الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لوازم الانتخابات في الاشتباك التركي الأوروبي

عبد الحميد المجالي

الخميس 16 آذار / مارس 2017.
عدد المقالات: 107

تبتعد تركيا عن المسار الاوروبي اكثر من اي وقت مضى، بدلا من الاقتراب الحلم من القارة العجوز، بعد ان تقدمت بطلب رسمي للانضمام للاتحاد الاوروبي عام 1987، وخاضت مفاوضات شاقة منذ ذلك الوقت لتجاوز الشروط الاوروبية التعجيزية لبلد مسلم يحاول الانضمام لتجمع مسيحي تتصاعد فيه النزعة اليمينية المعادية للآخر عاما بعد آخر .

وفي الحقيقة فان اوروبا بعضها او كلها، لاترغب في ضم تركيا الى بيتها لاسباب دينية وسكانية واقتصادية . فالمخاوف الاوروبية من الغزو السكاني التركي لمجتمعاتها، تجعلها اكثر ترددا في الموافقة على الطلب التركي حتى لو اوفت انقره بالشروط الاوروبيه . ولهذا جعلت من المفاوضات حول هذه المسالة ليست سوى مجرد استهلاك للوقت، اذ كلما اوفت تركيا بواحد او اكثر من الشروط اخترعت اوروبا شروطا اخرى، وخاصة بعد ان وصل حزب العدالة التركي بنزعته الاسلامية حتى لو كانت معتدلة الى الحكم في تركيا .

وقد اتخذت العلاقات التركية الاوروبية مسارات مختلفة الاتجاهات والنتائج خلال العقود الماضية، ارتكزت على المصالح وخاصة الاقتصادية منها . ولكنها ظلت حذرة وقابلة للتوتر في اي وقت، على خلفية الاحتكاكات التاريخية والايديولوجية الظاهرة على السطح، واخرى غير المعلن عنها لاسباب مختلفة .

وقد جاءت الازمة الدبلوماسية الاخيرة بين تركيا وهولندا لتكشف عن الاسباب الكامنة وراء عدم تقدم العلاقات بين انقرة واوربا، فالاجراءات التي اتخذتها امستردام ضد الوزراء الاتراك يعبر في حقيقة الامر عن موقف الدول الاوروبية في معظمها، بدليل ان العديد من هذه الدول اتخذ موقفا مؤيدا لهولندا، واعرب عن استعداده لاتخاذ اجراءات مماثلة ضد المسؤولين الاتراك . 

ويبدو ان الحكومة الهولندية والحزب الحاكم فيها، اضطرا الى اتخاذ هذه الاجراءات تحت ضغط تعقيدات الانتخابات التي يصعد فيها اليمين المعادي للهجرة الخارجية، والذي يدعو الى هولندا نظيفة من المسلمين . ولذلك فان السماح لملايين الاتراك بنشاط سياسي داخل البلاد، يعزز من وجهة نظر اليمين حول رؤيته بان هولندا واوروبا كلها مهددة في هويتها . والامر نفسه ينطبق على المانيا وفرنسا وغيرها من الدول الاوروبية التي تشهد صعودا مخيفا لليمين المتطرف، الذي يعادي الاخر وعلى راسه الاسلام والمسلمين . ولاشك ان فوز ترمب في الانتخابات الامريكية قد اعطى اليمين الاوروبي جراة اكثر واعمق في التعبير عن ارائه المتطرفه .فاليمين والعنصرية يغزوان الغرب . وقد اعطى ارهاب داعش وغيرها من الحركات الاسلامية المتطرفة مبررا لهذا اليمين لكي يتسع ويتمدد ويحاول الوصول الى الحكم وصناعة القرار .

وفي الجانب الاخر، فان اردوغان بات عصبيا في قراراته وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وشعوره بان الاوروبيين وقفوا او ايدوا الانقلاب من طرف خفي . كما ان رغبته في تعزيز سلطته او شرعنة امساكه بكل تفاصيل الحكم عبر التعديلات الدستورية، تجعله يسمح لنفسه بتجاوز كل المحرمات الدبلوماسية في التعامل مع بعض الدول وخاصة الاوروبية الاقل قوة في القارة مثل هولندا. 

لقد فوجئ اردوغان بالاجراءات الهولندية، ولذلك كان رده عليها انفعاليا، وخاصة اتهام هولندا بالنازية والفاشية وهي تصريحات لاقت رفضا اوروبيا شبه جماعي .

وكان من الممكن لاردوغان ان يختار توقيتا اكثر ملاءمة لارسال وزرائه الى هولندا التي كانت على ابواب انتخابات حاسمة تخوض فيه الحكومة صراعا وجوديا مع حزب الحرية اليميني، غير ان اندفاع اردوغان للحصول على نسبة اصوات اكثر في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، جعلته يتجاهل ضرورات ومقتضيات التوقيت في التعامل الدبلوماسي .

الازمة التركية الهولندية هي في الحقيقة ازمة تركية اوروبية جعل منها الصراع على الاصوات اكثر حدة واثارة . ولاشك فانه من المتوقع ان تهدأ هذه الازمة بعد ان يزول عامل الانتخابات كعامل تصعيد، وبعد ان يتحقق كل طرف بانه حقق اهدافه الانتخابية من مبتدأ هذه الازمة وخلال مساراتها . 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش