الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البسـاط : قصة فن لم تدرس بجام

تم نشره في السبت 4 تموز / يوليو 2009. 03:00 مـساءً
البسـاط : قصة فن لم تدرس بجام

 

 
الدستور - حسني العتوم

يا زائر القرى في شمال وغرب جرش تمهل وانت تتاملها ، وتستعيد ذكريات البيوت القديمة وحاراتها وازقتها وابواب منازلها الخشبية واقواس نوافذها المقببة ، وتفحص ما فيها لتزداد لديك جمالية المشهد وتكتمل عندك الصورة.

اختر منزلا واطرق الباب واستاذن الدخول ستجد الترحاب بك من عجوز حنى الزمن ظهرها واسندتها الايام على عكاز ، ووسط ذبول العينين ستسمع صوتا ينبعث من الداخل من الطارق؟ فتجيب ضيف . فيتردد في ارجاء المكان اهلا اهلا.

ادخل وتامل الاشياء من حولك ستجد رفا من الخشب صفت عليه اباريق قديمة باشكال واحجام وهاون ومهباش وقطع تحتاج للسؤال عنها.

اجلس واحسن جلستك واحتشم ولا تمد قدميك ، فكل ذلك من طقوس المكان واهله ولا تكثر من الكلام ، واطلق العنان لنظراتك لتقرا ما حولك ، وتعيش الحياة التي كانت هنا ذات يوم.

وانظر الى ارضية المكان كيف تزينت بذلك البساط الوشي وكانه لوحة فسيفسائة اتقنتها يد محترفة تذوقت الفن دون ان تدرسه في جامعة او معهد وتامل دقة الرسومات والخطوط التي زينته والوانه الهادئة الجذابة وتمعن اكثر في تداخلات الخطوط وتحول بنظرك الى تلك العجوز واستأذنها لتحدثك عن هذا البساط واسمع لها ولا تقاطعها.

وبعد تنهيدة تشق غبار السنين وتلتحف طقوس الهيبة والانفلات الى ذلك الزمان والمكان الذي كان يشكل معملا لهذا النوع من الحرف اليدوية ياتيك صوت خافت تلونه ابتسامة الذكرى ، فتقول هذا من جهازي يا بني عندما تزوجت ، وتواصل الحديث لقد كانت اياما جميلة كنا فيها نسابق الريح رشاقة وحيوية ونفرح لطلبات امهاتنا وجداتنا ونحن نحمل المغزل والغزل ونثبت الخيطان على الاوتاد ونشدها.

ام محمد ذاكرة قوية تشدك الى المكان والزمان معا ، تقول لم نكن نعرف السجاد ولا الحصير وكل ما نعرفه ان نصنع الاشياء الجميلة التي نحتاجها بايدينا والبساط واحد منها ، ومنها ايضا ادوات الخبيز من اطباق نصنعها من قش سنابل القمح والقبع والسلال لجمع الخيرات من البساتين وكذلك مؤونة البيت من الاجبان والالبان والسمنة البلدية والجميد وكذلك الحال من الخبيصة والزبيب ومعقود العنب والتين والجريش والقلية والفريكة وكل انواع المخللات من الخيار والفقوس والزيتون ولم يكد يخطر على بالك شيء يمكن حفظه الا وتجده في المنزل وقالت لقد كنا نعمل اكثر من ذلك ، لقد كنا نبني منازلنا بايدينا من الحجر والطين والقصيب.

لم اقاطع ام محمد فمثلها ومن هو بوقارها يصعب عليك ان تقاطعه وقالت اما البساط فله حكاية جميلة كنا نعيشها كحالة اجتماعية في الحارة وكل بيوت الحارة النسوة والاطفال والصبايا يشاركن بها فبعد جز الصوف عن الاغنام والماعز يتم جمعها ووضعها في اكياس لتمر بعد ذلك في عدد من المراحل ونبدا بنقلها الى مصادر عيون الماء على الدواب لغسلها ثم تنشيفها وبعد ذلك يتم ضربها باعواد طويلة حتى تنتفش ويخرج منها ما علق بها من اوساخ لتدخل بعد ذلك في مرحلة الغزل وتشكيلها في خيطان تجمع على شكل"طبات"ثم تاتي عملية نقعها بمحاليل مختلفة الالوان يتم اختيارها حسب الاذواق التي تناسب ربة المنزل وبعد ان تكتسب "الطبب "الالوان التي نقعت بها تاتي عملية نسج البساط والتي عادة ما تقوم به السيدات ذوات الخبرة في فن تداخل الخيوط واخراج الاشكال التي ترغب بها ويرافق ذلك المجهود حركات وايقاعات جميلة واهازيج وترويدات بحيث تنقسم السيدات الى قسمين الاولى ترود والثانية ترد عليها وحركة الايدي منتظمة على عمل تداخل الخيطان واذا حدث هناك خطا فيعالج بالاشارة او رفع العيون او الحواجب حتى يستقيم الحال كي لا ينقطع الصوت المغنى فتجد العمل منسجما بين اللحن والصوت ووقع الايادي على الخيطان ليخرج في نهاية المطاف هذا البساط بهذا الشكل الجميل.

اما استخدامات البساط واشكاله فتمضي ام محمد بقولها البساط انواع واصله ان ينسج لغايات الفراش الارضي والذي استعيض عنه اليوم بالسجاد والموكيت وهناك انواع اخرى من البسط يستخدم لغاية التعليق لتزيين واجهة جدران المنزل وهو عبارة عن قطع صغيرة وحياكتها تكون ادق من البساط العادي وعادة ما تحمل انواعا من صور الحيوانات والطيور او النباتات المحيطة.

ويبقى البساط بما يحمله من رسومات وجماليات نقش على واجهة زمن مضى يرسم ماض حمل معه المشهد والصورة والحكاية ليتناقله جيل عن جيل ، لكن التطور والالة طغت عليه ولم يعد يعرفه الا القليل ، وحتى لا تنقرض المعرفه به ولكي يعود اليه مجده من جديد ارى ان توجه بعض المشاريع سيما لدى الجمعيات بانواعها لعمل مثل هذه الحرف اليدوية التي صارت محلات الحرف اليدوية خاصة التي تتعامل مع القطاع السياحي خلوا منها وكل ما نجده فيها عبارة عن صناعات يدوية مستوردة. واخيرا نودع ام محمد ونرى في عكازتها شاهد على جيل مضى كان طعامه مما يزرع ولباسه مما يصنع وجمالياته مما يتامل ويبدع.



Date : 04-07-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش