الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رحيل العصامية * * جمال عبدالسلام الطراونة

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2007. 03:00 مـساءً
رحيل العصامية * * جمال عبدالسلام الطراونة

 

 
ربما يتذكر القارىء الكريم المواظب على قراءة صفحات جريدة الدستور مقالا نشرته قبل سنة تقريبا موسوما بـ «عصامية امرأة» اثارني للكتابة فيه المنجز ورحلة التحدي مع كل الظروف الحالكة التي مرت بها بطلة المقالة ، والتي استحقت اضفاء صفة البطولة عليها.
لقد كانت في موعد مع الحياة والموت ، واكتسبت هذه الثنائية في معجمها دلالات كثيرة اذ انها اخرجت هذه الثنائية من دائرة البنية السطحية الى دائرة البنية العميقة.
اجل ان الحياة التي عاشتها هذه العصامية لها لون وطعم ورائحة ، حياة متوجة باكليل الصمود والتحدي امام قساوة الظرف وسلطان الحظ ، لقد بقيت قابعة في بيتها الطيني الذي قرأت فيه مآلها الوجودي وسرمدية الحقيقة الابدية المدفونة في صندوق التراب المعطر برائحة المثوى الاخير.
كانت حارسة لمخابز الطيبة والوفاء والصفاء ، تكحل عينيها الصفراوين الغارقتين في الركامات السوداء بسحابات الفجر الندية ، وكانت تصيخ السمع لتسابيح العصافير مع تنفس كل صبح واحتضار كل مساء ، وعلى سنديانة العمر القت ام عدنان ثياب نضالها ، وفي رمال الشقاء غاصت اقدامها التي اختزلت حكاية السعي في مناكب الارض والاكل من رزقها.
لقد كانت ام عدنان صابرة مصابرة تولت بنفسها جمع آيات الصبر من الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لتكون هذه الآيات الكريمة البلسم الشافي والتعويذة الربانية التي من خلالها تدير ازماتها وصراعها مع العقبات والمكدرات.. والعيش الذي نزع الشوى.
كانت ام عدنان تنطلق اساريرها ، ويحملها جناح اليقين ليهبط بها على ارض الادراك عندما تسمع: «انما يوفَّ الصابرون اجرهم بغير حساب» لقد صبرت على الظلم الذي احاط بها احاطة السوار بالمعصم عندما تركتها الظروف في مهب الريح ، وفي جعبتها كتل لحمية صغيرة تردد في الفصول كلها بيت الحطيئة :

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
زغب الحواصل لا ماء ولا شجن

بيد انها ربتهم على اكسير العزة ، وكيمياء التعفف ، مرددة: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، ولقد نسجت نصها النضالي من خيوط: تحسبها غنية من التعفف وقافية قصيدتها «لا تسأل الناس الحافا» ، فكانت تحصل على رغيف خبزها بوساطة رباطة جأشها وتصميمها على قطع مسافات الزمن الممتلىء ببثور تجاعيد الشقاء.
وشب اطفالها عن الطوق الذي حوى قصة الكفاح ، واسهمت في تخريجهم الى الحياة ليأخذوا مكانهم فيها ، الا انها لم تذق عصير الحياة المتسم باللذة والهناء ، فقد غيّب الموت احد اطفالها وعقدت مصالحة مع الحزن الذي ران على قلبها ، وفاجأها المرض الذي يدخل الاجسام بلا استئذان ، ورغم ذلك فقد تعالت على المرض ، وحقّرت من شأنه ، شأنها في ذلك شأن ابي الطيب المتنبي الذي تعالى على الحمى كائنة المساء ، لكن الآجال محدودة فكانت تحب لقاء الله ، وكان لها ما ارادت ، فانتقلت الى الرفيق الاعلى بعد ان افنت عمرها في النافع الذي يمكث في الارض ، وينفع الناس ، وطرحت الزبد الرابي جانبا ، رحلت وعلى محياها ابتسامة الصدق الازلية ، وخبرات السنين العجاف والسنابل الخضر وسلال الخبز ، وادام التضحية والبسالة ، وتركت ذكرا طيبا ، وعمرا حقيقيا وكأن خواطر تفكيرها الثاقب تواردت مع فكر ابي الفضل الميكالي الذي نحت عجائب فكره الشعري بازميل التشكيل اللغوي عندما قال :

عمر الفتى ذكره لا طول مدته
وموته خزيه لا يومه الداني
فاحيي ذكره بالاحسان تودعه
تعش بذلك في الدنيا حياتان

وانت يا صديقي عدنان اغبطك على هذا الارث العظيم الذي تركته لك قاهرة الظروف الصعبة ، ليكون لك بمنزلة النبراس الذي ترجع اليه في حالة حصارك من قبل جيوش الهم والاحزان.
اقرأ في سفر والدتك حروف التجارب وكلمات السنين وعبارات الصبر ، وفقرات النضال الانساني ، ولا بأس في السماح لنجليك احمد ومحمد بقراءة منجز جدتهم التي بحق استحقت لقب قاهرة الظروف الصعبة بامتياز.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش