الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يا غلام، احفظ الله!

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2011. 03:00 مـساءً
يا غلام، احفظ الله! * د. دعاء فينو

 

(4)

من المؤلم حقا أن يكون في أمة عرفت الله سبحانه بأسمائه وصفاته الحسنى من يقنت من رحمة الله، أو يضيّع بوصلة الطريق. فنحن اذا عرفنا أن الله خالقنا، وعرفنا أنه هو المعطي وهو المانع، وعرفنا أنه الأقرب الينا من كل من حولنا، وأيقنّا أنه السميع المجيب لشكوانا، والرقيب العليم بأحوالنا فكيف نلجأ بعد هذه المعرفة كلها لغيره –سبحانه- سائلين مضطربين؟

هذه المعاني الايمانية ينبغي أن يكون لها ترجمة عملية نرقبها في سلوكنا وكلامنا وحتى في حركات أجسادنا؛ بل في غياب الابتسامة أو حضورها، وشرود الفكر أو اتزانه، وتردد البصر أو سكينته. نلمحها في الصراخ الهستيري لأدنى هفوة أو الابتسامة الراضية والاعتذار اللطيف. فنحن في هذا كله نقدم لأبنائنا قدوة تحتذى.

وقد تختفي هذه المعرفة الايمانية اذا قررنا أن نسرّ لأبنائنا بتشاؤمنا من أحد الأقرباء او الجيران وربما حتى الأخوة أو الأصحاب، فنقول: «هو مثلا لا يحب لنا الخير»، «وهو اذا زارنا تنقطع الأنوار أوينكسر أحد الأطباق»، «وهو يكثر من الشكوى من أحواله ويكيل لأبنائنا المديح حسدا من عند نفسه»، «وهو اذا زارنا اشتعل الخصام في بيتنا، فلعله جاء بشيء ما زرعه سحرا لتشتيت النفوس وخراب البيوت»! أي قيمة ايمانية هذه التي نزرعها في نفوس صغارنا؟

لقد لمحت في تربيتنا لأبنائنا حرص كبير على ذكر السحر وقوته التأثيرية في تغيير أحوال الناس، والتخويف من تلبس الجن وتسلطها على العباد ما يفوق بمراحل كثيرة التذكير بحب الله وقدرته، والتفكر ببديع خلقه واكرامه للانسان القادر على التمييز والتفكير. الانسان الذي عرض الله سبحانه عليه أمانة خلافة الأرض وعمارتها بايجابية الايمان بالخالق وصفاته والتسليم بربوبيته.

نعلّم أبناءنا في المراحل التعليمية كلها أن الاسلام حرر العقل من الخرافات والخوف مما لا يخيف. نعلمهم في مرحلة ما حديث النبي- عليه السلام- (يا غلام، احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده اتجاهك، اذا سألت فاسأل الله، واذا استعنت فاستعن بالله...واعلم أن هذه الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك الاّ بشيء كتبه الله لك. وان اجتمعت الأمة على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك الاّ بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). وما هذا وعمري الاّ التسليم المطلق من الانسان لرب الانسان الذي هو رب كل شيء، بيده نواميس الكون تمضي وهو رب العرش العظيم.

بعد هذا كله أجد أمّا مسلمة تحمل شهادة جامعية تعاني من آثار جلدية لتحسس ما، تلجأ الى «أم فلان في منطقة ما، وتسميها «معالجة»، وبأي شيء؟ بمزيج من الكلمات المتقاطعة التي لا تنتمي للّغة ما، وببعض البخور وربما حتى البهارات! وقد تخوّفها بقولها:»أنت مطعومة أو مسقية». فتظل الأم الجامعية المسكينة تتلفت يمنة ويسرة تبحث عن تلك التي تكرهها ودبّرت لها هذا «العمل» دسيسة في وقت ما! والزوج وما يدريك ما حال الزوج في هذا كله؟ فهو اما قلق مرتاب من حال زوجه وكل من حوله، واما محتار لهذا الكدر الذي طرأ على أهل بيته فسرق السكينة والطمأنينة.

لماذا نزلت المعوذات اذن قرآنا يتلى؟ هل كانت لترسيخ الخوف من المجهول الذي يظن البعض أنه سيتجاوز قوى البشر فيكون خارقا لنواميس الكون فينفع ويضر؟

المعوذات كانت لاغلاق هذا الباب أمام ضعف البشر وأرقهم من المجهول خوفا وطمعا. اقرأها ان شئت وتفكر، فليست هي الاّ داعية للرجوع الى الخالق سبحانه والقنوع باللجوء اليه من شرور خلقه، لأننا نوقن أن ما أصابنا مما قدّر الخالق علينا لم يكن ليخطئنا، فلا خوف أو عجز، (فالمؤمن ان أصابته سرّاء شكر، وان أصابته الضرّاء صبر» وكلاهما ابتلاء لايمان البشر وتسليمهم بحكم الله، وكلاهما خير، وهذا حال المؤمن بالله، والمؤمن فقط.

القرآن بين دفتيه بدأ بالفاتحة أمّ الكتاب، التي نقرأها في كل ركعة نقفها بين يدي الله عز وجل لنعلن بها اقرارنا بربوبيته وألوهيته. وهو مختوم (بقل أعوذ برب الناس)، لأنها اشهادنا للخالق على اقرارنا العملي بربوبيه وألوهيته في تعاملنا مع خلقه ما كبر منه أوصغر، ومما شهدنا أو غاب عنّا...ورمضان كريم .

التاريخ : 04-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش