الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تأثير الإشاعة على الفرد والمجتمع وسبل الوقاية منها

د. محمد طالب عبيدات

الأحد 16 نيسان / أبريل 2017.
عدد المقالات: 283

الشائعات المغرضة تكثر في وقت الازمات والتي غالباً ما يكون مصدرها الجهات المناوئة والمستفيده منها لغايات تحقيق أهدافها في العمق الاستراتيجي لدس السم بالدسم، والحذر واجب في هذا السياق. ومن المسلّمات المعروفة أن الإشاعة أكثر فتكاً ودماراً للفرد والمجتمع من الأسلحة الكيماوية وحتى النووية لأنها ببساطه تخترق العقل لا الجسد، ولذلك فإن صدّق الناس كل ما يقال فإنهم في غفلة من أمرهم وساذجون وبعضهم سفهاء وغير قادرين على تمحيص الغث من السمين وربما غير قادرين على التثبّت أو بعضهم ليس رشيداً مصداقاً لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

والإشاعة أشدّ فتكاً من القتل حيث أنها وسيلة للفتنة والوقيعة بين بني البشر وهدر الدماء وإضاعة الحدود لقوله تعالى: (والفتنة أشدُّ من القتل)، وهي تعمل على شق الصف والعبث بالوحدة الوطنية، وتعمي الناس عن الحق والصراط المستقيم، وهي بالتالي أداة وبيئة خصبة للفاسدين والمفسدين وأصحاب القيل والقال، ولذلك فهي معول هدم لا بناء، وتجذّر الطاقة السلبية والإنهزامية وعدم الثقة بدلاً من الإنتاجية والطاقة الإيجابية.

وتساهم الإشاعة في الكثير من الآثار السلبية والمدمّرة على الفرد، ومن ذلك على سبيل الأمثلة لا الحصر:خلق حالة القلق والعبث بالصحة النفسية للأفراد والمواطنين،من خلال الحرب النفسية سواء الباردة أو الحامية وتحطيم المعنويات واستبدالها بالتواكل والتخاذل والسلبيات، وبالتالي تؤثّر على أمنهم المجتمعي، وإرباك وزعزعة الثقة بالمنتجين وخزّانات التفكير والعلماء والساسة والشيوخ والمشايخ وغيرهم، والمتأثرون من ذلك الصالحون والأبرياء والشرفاء والعظماء والشخصيات العامة، واستبدال روحية العطاء بالروح السلبية والقيم الكاذبة والمفبركة، وإضعاف الثقة بالنفس، وانهيار منظومة القيم والأخلاق وظهور السطحيين والضعفاء ليسيطروا على المجتمعات ويصبحوا مصدرا للمعلومة وأصحاب قرار، والتشهير وتشويه سمعة العلماء ودعاة الحق والمسؤولين الشرفاء والإتهام الجُزاف بالخيانة والتقصير وعزف الأوتار وأمور أخرى.

كما تساهم الإشاعة في إيقاع العداوة والبغضاء بين الأفراد والأسرة والمجتمع على السواء، وبث الرعب بين الأفراد وغرس بذور الفتنة الطائفية ونشر الأحقاد والكراهية وخلخلة الاستقرار، والطعن في نزاهة ومصداقية الكبار، سواء كبار السن أصحاب الحكمة أو كبار المسؤولين أو كبار العقول أو كبار رجالات الدولة أو كبار رجالات الدين وأي صفة أخرى للكبار، وقتل روح الإبداع والإنتاجية لدى الشباب كصناع وأدوات للتغيير وقيادات للمستقبل، وخلق حالة فقدان الثقة وتلاشي مفهوم القدوة الحسنة، والإيمان بأن الإشاعة تكون أحياناً اغتيال شخصية أو إنجازات وطنية أو بطولة، أو تضخيم أو تقزيم لفكرة أو حدث أو مناسبة أو معلومة أو شخص بهدف بعيد أو قريب المنال للجهة المستفيدة وهنالك ضحايا وهنالك جامعو وقانصو فرص فيها، وخلق أجيال مهزوزة وغير سويّة وفاقدة للثقة بنفسها ومن حولها وكل الناس، وهذا بالطبع عكس سنّة الحياة، والقائمة تطول حيث هنالك الكثير من الآثار المدمّرة والسلبية على الأفراد وبالتالي على المجتمع برمّته.

وللإشاعة آثار مدمّرة على المجتمع منذ زمن الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلّم، وحوادث الإشاعة في هجرة الحبشة ومعركة أحد وحادثة الإفك وغيرها معروفة للجميع لغايات الإساءة للإسلام، وحديثاً إشاعات عطلة مناسبة عيد الإسراء والمعراج لدس السم بالدسم للفتنة الطائفية، وكذلك إشاعات كثيرة حديثاً، تهدف لزعزعة الثقة برجالات الدولة والأجهزة الأمنية، وغيرها، فالإشاعة تهز كيان المجتمع بأسره وتؤثر على مؤسسات الدولة وأدائها والثقة بينها وبين المواطنين، والإشاعة تروّج حملات وأخبار كاذبة وإتهامات باطلة من مجهولين حاقدين أو عدوانيين أو منتفعين أو ساذجين أو كذّابين أو باحثين عن أدوار وشهره أو شوفيين أو فاسدين أو متربصين وغيرهم، وجلهم ضعيفو إيمان وناقصو عقل ودين وفارغو روحانية وإيمان، وزعزعة الأمن المجتمعي كجزء من الأمن الشامل وإثارة الفوضى في أوساط المجتمع، وإضعاف الروح المعنوية ونشر الخوف والتردد، وإعاقة رُقي المجتمع وتقدّم الدولة ونموها وإصلاحها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبث الروح السلبية وتشجيع منبت المسؤول المهزوز والمتردد والخائف.

ومروجو الإشاعة يعيقون مسيرة الإصلاح الشامل ويعيدون المجتمع ليتقوقع في المربع الأول، والأفضل عدم الإلتفات لهؤلاء، خير مثال تطنيش الدولة الأردنية لمروجي الإشاعة والمضي قدماً في مسيرة الإصلاح التي يتبناها جلالة الملك المعزز عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، والإشاعة محور شر للتحريض بين الدولة من جهة والأفراد والمجتمع من جهة أخرى، في ظل ظروف ملتهبة في إقليم الشرق الأوسط، والإشاعة تعمل بالطبع على إضعاف الثقة بين المواطن والمجتمع من جهة وبين قيادته ووطنه من جهة أخرى، وصمام أمان درء ذلك هو الإنتماء الراسخ بالقيادة وثوابت الدولة، والإساءة لسمعة الإسلام والمسلمين من خلال أفعال تقوم بها الحركات الإرهابية كعصابة داعش وأخواتها وزبانيتها، على سبيل النيل من صورة ديننا السمح وتأثير ذلك على االمسلمين والمؤمنين كأفراد ومجتمع، وتقسيم الجماعات إلى شيع وأحزاب متناحرة، وتضخيم الفجوة والخلافات بين المجتمع والدولة، واستغلال الضرر بالمجتمعات لانتقاد سياسة الدولة وإثارة النعرات والبلبلة وزعزعة الأمن الداخلي والخارجي، وإفساد الحياة العامة وهدر ثروات الوطن والإضرار بالمصالح العامة والعلاقات الدولية، والتأثير على الحياة الحزبية والسياسية وبنية الدولة ونظامها السياسي، وإثارة الفتنة الطائفية والعرقية والإقليمية الضيقة والضغينة وتعزيز مجتمع الكراهية والعداوة والتوتر وحل الترابط الاجتماعي، واستخدام الإرهاب كأداة للإشاعة وخلق فرص مواتية وبيئة حاضنة لمروجي الإشاعة لتشويه سمعة الدولة، وهنالك المزيد من الآثار المدمرة للإشاعة على المجتمع.

والمهم هنا التطرّق للحلول الوقائية لمحاربة الإشاعة وكبح جماحها، والتي تأتي من خلال الفهم الدقيق لأسباب ومسببات الإشاعة، والتي أساسها الجهل وسوء استخدام وسائل التواصل الإجتماعي وفضولية البعض وخوضهم بما لا يعلمون، وبالطبع السبب في ذلك ضعف الوازع الديني وغياب الوعي الثقافي والأمني وحس المسؤولية وضعف دور الموجهين لرفع مستوى الوعي والحيطة، وتالياً تصوّر ورؤية لحماية أنفسنا ومجتمعنا ووطننا الغالي من آثار الإشاعة المدمرة والطابور الخامس من خلال:الأخذ بالأسباب والرد على المسببات والتحقق والتثبّت والتبيّن من صحة الأخبار وعدم تصديق الإشاعة والرجوع لأصحاب الرأي في هذا الشأن وإتباع منهج قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

ومحاربة الإشاعة يكون بتحكيم لغة العقل وبتعظيم لغة التحليل والمقاربة وتماسك الجبهة الداخلية والثقة بأجهزة الدولة والمصادر الرسمية وخصوصاً المنابر الإعلامية والثقافية والدينية والاجتماعية منها، وعدم ترديد الإشاعة والخوض فيها، لأن ترديدها يعني الخوض فيها وترويجها وانتشارها وتضخيمها، لا بل استقاءالمعلومة دوماًمن مصادرها الرسمية وإبلاغ الجهات المعنية عنها لما لها من عواقب وآثار مدمّرة، وردّ الأمر لأهل الاختصاص لأنهم أدرى باستنباط الأخبار الصحيحة وتمحيصها من الكاذبة، وتماسك النسيج الإجتماعي وتمتين الجبهة الداخلية بين الأفراد والمجتمع ومؤسسات الدولة، وركائز ذلك الإيمان والثقة المتبادلة والثقة بمؤسسات الدولة ومسؤوليها وحسن الظن والوحدة الوطنية، وتحصين جبهتنا الداخلية والإيمان بثوابت الدولة وقيادتنا الهاشمية الحكيمة ومليكنا المعزز وجيشنا البطل وأجهزتنا الأمنية في هذه الظروف كلها صمام أمان لكبح جماح كل الإشاعات، وبتر البيئات الحاضنة والعازفة لأوتار الإقليمية الضيقة والطائفية والجهوية وأدوات التفرقة، وتعزيز بيئات وحدة الصف والإنتماء للوطن والولاء للقيادة والاحترام المتبادل والإيمان بأن الإشاعة تفتك بالشرفاء والأبرياء والمؤسسات الناجحة بدلاً من ذلك، والإيمان بأن الشباب العاطل عن العمل هم الفئة المستهدفة والوسيلة للإشاعة، فإيجاد البيئة التشغيلية العادلة والآمنة لها ضرورة وطنية من خلال الاستثمارات لخلق فرص العمل، والإيمان بأن الانهزاميين وأصحاب الأجندات وخاوي الفكر وغيرهم هم أداوات رئيسة للإشاعة، ولذلك هنالك ضرورة لإيجاد برامج وطنية تنويرية وتوعوية لهذه الفئات.

كما أن حُسن الظن بالآخرين مطلوب –ولو ظاهرياً- والحذر واجب، وطلب الدليل البرهاني على الإشاعة، وعدم التحدّث بما نسمع ولا ننشر ما لا نثق به، والإيمان بأن أسرع وسائل الإشاعة هذه الأيام هي وسائل التواصل الإجتماعي (التويتر والوتسآب والفيس بوك واللينك إن والإنستجرام وغيرها)، ولذلك فمتابعة هذه الوسائل والرقابة عليها من خلال الجهات المعنية وعناية أصحاب الاختصاص واجبة، وكذلك الحذر من خلال الأفراد والمجتمعات وخصوصاً أن الكثير من الأسماء الرمزية والمنتمين لعصابة داعش الإرهابية يستخدمونها بكثرة كسموم لعقول الشباب، والإيمان بأن أدوات التكنولوجيا الحديثة مثل الهاتف الذكي والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والماسح الضوئي وغيرها جعلت تزوير وإخراج الأوراق بسهولة وفق الطلب والرغبة لغايات ترويجها لهدف الفتنة أو العبث بالوحدة الوطنية أو غير ذلك، فالحذر منها واجب.

ولعل تفعيل القوانين الناظمة لمحاسبة ومساءلة المتورطين والإعلان وعرض نماذج لذلك من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية والإلكترونية جلّ مهم، كما مطلوب زيادة الوعي الأمني للمواطن ليكون رديفاً للأجهزة الأمنية، وإبلاغ الجهات الأمنية لغايات المتابعة وأخذ الاحتياطات اللازمة لكبح جماح الإشاعة وتصويب وتصحيح معلوماتها الخاطئة، وتفعيل دور الأسرة والوالدين والأساتذة وقادة الرأي ليقوموا بدورهم الطليعي والتوعوي والتنويري في ذلك، والتمسّك بأخلاقيات وقيم وتعاليم الدين قولاً وعملاً والإيمان بيوم الحساب وأن قذف الآخرين وإتهامهم جزافاً يولّد السيئات المتراكمة والمتسلسلة، فالتجاهل والمناصحة والتثبّت يمنعنا من ذلك أحياناً، وإضطلاع المثقفين وقادة الرأي بواجباتهم الوطنية والدينية والأخلاقية في نشر الوعي المجتمعي لتصويب مفاهيم مجتمعية خاطئة.

وتشمل أيضاً إضطلاع قطاعات التربية والتعليم والإعلام والشباب والثقافة والأوقاف وغيرها بمسؤولياتهم وأدوارهم المؤسسية والتوعوية، من خلال المنابر الرئيسة لديهم كالمنابر الدينية والتعليمية والشبابية والإعلامية والثقافية وغيرها لبث رسائل توعوية وتصويبية للشباب والجميع، وتحليل نبض الشارع وردود أفعاله على الإشاعة وآليات ترويجها، وتمحيص المعلومات ومدى صدقيتها، والشفافية والنزاهة والمصداقية والوضوح والثقة وعدم الضبابية في الإعلام الرسمي والخاص، وإيجاد منابر توعوية رسمية من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، وعدم الخلط بين حريّة التعبير المسؤول من جهة والتمادي والفوضى في ترويج الإشاعة من جهة أخرى لغايات العبث بالأمن الوطني، وهذا يحتاج لتطبيق هيبة الدولة وفق القوانين المرعيّة، والتنبّه لقضايا وتحديات العصر التي تعتبر كبيئات حاضنة للإشاعة مثل الثقافة المجتمعية والوضع الاقتصادي العام وفوضى الربيع العربي وعدم توفّر المعلومة الدقيقة في الوقت المحدد، والبناء على الإنجاز التراكمي ومسيرة النماء والانتماء لغايات تحصين الجبهة الداخلية وبناء الثقة بين الدولة والمواطنين.

الخلاصة أن الإشاعة مدمّرة للفرد والمجتمع، ومطلوب تكاملية الجهد والعمل لكبح جماحها من خلال التشبيك بين كل الجهات الوطنية لوضع حد لها ولمروجيها وصانعيها ومادتها وحدثها وزمانها ومكانها وشخوصها ومروجيها وكل ما فيها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش