربية الشقيقة. ويبين الابنودي انه يحاول كسر بعض الحواجز بينه وبين ابنائه بالتجمع في منزله في مدينة الاسماعيلية خاصة في شهر رمضان ، واضاف: اقصد من ذلك اربطهم بالطبيعة وابعدهم عن انشغالهم بالانترنت ومتابعة الافلام والمسلسلات ، ولست ضد ان يكون لهم عالمهم الخاص لكن ملامح عالمهم اوجدت حالة من العزل بين الاب والابناء ، فالبيئة الريفية خاصة في الصعيد تعطى نوعا من السكينة والهدوء ، وان لم اتجه الى الشعر لكنت مزارعاً بمعناه الحقيقي كمزارع ابنود قديماً.
استمتع بقدرتي على الكتابة في رمضان
ويؤكد الابنودي ان اكثر الاشياء التي يستمتع بها في شهر رمضان القدرة على الكتابة حيث ينشغل الجميع بصيامه وافضل كتاباتي في رمضان "وجوه على الشط" ، "جوابات حراجي القط العامل بالسد العالي الى زوجته فاطمة عبدالغفار" ، كذلك البرنامج الاذاعي "ستار بالليل" وهو عن الاساطير المصرية والعربية مثل عزيزة ويونس ، حسن ونعيمة برؤية جديدة والسيرة الهلالية التي ستظل السيرة الشعبية الاولى للعرب.
واتمنى ان نعود لتراثنا كما حدث مع الفلاحين الذين فرطوا فى تراثهم وخبراتهم العتيقة وتركوا انفسهم للانفتاح.
ينشر بالترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش