الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشاعرة إيمان عبد الهادي: الشعر ذلك العشبُ الضار في الحديقةِ الخلفيّة!

تم نشره في الأحد 9 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

عمان - الدستور - عمر أبو الهيجاء

المعاناةُ الإنسانيّةُ هي معاناتي، لا أستطيعُ القولَ إنّها معاناةُ أحدٍ سواي! أتوحّدُ مع الإنسانِ الجمعيّ في كلِّ مأزق ومخاطرة، هذا ما ذهبت إليه الشاعرة والأكاديمة الدكتورة إيمان عبد الهادي، مؤكدة أن الخليّةُ الأحاديّةُ لا تقلُّ شعريّةً عن الدّيناصور والماموث، والحوتِ الأزرق، مشيرة إلى أن  ميزةَ كلّ الشّعراء، محاولتهم لاختزال العالمِ على المستوى الواقعيّ، واختصارِه، وتمديدُهُ على المستوى النّصّي.

«الدستور»، التقت الشاعرة والناقدة د. عبد الهادي، صاحبة ديوان»فليكن»، وحاورتها حول منجرها الشعر والنقدي، إلى جانب قضايا إبداعية أخرى فكان هذا الحوار. 

* الشاعرة إيمان عبد الهادي، متى أخذتك القصيدة إلى السباحة في بحورها؟

- إن كنتُ قد فهمتُ السّؤالَ بشكلٍ جيّد، فالشّعرُ لا يعدو أن يكونَ تجديفاً، ومغامرةً في الأعماق، أن تتحوّلَ إلى سمكة، ولا تستطيع بعد ذلكَ العيشَ إلّا في الماء، هذا هو الشّعر. أمّا (متى)، أخذني، فأنا مأخوذةٌ على الدّوام! الشّعرُ متاهة، لا يمكنُ الإحالةُ فيها على البحرِ فقط؛ حتّى وإن اشتُّقَ المجازُ في تسميةِ بحورِ الشّعرِ من هناك، يمكنُني الإحالةُ على الصّحراء، عزلاءَ متجرّدةً من كلّ أدواتِي الحضاريّة المدنيّة، اللغةُ الوحشيّةُ الخام، الصّرفةُ المحضةُ البدائيّة، اللغةُ الهاتفةُ بي كالسّرابِ من كلّ صوب، إنّها نداءُ السّكون والاستيحاش والمغامرة، ذلكَ يشبهُ الدّخولَ في آلةِ الزّمن، الشّعرُ يشبهُ الأرجوحة، إنّ خفقةَ الزمن بينَ العلوّ والهبوطِ في ذلكَ الجزءِ الذي يتوقّف فيه القلب، هو نصٌّ كذلكَ، والإجابةُ عن (متى)، تبدو عويصةٌ وبعيدة.

*  المطلع على تجربتك الشعرية، ومن خلال مجموعتك «فليكن»، يرى اشتغالا على التفاصيل في المعاناة الإنسانية بوعي وفلسفة عميقة، إلى أي مدى تشغلك هذه التفاصيل؟

- المعاناةُ الإنسانيّةُ هي معاناتي، لا أستطيعُ القولَ إنّها معاناةُ أحدٍ سواي!، إنني أتوحّدُ مع الإنسانِ الجمعيّ في كلِّ مأزق ومخاطرة. لا أستطيعُ الكتابةَ عن مكابداتِ الآخرينَ، وكأنّني أترفّعُ عنها، وما ينبغي لي، تبدو لي أوجاعُ الإنسانِ اليوميّة أقصويّةً، وعتيقة، وبالمجملِ فهي فنتازيّةٌ بوجهٍ من الوجوه. مرّةً قال يوسّا، إنَّ صفةَ الفنتازي، تتضمّنُ الكثيرَ من المراتِب المختلفة: السحري، والإعجازي، والخرافي، والأسطوري، وأنا أقول: الإنسانيّ، والواقعيّ، واليوميّ. الشّعرُ يحتاجُ إلى عزلةٍ وانتظارٍ وألم، وربّما إلى كارثةٍ صغيرةٍ تمتحنُ أنسانيّتنا وتعيدُ صَوْغَ مكابداتِنا الخام.

وحينَ يُحدّقُ الشّاعرُ إلى كلِّ ما يُحيطُ بهِ من معاناةٍ إنسانيّة، يشعرُ أنّها تستهلكُهُ، وأنّهُ واقفٌ على الحافّةِ، مشرفٌ على الانتحارِ على المستوى النّصّيّ، وفي لحظةٍ أخرى داخل هذا الزّوال، يعتقدُ أنّهُ – حتى لو لم يكن ذلكَ صحيحاً – ليسَ آخذاً بالتّبدُّدِ بل بالتأبّدِ! كانَ الشّعرُ يقولُ لي: إذهبي بعيداً في الفنتازيا، بصرفِ النّظرِ عن الحقيقة، بعيداً في العجائبيّةِ، كوني تلقائيّةً وهشّة، ولا تفكّري كثيراً في الخطوةِ القادمة، حتى لو سقطتِ في الهاوية. شيّدي صرحَ النّصّ، حتى وإنْ تقوّضَ معمارُك!

* «فليكن»، عمل شعري تبحرين فيه في المادة التاريخية والموروث الديني، من خلال بعض التناصات برؤى جديدة بعيداً عن الواقع المأزوم، ما الذي أفدته من هذه الإسقاطات على نصك الشعري؟

- أسألُ نفسي، كما سألَ عنترةُ قبلَ مرّة: هل غادرَ الشّعراءُ من متردّمِ؟ أكثرُ ما يحبِطُ، هو أنّنا مهما حاولنا أن نكونَ تنويريين وأن نسبقَ إلى مجدِ التّجديدِ، فإنّهُ ولا شكَّ- مسبوقٌ من أبي العلاء وبورخيس وإليوت. وأظنَّ أنّ أي عملٍ شعريٍّ سيستلهمُ مستويينِ في الكتابة: مستوى الواقع ومستوى التّاريخ/ التّناص وبينهما تتعدّدُ مستويات النّصّ: فبعيداً عن الواقعِ المأزوم، يغدو الشّعرُ هروباً، وخلقاً لعالمٍ موازٍ.

يتجاسرُ الشّعرُ للوصولِ باللغةِ إلى أن تكون أسَّ الكون (اللحظةُ الجيولوجية الآفلةُ من عمر الأرض، والقادمةُ استشرافاً، و»الآن» ما هو الآن؟!)، يتجاسرُ الشّعرُ لتعريفِ ما هو هائلٌ لا يُدركُ، وما هو متناهٍ في الصّغرِ، يتدنّى/ يترقّى إلى المايكروسكوبيّ في الكائنات، التي لا تقلّ في وجودها تعقيداً عن تلكَ الهائلةِ الممتدّة، فالخليّةُ الأحاديّةُ لا تقلُّ شعريّةً عن الدّيناصور والماموث، والحوتِ الأزرق، ولو لم يكن ذلكَ وجيهاً بيولوجيّاً فلن أستنزفَ نفسي في إقناعِ القارئ بجدوى كلِّ ما اقترفت، إلّا من خلالِ الكتابةِ المتعدّية، والكتابةِ مجدّداً.

* برأيك وأنت الشاعرة والناقدة، ما هي الأسس التي اعتمدتها في قراءتك لإشكالية النص بحسب نظريات القراءة والتأويل؟

- لا يمكنُ القولُ فقطِ إنّ للنّصّ إشكالياتٍ عدّة، بل إنَّ النّصّ في ذاتِهِ هو الإشكاليّة، وإنَّ أفضلَ القصائدِ برأيي، هي تلكَ المتعسّفةُ التي تختطُّ لنفسِها مساراً متطرّفاً، وإلّا فهي استنساخٌ فجٌّ، ليسَ بوسعِهِ أن يصنعَ مأزقاً. المادّة الأوّليّة لأيّ فكرةٍ موجودةٌ في الحياة، وعلى الشّعرِ أن يكونَ معقّداً وأصيلاً، أمّا التأويلُ فهو قراءةٌ مركّبةٌ لهذا النّصّ الذي يتمرحلُ في عدّةِ أطوار.  أزعمُ أنَّ التّقليدَ المنطلِقَ من تبعيةٍ وإيمانٍ وتماهٍ واستخذاء، سيعكس وجهاً ليسَ وجهَ الشّاعر، وليسَ بوسعِ التأويلِ محاورتهُ، أقصى ما يحتاجُهُ هو قراءةٌ شارحة، وإنّ كانَ أبعدَ قليلاً، فقراءة تفسيريّة، التأويلُ باطنيٌّ غنوصيّ، يعتمدُ أسُساً جماليّةً وتكنيكيّة في النّصّ المدروس.

* هل استطاع النقد العربي الحديث البناء على النظريات النقدية في تراثنا العربي القديم، والخروج بنظرية نقدية حديثة يمكن الاعتماد عليها مستقبلا؟

- يبدو كلّ ما هو عربيّ الآن عشوائيّاً، وممعناً في الفوضى، وغيابِ العلامة، لأينَ هي البوصلةُ في كلِّ ما هو عربي؟ أمّا (مستقبلاً)، هذهِ فتحتاجُ إلى استشرافٍ، وبصيرةٍ رؤيويّة، هناكَ نقدٌ عبقريٌّ تأسّس على التّراثِ كما هو لدى: محمّد غنيمي هلال، وجابر عصفور، والجابري، وأدونيس، والعروي. ولكن هل يشكّلُ النّقدُ الحداثيّ للتّراثِ منهُ وإليهِ: تيّاراً أوحركةً أو ظاهرةً فكريّة أوعملاً مؤسّسيّاً؟ لقد قامَ الأدبُ بالدّرجةِ الأولى على فكرةِ الحريّة المركّبة، وكانت هذهِ عقيدتُه، من ثمَّ فإنَّ تفكيكُ المعقّد هي لعبةٌ مُذهلة من قبلِ النّاقدِ والفيلسوف، في تلكَ اللحظةِ بالذّاتِ من الماضي إلى الحاضِرِ إلى النّبوءة، يمكن الحديثُ عن (بناء)؛ لأنّ هذا النّوع من التّجربةِ المزدوجة، هو المطلبُ الحضاريُّ الأوّل.

* ما بين النقد والشعر، هل تمارسين النقد بقسوة على نصك الشعري؟

- يعتقدُ الشّاعرُ أنّهُ مؤلِّفٌ حسبُ داخِلَ نصّهِ؛ لكنّهُ في حالاتٍ كثيرة، لا يستطيعُ الفكاكَ من كونهِ مارسَ نقداً عنيفاً أو متواطئاً تجاه النّصّ كذلك. النّصّ الذي يولِّدُ فينا، منذُ مطلعِه، فضولاً جارفاً للقراءةِ، وإعادةِ القراءة، والتأويل، فلا يتركُ إلى جوارِهِ مكاناً لأحدٍ سواه؛ لأنّهُ يتوحّدُ حلولياً، أمّا الآخر: النّقد أعني، فهو كامنٌ فيه، كأنّ كلّ نصٍّ يولَدُ مع ندِّهِ المقاوِم، إنّهُ جهاز المناعةِ فيه، ضدّ الاستسهالِ، والتّقليد والاجترارِ، وقلّةِ الخيالِ والحيلة.

القسوة؟ القسوةُ جيّدة، القسوةُ ضروريّة. ولعلّ ميزةَ كلّ الشّعراء، محاولتهم لاختزال العالمِ على المستوى الواقعيّ، واختصارِه، وتمديدُهُ على المستوى النّصّي، وربّما إعادةُ خلقِه، وما هذا إلّا تدخّلٌ نقديّ من أجلِ صناعةِ الشّعريّ.  لقد أصبحَ النّقدُ نصّاً على النّصّ. الشّعرُ يواسيني، يجيبُني عن أسئلتي الصّعبةِ، ويمنحُني أخرى بلا إجابات.

الشعرُ يحتوي أكاذيبَ كبرى، وجمالاً خُلَّبيّاً ضدّ الخيبات، وحرّيّةً فاتنة مطّردة، وكأنّني ذهبتُ إلى منطقةٍ محرّمةٍ في الذّهن: تسمّى الهاوية/ الهُويّة! ولم أعدُ أريدُ أن أتذكّر الأشياء إلّا بما هي رموزٌ وأشواقٌ إلى عالمِ الرّوح. أخيراً فإنَّ النّقدَ إزاء بحيرةِ الجليدِ الشّاهقةِ في الإلغازِ والجلال، هو كسرُ الجليد.

] إيمان عبد الهادي شاعرة حصلت خلال مسيرتها الإبداعية على العديد من الجوائز، ما الذي تعنيه لكِ هذه الجوائز؟

- الجوائزُ مهمّةٌ، في حينِ أنّها لا تصنعُ شاعراً عظيماً، حجمُ الشّاعرِ لا يُقاسُ بطابورِ الجوائزِ التي تصطّفُّ وراءه، وإن كانت مؤشّراً جيّداً – أحياناً - لقيمةِ إنتاجِه.

الشّاعرُ الذي يجلسُ في فوهةِ البركان، ينضجُ وينصهر، حتى لا يبقى من جوهرِهِ سوى ذلكَ اللحنِ النّاريّ الخافتِ، كقبسٍ عتيق، لا يمكنُ أن يُميّعَ وجههُ، ويمارسَ الكُدية، ولا يمكنُ أن يتحوّلَ إلى متسوّلِ جوائز، وإلّا سيخذلُ مشروعَهُ، ويسقطُ. الشّاعرُ هو مفاجأةُ الحياةِ الباهتة، ولكنّهُ في كلّ قصيدةٍ يقدّمُ مفاجأةً كبرى، وأحلاماً ساطعةً، وكنوزاً لا تنقضي. نصٌّ يتوعّدُ القارئ إن كانَ آمناً، يصيرُ بيتَهُ/ العراء إن كانَ طريداً، يقلبُ حياتَهُ إن كانَ مستقرَّاً، يهديهِ إن كانَ ضالّاً،تلكَ الأصابعُ التي تتسلّلُ إلى ما هو متناهٍ في الخلق(قد يبدو ذلكَ مفتعلاً): تلكَ هي الجائزة!

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش