الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أَساطير الخوف وأَسرار التجديد في رواية «ذئاب منويَّة» لأَحمد أَبو سليم

تم نشره في الجمعة 7 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

سليم النجار *

ما هي المعايير الجماليَّة الَّتي يمكن عبرها قراءة رواية ما، وتحديد قيمها الفنيَّة ودرجات تراتبيَّة النُّصوص الرِّوائيَّة من وجهة قيميَّة؟ وكيف يمكن لنا الحكم على جودة أَو رداءة نصٍّ روائيٍّ ما؟

لا بدَّ أَنَّ الإجابة على مثل هذا السُّؤال متشعِّبة، لكنَّنا، مع ذلك، لن نستطيع تقديم جواب مقنع دون أَن نأخذ بالحسبان عدَّة أُمور:

أَوَّلاً: إنَّ قوانين الرِّواية ليست قوانين نهائيَّة مغلقة، بل هي متحرِّكة، لانهائيَّة، متغيِّرة بفعل تطوُّر الرِّواية نفسها، ومن هنا، سيبدو ما كان شعريَّاً، وقيِّماً أَمس، بفعل التِّكرار، غير روائيٍّ اليوم.

ثانياً: إنَّ الكثافة، والإيجاز، والتوهُّج والسِّمات الَّتي يفترضها الكثير من النقَّاد العرب، ليست سمات مغلقة، بل هي سمات مفتوحة يمكن الإضافة إليها، والتجديد من خلالها.

ثالثاً: التنوُّع التجريبي في الرِّواية العربيَّة الَّذي يبدأُ ممَّا هو غنائي، ويقوى إلى ما هو واقعي، ووجودي، عابراً إلى وجهات سورياليَّة، ورمزيَّة، قد يؤكِّد أَيضاً على أَنَّ المعيار «الجمالي» ليس بعداً ثابتاً في قراءة نصوص الرِّواية.

رابعاً: تعدُّد مستويات اللُّغة، والأَساليب في الرِّواية العربيَّة الحديثة، يقف عائقاً في اعتبار هذه المستويات نوعاً من التقييم الفنِّي، وهذا ليس مقتصراً على الرِّواية فحسب، إنَّما ينسحب أَيضاً على قصيدة النَّثر، فهناك لغة مركَّبة، معقَّدة ( كأَدونيس) ولغة متقشِّفة، مسطَّحة، مباشرة، كلغة بعض كتَّاب قصيدة النَّثر في الأُردنِّ في بداية القرن الواحد والعشرين، وما بين هذين المستويين هناك مستويات وأَساليب متعدِّدة ومتنوِّعة.

وفي «ذئاب منويَّة» لأَحمد أَبو سليم الصَّادرة عن دار الفارابي-بيروت، لا بدَّ من وجود معايير ما، تشير في نهاية الأَمر إلى سؤال القيمة، وارتباط ذلك بالإطار النَّوعي للأَدب، لكنَّ هذه القيمة لا تصبح قانوناً أَزليَّاً، لأَنَّ ارتباط الرِّواية كنصٍّ مفتوح بالحداثة، وانبثاقاتها، وبالوعي ما بعد الحداثيِّ المتحوُّل، جعل سلَّم القيم الرِّوائيَّة متغيِّراً، ومرتبطاً ارتباطاً شديداً بتحوُّلات العصر نفسه، لذلك ستصبح قراءة هذه القيم محكومة بالتحوُّلات الزَّمنيَّة، وتصبح قراءة مؤقَّتة ترتهن لنتاجات جيل معيَّن، ولا ترتهن بالضَّرورة لإنجاز الرِّواية بشكل عام.

هل نحن أَمام رواية تعيش هذه الأَجواء الجماليَّة؟ 

يمكن لنا في رواية «ذئاب منويَّة» أَن نحدِّد جملة من المعايير الَّتي تمثِّلها الرِّواية، وتتجلَّى فيما يلي:

- الطاقة التخييليَّة: حيث حملت هذه الطَّاقة القدرة على استشراف الصُّور الشعريَّة الرِّوائيَّة البلاغيَّة، والمشهديَّة البكر، والوصول بالنصِّ إلى أَقصى درجاته الإبداعيَّة سواء على مستوى التجريب، أَو الموضوع، أَو الرِّسالة الرِّوائيَّة.

- النِّظام والوحدة، فأَفضى وجود هذا النِّظام إلى توسُّم معايير ثابتة في نسق الكلام الرِّوائيِّ، ووظيفته داخل النصِّ الرِّوائيِّ، وتميُّزه عن أَنظمة الفنون الأُخرى ووحدتها، وتميُّز الشَّكل الرِّوائيِّ عمَّا يجاوره من أَشكال روائيَّة أُخرى.

- مستويات اللُّغة: إنَّ تعدُّد مستويات اللُّغة في النصِّ الرِّوائيِّ، واحتشادها باليوميِّ، والتفاصيل الصَّغيرة، والسِّير الذَّاتيَّة القصيرة، أَعطى إشارات مهمَّة حول مستوى الرِّواية الفنِّي أُسلوبيَّاً، ودلاليَّاً.

- التنوُّع الإيقاعي: يتيح فضاء الرِّواية تنوُّعاً إيقاعيَّاً يجدِّد في صياغتها بين مرحلة ومرحلة، بين تيَّار روائيٍّ داخل هذا الشَّكل، وتيَّار آخر.

 حكايا اللَّيل..

لا بدَّ أَنَّ حياتنا موزَّعة في الوجوه الَّتي عرفناها، والأَماكن الَّتي أَلفناها، هذه الوجوه والأَماكن، إمَّا أَن تكون أَرحاماً أَو تكون مقابر، إمَّا أَن تضيِّع ما أَخذته منَّا، أَو تحفظه، ولهذا نعود إليها بين الحين والآخر، لنتذكَّر أَنفسنا، ونستعيد ما تساقط من هياكلنا، وهذا ما فعله أَحمد أَبو سليم بالضَّبط في وصف هذه الوجوه:

« لماذا كان المخيَّم يكرهني يا أَبي؟ كأَنَّه مرآة محدَّبة تحرق أَحشاءها، أَو قطَّة تأكل أَبناءها.....

كنتُ أَخاف كلَّ شيء فيه، خمسة أَيَّام أَقضيها في الدَّير، ويومين في بيت جدَّتي أَتعلَّم فيها التوجُّس، والرَّيبة، والخوف، حتَّى بلغتُ السَّادسة عشرة.....ص16»

إنَّ أَبو سليم له قدرة على تمييز الجوهر من العرض، وإذا كان في الوقت بقيَّة تكتمل فيها النَّشوة الَّتي لم تكن بالنِّسبة لنا حسيَّة، فلا شيء يستحقُّ أَن يُحرص عليه، لا المال، ولا الغد، ولا أَيِّ شيء آخر:

«- لقيط؟

- نعم... جدتك على باب الدَّير وعمرك يوم واحد، وتركتك لهم أَربع سنوات ثمَّ استعدتك، أَو لنقل تقاسمتك وإيَّاهم....ص14»

كما ذهبت الرِّواية إلى منحى آخر، تكشَّف فيه العقل الجماعيُّ، الَّذي لا يشبه النَّوبات العقليَّة المتقطِّعة للجماهير، ورصد الرِّوائيُّ هستيريا الحرب:

«تحدِّثني عن بطولات لو صدَّقتها لما استطعتُ أَن أُصدِّق ضياع فلسطين.

إذا سأَلتُها عن سبب مصيبة تقول: اليهود.

وإذا سأَلتها عن تدخينها تقول: اليهود.

وإذا سأَلتُها لماذا أَنا لقيط تقول: اليهود.

وإذا سأَلتُها عن البؤس، أَو الحزن، أَو القلق، أَو الضِّيق، أَو الفقر، تقول: اليهود....ص20»

إنَّ هذه الهستيريا لا تخلق الأَساطير بل الأَيدولوجيَّات، وهذه الأَيدولوجيَّات تؤوَّل إلى نوع من الأَساطير المحدَّثة: 

«النَّاس فجأَة هربوا من أَنفسهم، راحوا يتخفُّون خلف الدَّشاديش البيضاء واللِّحى، ويردِّدون كلاماً لا يعرفون معناه، ويُساقون كقطيع الماعز، كيف انقلبتْ تحالفات البشر؟ كيف انقلب العالم هكذا، فجأَة، رأساً على عقب؟ لماذا تغيَّر النَّاس؟ هل هم من تغيَّروا بالفعل أَم أَنا الَّذي تغيَّرت، وما عدتُ قادراً على التأقلم مع الحياة؟ص 283»

إنَّ هذا الإحساس النمطيَّ بالمشاركة الجماعيَّة قد طوَّر إيقاعه الملائم من خلال الشَّعائر والصَّلوات، والرَّقص والغناء، وكما انضبطت الإيقاعات الدَّقيقة للمخيِّلة الرِّوائيَّة لتلائم المرئيَّ من شجر وحجارة، وانضبطت الإيقاعات الدَّقيقة للأُذن، لتلائم الأَصوات الخارجيَّة في العالم المسموع، فإنَّ الإيقاعات الأَعظم لحياة الجماعة ضبطت نفسها كذلك، لتصبح هي الحسَّ بالسرِّ المُحتجب، وقد ترك هذا الحسُّ بالسرِّ بصمته على المعرفة:

«يعيش واقعاً من وهم، ومستقبلاً معجوناً بالوهم، الحقيقة وهم، والحرب الَّتي خاضها مرغماً وهم، والسِّلم الآن وهم، والبلاد الَّتي يؤمن بها وهم، وحبُّه لآذار وهم، وهم، وهم، والوهم وهم، وهم...وهم...وهم...ص 286»

هكذا يمضي المنطق الأُسطوريُّ إلى فروض مختلفة عن منطق الرِّواية، والواقعيَّة الماديَّة، ويعمل بقوانين مختلفة، إذ إنَّ الأَسئلة الجوهريَّة حول الأُسطورة تتَّخذ صيغاً مختلفة. إنَّ التَّفكير الرِّوائيَّ يفترض دائماً موقفَ: إمَّا...أَو، فهل صار فرعون بعد موته على سبيل المثال هو نفسه أوزوريس، أَم لا؟ وهذا السُّؤال ينطبق على شخصيَّة إدريس الأَب في «ذئاب منويَّة»، فالكاتب جعل من شخصيَّة إدريس الأَب، في جوهره، مومياء، كما لو أَنَّه يحفظ رمزيَّاً، وربَّما سحريَّاً، الكائن الفرد، الَّذي كان الجسد ينتمي إليه يوماً.

إنَّ مثل هذه الأَسئلة لا تسمح بإجابات روائيَّة واضحة، وإنَّه لأَمر مهمٌّ من أَجل فهم الأُسطورة داخل النصِّ الرِّوائيِّ أَن نبحث عن السَّبب، فالرِّواية لا تنشد الوضوح الظَّاهريَّ المناسب لإفهام عامَّة القرَاء، ثمَّة هناك «أ» و»ب» وهما ينتجان حين يتداخلان مركَّباً اسمه «ك» وهذا المركَب المُسمَّى «ك» يمكن أَن يتحلَّل في أَيَّة لحظة إلى مكوِّنيه : «أ» و «ب» أَو يبقى ثابتاً ذا خصائص معيَّنة ما يجعل رؤية «أ» و «ب» في بعض الأَحيان، أَقرب إلى المستحيل.

فإدريس الأَب «أ» قد يبدو مستقلاً للوهلة الأُولى عن إدريس الابن «ب» إذ إنَّ لكلٍّ منهما سماته، وأَبعاده المكانيَّة والزَّمنيَّة والسيكولوجيَّة الخ...لكنَّهما يتَّحدان في لوحة سورياليَّة بحاجة إلى كثير من التمعُّن، والتدقيق، لتشابك خيوطها، وأَلوانها، يتشاركان في تعرية الواقع الممتدِّ زمنيَّاً بينهما، وعلى رقعة جغرافيَّة واسعة، كلاهما ينصهر في الآخر في لحظة ما ليكشف حقيقة المخيَّم الَّذي لا يمكن له أَن يكون وطناً بحال من الأَحوال:

« في اللَّيل، في جوف اللَّيل، يصعد الهمس حارَّاً كبخار الماء....أَشعر به يحرقني....

- أَنا كتبتك، أَنت لا تعرفُ كم كتبتك.

- وأَنا قرأتك...لا تعرف كم قرأتك.

- كم حلمت بك!

- اثنين وعشرين عاماً في السِّجن وأَنا لا أَعرف بوجودك...

- كنت أَشربك، أَتنفَّسك، أَنام فيك، وأَصحو فيك، وأَسأَل: كيف كان بوسعك أَن تعبر الزَّمن إليها؟

- آذار أُمُّك يا إدريس.. أُمُّك.. أَلم تبحث طوال عمرك عن أُمِّك، وأَبيك؟ أَنا أَبوك.

- أَنا لا أَسمعك.. لا يمكن أَن أَفهم ما تقول.

- تزوَّجتها في الحصار....وأَنجبَتْكَ في زنازين المخابرات.

- لا أَفهمك.

- قتلوها حين عادت وأَنت على يديها.

- أَنا أَتحدَّث عن آذار أُخرى...غير آذارك الَّتي ماتت، لماذا لا تفهمون ذلك؟

- لا يوجد أُخرى....صدِّقني...لا يوجد سوى أُمِّك.

- بلى....يو...جد...

- أَلم تبحث طوال عمرك عن أُمِّك، وأَبيك؟ 

- أُريد أَن أَعود لقيطاً كما كنتُ.

كيف تختلط الأَوراق ويعاد توزيعها وأَخرج مع ذلك في كلِّ مرَّة بالورقة ذاتها؟

كيف تختلط الأَقدار ويعاد توزيعها وأَخرج مع ذلك في كلِّ مرَّة  بالقدر ذاته؟

كيف تختلط الوجوه والملامح ويعاد توزيعها وأَخرج مع ذلك في كلِّ مرَّة بالوجه ذاته،  والملامح ذاتها؟

هو لا يصدِّق أَنِّي لا زلت على قيد الحياة، وأَنا لا أُصدِّق أَنَّه لا يزال على قيد الحياة.

هو لا يصدِّق أَنَّه يلمسني أَنا، لا يصدِّق أَنَّ رأسه على صدري أَنا، وأَنا لا أُصدِّق أَنَّ رأسه على صدري...أَنا.

يخرج إلى المخيَّم الَّذي ما عاد مخيَّماً، ويتجوَّل في شوارعه.

وأَنا أَخرج إلى المخيَّم الَّذي ما عاد مخيَّماً، وأَتجوَّل في شوارعه.

هو لا يصدِّق ما يرى، وأَنا لا أُصدِّق ما أَرى.

هو ضائع، وأَنا ضائع.

هو يبكي، وأَنا أَبكي.

هو يتلمَّس ببقايا أَصابعه المبتورة شعور الأَطفال الَّذين يلعبون الكرة في الشَّارع، وأَنا أَتلمَّس بأَصابعي المرتجفة شعور الأَطفال الَّذين يلعبون الكرة في الشَّارع.

يفاجئني... أُفاجئهُ.

يقرؤني... أَقرؤه.

يكتبني... أَكتبه...

يسأَلني: من أَنت؟

أَسأَله: من أَنت؟

هو مكسور...وأَنا مكسور.

- لماذا عدتَ؟ لماذا لم تذب بالأَسيد؟ لماذا لم تمت في السِّجن؟ لماذا؟ يسأَلني، ويسود الصَّمت....ص «

ثمَّ يقول:

«الفلسطينيُّ مصاب بعقدة البيت، يفني حياته في العمل من أَجل أَن يبني بيتاً لا ينازعه عليه أَحد، ربَّما على العلماء أَن يدرسوا هذه الظَّاهرة، وعلاقتها بالهجرات المتتالية، وضياع الوطن....ص 303-304»

وعليه، يمكن القول إنَّ الأُسطورة في الرِّواية، ليست مجرَّد وثيقة تنظر إلى الماضي، بل علينا كقرَّاء، وكتَّاب أَن نغيِّر هذه النَّظرة وأَن ننظر إلى الأُسطورة على أَنَّها من حكايا الحاضر والمستقبل، حيث يكون اللَّيل، وحكاياه هو البوصلة للفهم، والوعي، بما يدلِّل على رمزيَّة اللَّيل الَّذي يؤشِّر إلى ولادة نهار جديد:

«حملتُ السِّلاح، والذَّخيرة، وعدت إلى البيت، أَحسب، حين يصبح ثمن الرَّصاصة أَقلَّ من ثمن رغيف الخبز، عليك أَن تدرك أَنَّ الطوفان قادم لا محالة.. إذ ثمَّة إذن من يدفع الثَّمن الحقيقيَّ للسِّلاح كي نموت به....ص 285»

إذن فالموت هو أُسطورة الحياة، على الأَقلِّ، هذا ما صوَّره الكاتب في الرِّواية، فالموت في «ذئاب منويَّة» لا يلد إلاّ الأَساطير المتجدِّدة، ولكلِّ جديد حكاية، ولكلِّ متجدِّد أَسراره.

 صورة الرِّواية

ما الفرق بين أَن نقرأَ صورة وأَن نؤوِّلها؟ قراءة الصُّورة ربَّما عمل تصنيفيٌّ ينصرف إلى البحث في الحدود، وينشغل « باستجلاء» ال» مكنونات» و»القيم» و»الوظائف» إنَّه بتعبير نظريٍّ تمثيل لخبرات الوعي في تمييز الأَثر الجماليِّ، وإفراغ له في مفاهيم وحدود» كيف لامرأَة أَن تكون خارج الوصف والكلام؟ كيف لامرأَة أَن تكون البسملة والفاتحة والختام؟....كان اسمها...آذار..ص10»

أَمَّا التأويل فعمل يتعلَّق بالمعنى، إنَّه تجاوز للآلة النَّاقلة، وانشغال بالمعلول على العلَّة، فما العلَّة إلا حامل للقصد بمستوياته الرمزيَّة والفكريَّة والدَّلاليَّة» إن كانت الدُّنيا ضدَّك فهي ضدَّك...ص 62»

لكن، ما الَّذي سيحدث لو حاولنا أَن نفكِّر باللُّغة السَّرديَّة باعتبارها صورة، هل سنحتاج فقط إلى حدود القراءة، أَم لا مناص لنا من التأويل؟

لن أَبحث هنا عن إجابة نظريَّة، بل سأُحاول عرض مقطع سرديٍّ، أَتصوَّر أَنَّه أَفضل إجابة على السُّؤال:

«كانت العتمة آنذاك أَشبه بعتمة القيامة، والملائكة يصعدون ويهبطون، ونور ما ينبعث من نقطة قريبة يغشي العيون...ص 104»

إنَّ الصُّورة الَّتي تؤلِّف بين هذه السِّمات والمكوِّنات في وضعيَّة أُسلوبيَّة لافتة لا يمكن أَن تُنجز إلاّ مرَّة واحدة، في سياق واحد:

«رآهم بعينيه وهم يقتحمون زنزانة النِّساء في اللَّيل، وهم يتناوبون عليها وعلى بقيَّة النِّساء، رآهم، وصرخ، وصرخ، وصرخ، وبكى، وانتحب، وكفر، وجنَّ جنونه، وسأَل: أَين الله؟ والله لم يكن موجوداً هناك، أَو ربَّما أَجَّل حضوره لحكمة لا يعلمها إلاّه...ص133»

والحقيقة أَنَّ «ذئاب منويَّة» ستشمل –برغم كلِّ تقاطعاتها وتداخلاتها الدراميَّة تلك- نسيجاً بليغاً من الصُّور الرِّوائيَّة، المتجانسة أَشدَّ التجانس في تمفصلها السِّياقي الموحي بحدَّة الانفصام الَّذي طبع جيلاً بأَكمله، ومرحلة برمَّتها، أَهمُّ ما يميِّزهما ضياع الذَّاكرة، وفقدان القدرة على الاستشراف، وإعاقة الطموح:

«كلُّ المحاولات الَّتي بذلتها للوصول إليها باءت بالفشل، فاستسلمتُ لغيابها مرغماً، ورضيتُ به، لكنَّها مع ذلك كانت تعشِّش في أَعماقي، لا تغادرني أَبداً.....ص35»

الشَّيء الأَكيد إذن أَنَّ «ذئاب منويَّة» لحظة أُخرى في حوار موضوعيٍّ احتدمت فيه بصخب أَصوات الفلسطينيِّ، والمخيَّم، وفضاءات المنافي عبر محطَّات المشروع السَّرديِّ الطَّويل لأَحمد أَبو سليم، وهي في هذا السِّياق فرصة جديدة لإثراء بلاغة الانكسار بتنويعات تخييليَّة طالما ولع الكاتب باستدعائها وتضمينها، غير أَنَّ الَّذي لا شكَّ فيه أَيضاً أَنَّها تمثِّل تشخيصاً جماليَّاً لهموم روائيٍّ اختار أَن يكون كاتباً للتنوير والثَّورة، وشاهداً على زمن التفكُّك والخراب للضَّمير الإنسانيِّ.

«ذئاب منويَّة» رواية يخرج القارئ بعد قراءتها مثقلاً بالقلق والعذاب والأَسئلة، ما يغريه بمعاودة قراءتها مرَّات، ومرَّات.

* كاتب من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش