الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في كتاب «النسق الثقافي» ليوسف العليمات

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

محمد المشايخ *
يُعتبر هذا الكتاب، من أهم المؤلفات النقدية العربية المعاصرة، وسبق له أن فاز بجائزة مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في الكويت، في مجال نقد الشعر، ومن يطالعه، سرعان ما يتأكد ان مؤلفه من أبرز النقاد العرب المحدثين، الذين انشغلوا بالشعر العربي القديم، محاولين توليد كل ما فيه من قيم جمالية وموضوعية تخالف أو تلتقي مع ما توصل إليه من سبقه من النقاد ومن مؤرخي الأدب العربي، غير أن د.العليمات لم يقم بإجراء الفحص الجمالي والموضوعي لذلك الشعر، دون أن يتجاوز كل المعطيات النقدية الحديثة، التي ساعدته على القيبدأ د. عليمات كتابه بالتأكيد أن قراءته تسعى لاستعادة القيم الثقافية التي امتصها النص الأدبي، هذه القيم التي لا يمكن أن تغفل الأثر الفاعل الذي تؤديه الثقافة في بنية النص، بحيث يصبح حادثة ثقافية نسقية تستأهل دراسة نقدية فاحصة للسياقات التاريخية، والأنساق والتمثيلات الثقافية بوصفها تمثيلات ماكرة.كما بدأ المؤلف كتابه بالوقوف عند النقد الثقافي الذي يهدف إلى مساءلة نصوص التراث وأعراف المؤسسات الثقافية مساءلة واعية، ومن ثم التأكيد على شكلية الإفرازات الثقافية لهذه المؤسسات، والاعتراف بعدم براءة شعاراتها، كما طالب بتفعيل ملكة النشاط العقلي لكي يتسنى للناقد الثقافي كشف ممارسات الأنساق الثقافية ونقدها.
ويشير المؤلف في مقدمته للكتاب ، إلى أن الثقافة العربية وتحولاتها عبر التاريخ، موزعة بين نسقين ثقافيين محوريين هما:سيادة المركز وهامشية المحيط..فالمركزي في الثقافة العربية نزّاع إلى تحقيق سلطته الفحولية، وتأسيس أنساقه الثقافية الخاصة بكل ما أوتي من قوة لكي يصبح نخبويا مهيمنا مقابل دونية الشعبي والهامشي.
ويؤكد د.عليمات  أن القراءة الثقافية تجعلنا نلحظ أن خطابنا الأدبي شعراً ونثراً ونقداً كان مكمناً لإضمار الأنساق الثقافية المخاتلة، والتمثيلات الاحالية المتضادة، والمسكوكات اللفظية التي لم تفلح القراءة النصية التقليدية كشفها، وأن النص الشعري العربي القديم نص ثقافي نسقي، يتوسل بجماليات اللغة وتشكيلاتها الإستعارية المراوغة بغية بناء عوالم وفضاءات نسقية لا متناهية.
ويضيف د.العليمات إن القراءة الثقافية لموضوعات الشعر الجاهلي تمكنت من الكشف عن فاعلية النسق الثقافي في تأسيس الخطابات الأيديولوجية المتضادة، والتمثيلات السلطوية، والسياقات الثقافية المختلفة.
ويؤكد المؤلف أيضا ان القراءة الثقافية تسعى إلى إعادة قراءة النصوص الأدبية في ضوء سياقاتها التاريخية والثقافية، حيث تتضمن النصوص في بناها أنساقا مضمرة ومخاتلة قادرة على المراوغة والتمنـّع، ولا يمكن كشفها أو كشف دلالاتها النامية في المنجز الأدبي إلا بإنجاز تصور كلي حول طبيعة البنى الثقافية للمجتمع، وإدراك حقيقة هيمنة تلك الأنساق المؤسسة على فكرة الأيديولوجيا ومفهوم المحتمل في صراع القوى الاجتماعية المختلفة.
ويشير د.عليمات: إلى ان طروحات التحليل الثقافي وتصوراته لطبيعة العلاقة بين الخطاب والسلطة، تدفع بالدارس إلى أن يذهب إلى أن العلاقة بين الخطاب الشعري في أدبنا العربي والسلطة التي ترعى هذا الخطاب، لا تخضع، في كـُلـّيتها لمفهوم الهيمنة المطلقة للسلطة،بحيث يتحول الخطاب الشعري إلى خطاب شعاراتي يروّج للسلطة ويدعم أركانها كما هو الأمر في قصائد المديح والاعتذار، فالقراءة الثقافية لها، تثبت أن الصيغ الجمالية التي تـُنظم فيها هذه القصائد ما هي إلا تشكيلات زخرفية خارجية وخادعة يتبناها الشاعر لكي يضمنها نقده لممارسات السلطة من جهة، وليقدم لنا صورة النسق المضاد الذي يرفض محاولات السلطة جعله عبدا يوظف قدراته الإبداعية وأدواته الفكرية من أجل امتداحها وتزيين قبحياتها وتجاوزاتها.
لقد صاغ المؤلف أفكاره ونظرياته الواردة في هذا الكتاب  بأسلوب منفرد ومتميز لما فيه من قوة، فكان كتاب النخبة المتخصصة، ولذلك، لن أتوقف عند التفاصيل الدقيقة لفصوله، بل سأوجز وقائعها على النحو التالي:
* حمل الفصل الأول عنوان:جماليات التحليل الثقافي:إعتذاريات النابغة الذبياني نموذجا..وفيه إبراز لمظاهر الصراع بين نسقين متضادين، هما:سلطة الملك:النعمان بن المنذر، وسلطة الشعر:النابغة الذبياني،السلطة السياسية(التي تملك المال والعطاء) وسلطة الشاعر (الذي يملك ثروة الشعر)، فدحضت هذه القراءة المقولة النقدية التي وصفت النابغة بالخوف والرهبة في اعتذارياته، وبينت الكيفية التي تؤسس بها لغة الشعر المخاتلة(علم الذات:سلطة الشعر لمواجهة مؤامرات السلطة المضادة)..
ويكتفي القارئ هنا بالإشارة إلى كثرة التفاصيل التي أبرزها  الناقد في معلقة النابغة الذبياني التي جاء في مطلعها:
يَـا دَارَ مَيَّـةَ بالعَليْـاءِ، فالسَّـنَـدِ...
أَقْوَتْ ، وطَالَ عَلَيهَـا سَالِـفُ الأَبَـدِ
فقد فتحت هذه القصيدة باب الحيرة، وقلب ملكها النعمان بن المنذر أمام الشاعر الطريد مرة أخرى، وعاد الصّفاء إلى علاقتهما.
* أما الفصل الثاني من الكتاب، فحمل عنوان:الظعينة في قصيدتي الهجاء والمديح عند بشر بن أبي خازم الأسدي:قراءة تأويلية ثقافية، وبعد إيضاح معنى الظعينة : وهي المرأة في الهودج ، يؤكد الباحث أن هاتين القصيدتين تمثلان نموذجا في إضمار الأنساق الثقافية ذات الأبعاد الفكرية والأيديولوجية المرتبطة بثقافة الحرب وجدليات الصراع ، ومن ثم صوغ عوالم وجودية متنامية ومتنوعة الظلال، وتعكس في دلالاتها حقيقة انفعال الشاعر الجاهلي بالقضايا والإشكاليات التي تؤرقه داخل مجتمعه، وتحفزه، تاليا، على خلق أدوات ثقافية يتجاوز بوساطتها وطأة الواقع المعيوش بعلاقاته الإنسانية، ورهاناته الزمانية والمكانية، الأمر الذي يسمح له بتشكيل معالم الحياة كما بدت في قصيدة (الحياة) المديح، والتعالي على كل نسق ضدي يحاول أن يقمعه او يهيمن عليه كما تجلى في قصيدة (الموت) الهجاء.
* وتوقف المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب الذي حمل عنوان (صورة المرأة عند الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي: قراءة ثقافية) عند قصائد لشعراء يتقدمهم: تأبط شرا، والشنفرى، ليؤكد أن نص الصعلكة غير بريء، إذ وظف الشعراء الصعاليك المرأة بوصفها رمزا يعكس تجربتهم الواقعية والمريرة في حدود علاقتهم بالمجتمع الجاهلي، وبوصفها نسقا ثقافيا يتجاوز حدود المرئي والظاهر إلى أبعاد المضمر النسقي الذي تتضح في شيفراته تلك العيوب النسقية الماثلة في عقلية المجتمع الجاهلي.
* وحمل الفصل الرابع من الكتاب عنوان (صورة المكان في شعر ابن قيس الرقيات: قراءة ثقافية)، وفيه يوضح المؤلف كيف أن المكان عند ابن قيس يمثل نسقا أيديولجيا يجسد موقف المعارضة السياسية التي يتبناها الشاعر ضد فكرة تحول الخلافة من بلاد الحجاز إلى بلاد الشام.
ويؤكد المؤلف أن رؤية ابن قيس الرقيات شاعر قريش في الإسلام إزاء التحولات التي فرضت حضورها على المكان الحجازي – رؤية سلبية منفعلة، حمّل الشاعر سلطة بني أمية تبعاتها. 
 من بين الملاحظات التي يمكن تسجيلها إزاء هذا الكتاب:
- أن القراءة التي تضمنها أبرزت فاعلية الثقافة وولادة المؤلف بعد أن أكد رولان بارت موته، ويُسجل لمؤلفه انه ناقد محترف، بدليل استيعابه للشعر الجاهلي الصعب،وتقليبه على أوجهه كافة ، مُطبقا عليه النظريات النقدية المعاصرة،مستخرجا منه قيما جديدة ، وأيضا تضمينه النقد قصة داخل قصة، ومنها القصص الحيوانية، وقصة زرقاء اليمامة مثلا، هذا عدا عن إيراده بعض الأوصاف كقوله إذا أراد الشاعر في الجاهلية الهجاء، لبس حـُلة، وحلق شعر رأسه إلا ذؤابتين، ودهن أحد شقي رأسه، وانتعل نعلا واحدة، وأسقط المؤلف قيم الجاهلية وعاداتها التي غدت في عداد الماضي البعيد، على الحاضر، مبرزا ما فيها من حياة مادية ومعنوية، تناغي الوجود،  ولأن للعصر الجاهلي روحه ونكهته المختلفة عن روح ونكهة عصرنا، فقد منح الباحث قـُرّاءه قدرة على استقراء واستنباط ما وراء المعاني والدلالات الجاهلية، لإسقاطها على حاضرنا، وليس أدل على ذلك من حديثه عن اعتذاريات الشاعر النابغة الذبياني الذي مات قبل (1408سنوات)، وعن علاقة السلطة الشعرية بالسلطة السياسية أيام النعمان بن المنذر، وكأني به يذكرنا بحديث معالي الأستاذ الدكتور خالد الكركي عن المثقف الذي يضع  قدما في السلطة وقدما في المعارضة، وليتأمل القارئ قول د.يوسف العليمات عن مكافحة الفساد في العصر الجاهلي وليربطه بما يجري اليوم، يقول د.عليمات: إن خطاب النابغة الموجه إلى السلطة...يتسم بالتمويه والمراوغة ، وإن تلبـّس لبوس النصيحة، فهو خطاب يحث السلطة على التقليل من تشددها في محاسبة الفساد، أضفى الناقد على الشاعر الجاهلي صفة التأسيس لحياة شعرية عربية جديدة في روحها ووجدانها، مبرزا علاقاتها الإنسانية، مع القدر والوجود، وكثيرا ما تجاوز كل ما وصل إليه الأكاديميون والباحثون العرب حول ذلك الشعر، وكأني به يفتح صفحة جديدة تنشد إعادة قراءته من جديد، ومن الإشارات ذات الدلالة في الكتاب، انتباه مؤلفه إلى قيام شعراء الجاهلية، بتأليف قصائد هجائية على لسان النابغة، وإيصالها إلى النعمان بن المنذر، وهذه قضية لا تقل عن أهمية عما يشاع عن الانتحال في الشعر الجاهلي. ، ويتضح من هذا الكتاب أن المكائد والدسائس بين البشر قديمة، وإلا كيف يقول المنخل اليشكري للنعمان بن المنذر إن النابغة قد جرّب بزوجته..فيحقد عليه..ويتسبب في انتقاله من المناذرة إلى الغساسنة.

* كاتب أردنيم بهذه المهمة بكل نجاح، وذلك بالنظر لثقافته الموسوعية والشمولية، ومناقشته لكل الأفكار والقضايا من أوجهها المختلفة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش