الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في ذكرى رحيل صاحب رائعتي «البؤساء» و«احدب نوتردام» * فيكتور هيجو.. امير الفنون الفرنسية في الشعر والادب والرسم

تم نشره في الاثنين 22 أيار / مايو 2006. 03:00 مـساءً
في ذكرى رحيل صاحب رائعتي «البؤساء» و«احدب نوتردام» * فيكتور هيجو.. امير الفنون الفرنسية في الشعر والادب والرسم

 

 
الدستور ـ كوثر صوالحة
(البؤساء) من لم يقرأها لا بد وان سمع عنها او رآها مجسدة بمشاهد سينمائية بقيت في الذاكرة ، ولا بد مع بقاء هذه الرواية في الذاكرة ، ان يبقى اسم مبدعها (فيكتور هيجو) في الذاكرة ايضا ، هذا المبدع الذي اختصر كل مسافات الفن والادب ضمن مسافة واحدة ، اذ لا بد انه المبدع سواء في اسمه وشخصيته اوحضوره ومنجزاته الفنية.
فمن الشعر اختصر المسافة ووزعها بين الادب والمسرح والرسم ، فهو اذن ممسك الفن ومبدعه ، وهو احد الاعمدة البارزين في مسيرة الفن العالمي ، كما لا يمكن اختصاره ضمن بلد او موقع رغم انه فرنسي الهوية والمولد.
في السابع والعشرين من شهر شباط عام (1802) ولد في مدينة (بيزانسون) ، والدته امرأة عادية جدا تؤدي واجباتها الاسرية وترعى اولادها الثلاثة.
اما والده فكان يخدم في جيش (نابليون) كما تركت الحياة العسكرية اثرها الواضح في شخصيته التي كانت ذات طابع انضباطي الى اقصى الحدود.
عمله في الجيش فتح امامه وامام اسرته الصغيرة فرصة التنقل والارتحال ما بين (ايطاليا وجزيرة كورسيكا واسبانيا) لتترك هذه البلاد اثرا في شخصية الطفل (هيجو) وهو ما بدا واضحا تماما في كتاباته اللاحقة.
ففي اسبانيا كان (هيجو) يدرس ضمن صفوف مدرسة الاشراف ، ومن هناك استوحى شخصية (احدب نوتردام) في روايته اللاحقة من خلال شخصية ووجه الاحدب الذي كان يراه كل صباح عند استيقاظه.
عاد (هيجو) الى بلده الام وهو في العاشرة من عمره واكمل دراسته في كلية الهندسة بباريس الا انه اخفق في دراسته ولم يستطع ان يحمل شهادة الهندسة التي كان والده يرغب بها اكثر منه.
الا ان فشله لم يمنعه ابدا من متابعة عشقه الاول وهو الشعر والادب عموما ، فقد كان قارئا جيدا ومتمرسا في هذا المجال ، ومن هنا نستذكر مقولته الشهيرة (اما ان اكون مثل شاتوبريان .. والا فلا).
خطوته الاولى في الادب كانت من خلال اصدار صحيفة رافقه فيها (هابيل) شقيقه ، ومن خلالها كتب (هيجو) العديد من المقالات الادبية المميزة التي انذرت بولادة كاتب مبدع ، وقد تركزت مقالاته على (شكسبير ـ شلر ـ وكورني ـ وراسين).
في عمر التاسعة عشرة توطدت علاقة (هيجو) كثيرا مع (الفرد دي فيني) الذي قال عنه الكثير وتوقع له مستقبلا كبيرا واسما لامعا ونبوغا فذا.
الكتاب الاول لهذا المبدع الادبي كان (اغاني وقصائد مختلفة) فكانت (مصر .. ايتها الشقراء الفاتنة .. ما اجمل سنابل قمحك الذهبية وحقولك البهية تمتد كأنها وسائد ثمينة ... سهل تلو سهل..).
هذا الكتاب وصل الى الى لويس الثامن عشر الذي كان يهوى الادب بدرجة كبيرة تصل الى الخيال فلعب الحظ دوره مع هوغو عندما كرمه ملك البلاد ومنحه راتب سنوي كبير مدى الحياة ، وجعل منه اديبا متفرغا فقط للحياة الفنية ، وفي هذا الوقت قرر هوغو الزواج من (اديل فوشيه) بعد عام من هذا الحدث الذي اضفى تغيرا على حياة هيجو.
توفي (لويس الثامن عشر) ليأتي الى الحكم (شارل العاشر) ولينظم هوغو قصيدة له حملت اسم (تتويج شارل العاشر).
بعد ذلك جاء ديوانه الذي اسماه (شرقيات) والذي اتضح فيه مدى تأثره بالثقافة والحضارة الشرقية بعد قراءته للعديد من الكتب مثل (ترجمة فرنسية للقرآن الكريم وكتاب الف ليلة وليلة اضافة الى قراءته الانجيل والتوراة) وهذا الديوان تضمن 22 قصيدة ابرزها (ضوء القمر) ، (من ربوع الاندلس) ، (نوار) ، (نور الصهباء).
استمرت اعماله الادبية وصولا الى اخراج اروع مسرحياته وهي (هرناني) التي لاقت الكثير من الصدى بين منتقد لها ومؤيد ، ابدع (هوغو) بعدها روايته الشهيرة (احدب نوتردام) التي اجمع النقاد وكبار الكتاب على انها ابداع خيالي لم يكن له وجود واقعي يذكر ، وكان هوغو قبل كتابتها كثير التردد على (كنيسة نوتردام) عاكفا على استعادة التاريخ القديم.
تناولت هذه الرواية مجموعة من الاشخاص الرئيسيين وهم (القسيس كلود فرولو) وشخصية الاحدب اللذان يتنازعان على قلب (ازميرالدا) التي لرفضها المتكرر لحب القسيس يأخذ قرارا باعدامها ، ولكن الاحدب ينقذها بقتل سيده القسيس.
بعد ذلك توالت اعماله الادبية لتأتي (الملك يلهو) ثم (لوكريزيا بورجيا) فديوان (المفاجاة القلبية) الذي اصدره (هيجو) ولاقى اصداره ردود فعل مميزة لاشتماله على قصائد جميلة ومعبرة ما زالت خالدة الى الان.
مرحلة جديدة عاشها (هيجو) وهو تسلم نابليون بونابرت الحكم في فرنسا في عام (1851) فثار (هيجو) على نابليون الطاغية وقاومه بكل الاساليب التي تعدت الكتابة الى الشارع ، ويجمع الثائرين حوله حتى اصبح هذا الاديب المبدع مطلوب القبض عليه.
فغادر (هيجو) فرنسا طالبا جزيرة (جيرسي) ، وفي المنفى الذي لم يختره ، ولكن ثورته على الظلم اضطرته الى ابداع اكثر اعماله بالنسبة لفن الشعر فنظم اسطورة القرون التي ما تزال عنوانا لخلود الادب ومكانته والتي قال فيها: (حينما اكتب وانا افكر في شرفتي ارى الامواج تولد وتموت... ثم تولد لتموت وارى الطيور البيض تسبح في الهواء.. والسفن تنشر اشرعتها للريح كأنها عن بعد.. وجوه كثيرة تتنزه على البحر).
وهذه المجموعة الاسطورة جمعت اصول الحياة من خلال استنباط ما اندثر في العصور الغابرة مدخلا للكثير من الشواهد التاريخية ، فيتحدث (هيجو) عن الارض وهي السعيدة التي تخرج ما وهبها الله من جمال وعطر الزهور وخضار الاعشاب ، كما يتحدث عن البطولات معتمدا على التاريخ بكل ما فيه ، وما حمله من اخبار ليصور لنا صوت الضمير مستندا الى قصة (قابيل وهابيل) ثم ينتقل بين عهد الخرافات في كل العصور ويركز على معتقدات الاغريق ، ثم يرتحل مع الدين الاسلامي ليسجل المديح والاجلال الكبير لشخصية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، كما يتحدث عن سيرة الامامين عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب.
فضلا عن ذلك تحدث عن العهد العثماني وعن سلاطين المماليك ولا سيما شخصية الظاهر بيبرس.
تنقل (هيجو) بين العصور ليصل الى عصر النهضة وصولا الى تصوير الثورة الفرنسية الى الحديث عن نابليون بونابرت.
من خلال المنفى ايضا ابدع هوغو (البؤساء) قصته الراسخة في العقول ، والتي ما زالت اذا ذكر الابداع والادب ذكرت بكل ما فيها ، والتي تسابق المفكرون الى الاطلاع عليها ، ولا بد من ذكر ان (البؤساء) ترجمت الى العربية بقلم الشاعر (حافظ ابراهيم) وبعد ذلك قدمت مترجمة من خلال (منير البعلبكي).
المنفى جعل من هيجو اسطورة حيث ابدع وانجز الكثير من الاعمال ووصل الى القمة بل الى مصافي النجوم ، فصادقه زعماء الدول ، وقلد الكثير من الاوسمة.
بعد هزيمة عدوه اللدود نابليون عاد (هيجو) من منفاه الى باريس ولكن فرحته لم تكتمل فقد فجع بفقده لولديه اضافة الى اصابة ابنته بمرض (عصبي) افقدها تركيزها ليدخل الحزن اليه وليعبر عنه من خلال كتاباته بعد ذلك فاصدر (السنوات المشؤومة ) و(الباقة الاخيرة).
في حياة هوغو الكثير من المآسي الا انه عاش الحب باحساس الفنان المرهف.
قصة حب خالدة في حياته كخلود كافة اعماله واسمه جمعت هذه القصة بينه وبين (جوليت درووية) الممثلة التي كتبت له الالاف من الرسائل عبر رحلة عشق امتدت خمسين عاما والتي تركت وفاتها وجعا كبيرا في نفس هيجو الذي احبها كما يحب الشعراء لحظات الجنون ، توفيت (جوليت) قبل هوغو بسنتين ولم يستطع ان يسير في جنازتها ولكنه طلب من صديقه (اوغست فاكري) ان يحفر على قبرها كلمات باقية اختاراها معا ، والكلمات تقول: (عندما ساصبح رمادا باردا.. عندما تغمض عيناي التعبتان عن ضوء النهار... قل بينك وبين نفسك اذا ما كانت ذكراي محفورة في قلبك ، العالم له ذكراها... وانا كان لي حبها).
قبل وفاته بقليل وحين بلوغه الثمانين كرم من قبل فرنسا ضمن احتفالات بهيجة وخرجت الحشود الكبيرة تعبيرا عن حبه واحترامه وتمكنه في قلوب الفرنسيين.
بعد ذلك بعامين مرض هيجو واتاه الموت ، فاصيب بالتهاب رئوي حاد ، فقال بيته الشعري الشهير وهو يودع اصدقائه (ها هنا يقتتل الليل والنهار) وعندما دنا اجله واخذ يصارع الموت في سكرات اخيرة اقترب منه احد اصدقائه ليقول له: لن تموت يا هوغو فاجاب: (كلا ، ها هو الموت يقترب فمرحبا به .. الوداع).
وانطفات حياة فيكتور هيجو كمبدع فنان وشاعر معطاء في الثاني والعشرين من شهر ايار.
رحل من عرف بالقوة والارادة الصلبة المحب ذو الرومانسية العالية الطامح الى المجد والصبور الجلد في مقاومة الظلم والظلام ، وغاب فكر وقلم من ابدع الكثير وقدم من الفنون والاداب كتبا ودواوين تزخر بها مكتبات العالم.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش