الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ابنة الشهيد عصفور تنتظر عودته وتتحدث إلى صورته على الجدار

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

رام الله - الدستور - محمـد الرنتيسي
ما أن تسمع الطفلة ليال، ابنة (4) السنوات، عودة أعمامها من عملهم مساء، حتى تبدأ تنادي «بابا.. بابا»، فقد اعتادت هذه الطفلة أن يعود والدها الشهيد نشأت عصفور (35) عاماً، مساء كل يوم مع إخوته من عملهم، ويسارع لاحتضانها ومداعبتها.
أسرة الشهيد عصفور، كانت تعيش في منزل مشترك مع العائلة، في بلدة سنجل، شمال رام الله، قبل أن تنقل حديثاً، إلى منزلها الجديد، الذي بناه زملاء الشهيد في نادي سنجل الرياضي، الذي كان الشهيد عضواً فيه، وأحد عناصر فريقه بالكرة الطائرة، ومن ثم رئيس رابطة مشجعيه.
تقول والدة الشهيد نشأت، الذي سقط خلال مواجهة مع قوات الاحتلال أثناء اقتحامها البلدة، في الثامن عشر من كانون الأول العام (2015) خلال هبّة القدس الأخيرة، إن أطفاله الثلاثة: جمال (7) سنوات، محمـد (6) وليال (4)، يشعرون بانقباض وحزن شديدَين، مساء كل يوم، عند عودة أعمامهم من العمل، دون والدهم الذي ارتقى شهيداً، وقالت: «جمال الكبير، يدرك أن والده استشهد ولن يعود، لكن الآخريْن، الأصغرين، لا يدركان ذلك، ويعتقدان أنه ذهب وسوف يعود، ولهذا فهم ينتظرون عودته مساء كل يوم».

وفي كل يوم تسمع زوجته الثكلى، ذات الأسئلة القاسية من أطفالها: «بابا راح.. لكن متى سيعود»؟.. «غيبة بابا طالت.. متى سنراه»؟.. وقد جاء تأثير استشهاد نشأت على ابنه البكر جمال مختلفاً بعض الشيء، فقد أخذ هذا الطفل ابن سبع السنوات، يشعر بأنه غدا رجل البيت، وأن عليه واجبات ومسؤوليات كبيرة».
قالت والدته: «جمال فقد طفولته، وأصبح ينظر لنفسه كرجل عليه مسؤوليات كبيرة، فعندما يرى أمه تبكي يقول لها: ماما لا تبكي، بابا شهيد والشهيد حبيب الله، وقبل أن يذهب إلى مدرسته في الصباح، يسألها عن ما تحتاجه، وعندما يعود ظهراً يسألها أولاً عن احتياجات البيت، قبل أن ينزوي وراء كتبه».
طفلة الشهيد نشأت، دائمة السؤال عن والدها الذي طبع قبلة الوداع على وجنتها، وذهب إلى مواجهة جيش الاحتلال، ولكنه لم يعد.
يقول عم الطفلة عبد الرزاق: «عندما تنتبه إلى صورته المعلّقة على الجدار، تبدأ بالبكاء قائلة: (بدّي بابا).. ثم نشاغلها قليلاً حتى تنسى، لتعود إلى السؤال والبكاء من جديد».
ورغم عدم إدراك هذه الطفلة معنى غياب والدها، إلا أن إحساسها بالغياب جعلها دائمة الحزن والبكاء، فقد تغيرت حياتها كلياً، فلم تكن يوماً حزينة، ودائمة البكاء كما هي اليوم».
ليال، أصبحت تعيش حالة من التشوش الذهني، بعد رحيل والدها، فهي سعيدة لأن صور والدها تملأ الشوارع، ولأنه ذهب إلى الجنة كما قال لها الكبار، لكن عندما يحل المساء، ولا يعود، تبدأ بالسؤال عنه، ومتى يعود لاحتضانها وملاعبتها، وماذا سيُحضر لها؟.
«غالباً ما تقف ليال أمام صورة والدها المعلقة في غرفة الجلوس، وتتحدث إليه كما كانت تفعل وهو حي»، قالت جدتها، وأضافت: «نحاول ألا نترك أي فراغ في حياتها منذ استشهاد والدها، ولكن لا شيء يعوّض الطفل عن أبيه».
كان الشهيد «أبو جمال» أوصى أشقاءه وأسرته على طفلته بالذات، قبل أن يستشهد، وعن ذلك تقول والدته: «كان رحمه الله يعرف أنه سيستشهد يوماً ما، لذا كان يوصينا دائماً على ليال.
يقول أحد رفاقه: «كان نشأت مصمماً على الشهادة، ففي يوم استشهاده، لاحق جيش الاحتلال حتى مدخل البلدة، وكان يتقدم الصفوف، ونصحه الشباب بالابتعاد قليلاً، وأخذ الحيطة والحذر، لكنه لم يستمع لأحد، وكم حاولت أن أثنيه عن المخاطرة بنفسه في المواجهات، لكنه كان يجيبني دائماً: أنا لست صغيراً وأعرف تماماً ماذا أفعل، وكل ما عليك هو أن تعتني بأطفالي، في حال استشهادي، هذه هي مسؤوليتك».
والده أشار إلى أنه حاول هو الآخر ثني نشأت عن الذهاب إلى المواجهات، رأفة بأطفاله وزوجته، إلا أنه أبى، وذات مرة «لحقت به كي أعيده، لكنه رفض الاستجابة لرجائي له بالعودة، ومضى»، قال والده وتابع: «لإدراكهم أن مصيرهم قد يكون الشهادة، فإن الآباء من الشهداء دائماً يوصون على أطفالهم، قبل خروجهم إلى المواجهات».
نشأت، كان مرحاً، ينشر الفرح بين أصحابه، كلما قابلهم، وأبرز ما كان يميزه عن غيره، روح الدعابة، لدرجة أنه حتى عندما أصيب أثناء المواجهات، وصاح برفاقه، أن رصاص الاحتلال نال منه، وسقط على الأرض، ظنّوا أنه «يمزح» ويمارس طقوس الشهداء!!.
أطفال الشهيد نشأت، يشكّلون نموذجاً متكرراً في منازل الشهداء، الذين رحلوا وتركوا أطفالهم وأسرهم، فهناك كمٌّ وافر من الأطفال، من هم بحال جمال ومحمـد وليال، حيث قلبت قوة بطش المحتلين، أوراق الحياة النمطية لأطفال فلسطين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش