الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شـهداء فــي الأســـر

تم نشره في الاثنين 17 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

 رام الله – الدستور – محمد الرنتيسي - أن تفرض إسرائيل عقوبات قاسية بحق الفلسطينيين الأحياء، أصبح أمراً مألوفاً لدى العالم بأسره، فالحصار والحواجز العسكرية، والإعتقالات والإغتيالات، وهدم المنازل واقتلاع الأشجار، ومصادرة الأراضي.. كلها أشكال وأجزاء من هذه العقوبات، لكن الأمر الذي لا يمكن أن يستوعبه عقل بشر، أن يتخطى حد معاقبة الأحياء إلى الأموات!!.

هذا ما يحدث بالفعل في مقابر الأرقام.. تلك المقابر الجماعية التي أنشأها الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الصراع العربي – الاسرائيلي، لتحتجز فيها جثامين وأشلاء الشهداء الفلسطينيين والعرب، الذين قضوا في المعارك، بعد أن نفذوا عمليات فدائية ضد أهداف اسرائيلية، أو قضوا داخل معتقلات الإحتلال، أو تم اغتيالهم في عمليات لما تسمى «القوات الخاصة الاسرائيلية»، ومنذ ذلك الوقت، وهذه المقابر تعتبر مناطق عسكرية مغلقة، يحظر دخولها أو حتى الوصول اليها.

وسميت مقابر الأرقام بهذا الاسم، لأن لكل جثمان فيها رقماً مسجلاً على لوحة من الصفيح، وتقول إسرائيل أن هذه الأرقام هي أرقام ملفات الضحايا وليست لرقمهم التسلسلي وفقاً لتاريخ قتلهم ودفنهم، ولا يوجد تاريخ محدد يبين متى أُنشأت أول مقبرة للأرقام، غير أن أول عملية دفن جماعي للذين قتلوا على أيدي قوات الاحتلال بدأت في حرب (1948)، وكانت بشكل عشوائي، ثم أصبحت رسمية وأكثر تنظيماً وتخضع لاشراف وزارة جيش الاحتلال بعد حرب (1967)، ثم زادت عمليات الدفن الجماعي خلال اجتياح لبنان في العام (1982)، مع الازدياد المطّرد في أعداد الضحايا الذين وقعت جثامينهم في أيدي قوات الاحتلال.

وحتى الآن تم الكشف عن أربع مقابر للأرقام، الا أن جهات في السلطة الفلسطينية ترجح وجود عدد سري آخر يخضع لرقابة وزارة جيش الاحتلال، وتعد مقبرة «جسر بنات يعقوب» الواقعة في منطقة عسكرية عند ملتقى حدود فلسطين وسوريا ولبنان، أكبر هذه المقابر حجماً، حيث تضم وفق احصائيات إسرائيلية (500) شهيداً، من جنسيات فلسطينية ولبنانية وسورية وأردنية وأخرى عربية مختلفة، وليش ثمة ما يدل على هويات من فيها سوى لوحات الصفيح التي تحمل أرقاماً محيت بمرور الزمن.

وتعتبر مقبرة «ريفيديم» في غور الأردن، والتي تسميها اسرائيل مقبرة «قتلى الأعداء»، ثاني أكبر هذه المقابر، حيث يرقد فيها رفات نحو (100) شخص، نصفهم من جنسيات عربية مختلفة سقطوا بعد حرب (1973)، والنصف الآخر لمواطنين استشهد معظمهم في عمليات أو اشتباكات مع قوات الاحتلال أو تم اغتيالهم من قبل اسرائيل، ومن بينهم نحو (30) مواطناً، نفذوا عمليات فدائية منذ العام (1994)، كما سربت أنباء عن مقبرتين أخريين للأرقام، غير معلوم كم تضمان من الرفات، لكن قيل أن إحداهما مجاورة لمقبرة ريفيديم، والأخرى تسمى بـ»مقبرة شحيطة»، الواقعة في قرية واد الحمام شمالي طبريا حيث وقعت معركة حطين.

يقول عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى، لـ»الدستور»: إن حكومة الاحتلال لا تزال تحتجز رفات أكثر من (150) شهيداً من أبناء الضفة والقطاع، منذ عدة سنوات وترفض تسليمهم الى ذويهم، مشيراً إلى أن هؤلاء الشهداء محتجزين منذ استشهادهم في مقابر الارقام، وفي أوضاع مهينة دينياً واخلاقياً، حيث تخضع هذه المقابر لرقابة عسكرية، مشدداً على أن القوانين الدولية واتفاقيات جنيف الرابعة تمنع احتجاز رفات الشهداء، وتلزم دولة الإحتلال بتسليمهم إلى ذويهم، معتبراً أن احتجاز جثامين هؤلاء الشهداء لسنوات طويلة يشكل عقاباً لا إنسانياً ومضاعفاً لذوي الشهداء وأحزانهم، وهو سياسة عقاب جماعي لامثيل لها في التاريخ الإنساني.

ورغم أن الاحصائيات المختلفة- قبل عامين- تشير ألى أن عدد الشهداء في مقابر الأرقام يتراوح ما بين (200 – 600)، الا أنه لا يوجد رقم محدد لعدد هؤلاء الشهداء، هذا إضافة إلى أن مصادر أخرى أكدت أن الرقم الحقيقي لشهداء مقابر الأرقام أعلى بكثير من الرقم المذكور، وأن هناك آلاف المفقودين الفلسطينيين والعرب الذين اختفوا بعد أسرهم أو اختطافهم من قبل قوات الاحتلال، أو أولئك الذين لم يُعرف عن مصيرهم شيء، خلال الحروب والمعارك المختلفة.

وتدعي سلطات الاحتلال أن الموجودين في مقابر الأرقام هم «مخربين»، وأنها لا تعرف أنسابهم أو أصولهم أو هوياتهم، زاعمة أنها أعادت كل من تم التعرف على هوياتهم الى ذويهم، الأمر الذي يتنافى مع ما تورده سجلات مؤسسة «رعاية أسر الشهداء» في مدينة رام الله، والتي تشير إلى أن سلطات الإحتلال تحتجز جثامين (108) شهداء، غالبيتهم معروفين تماماً لدى عائلاتهم، إضافة إلى تواريخ استشهادهم، وفي حالات أخرى تدعي سلطات الاحتلال أنها تحتجز بعض الجثامين إلى حين الإنتهاء من تشخيصها وفحصها، والتأكد من هوية أصحابها، الأمر الذي تدحضة سجلات «رعاية أسر الشهداء» أيضاً.

وبحسب المؤسسة ذاتها، تتبع إسرائيل أحيانا سياسة انتقائية في احتجاز جثامين الشهداء، فلا يوجد لديها تفسير واضح حول أسباب احتجاز الشهداء من غير «الاستشهاديين»، الذين تحتجزهم كنوع من العقاب على عملياتهم، كما أن لديها نهج واضح في عملية الافراج عن رفات الشهداء، حيث تستخدم هاتين الورقتين للابتزاز السياسي.

يقول مدير دائرة الإحصاء في وزارة الأسرى والمحررين عبد الناصر فروانة: «إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعاقب الميت»، مؤكداً أنه الى جانب مقابر الأرقام الجماعية، فإن إسرائيل تحتجز العديد من الجثث لفلسطينيين وعرب داخل ثلاجات، كمعاقبة لأجساد الشهداء بعد موتهم، وحرماناً لذويهم من إكرامهم ودفنهم وفقاً للشريعة، الأمر الذي تؤكده مصادر فلسطينية مطلعة، حيث أكد غير مصدر في السلطة الفلسطينية.

وفي الأعوام الأخيرة، عادت قضية مقابر الأرقام للظهور مجدداً في المشهد الفلسطيني، وهي التي لم تختفي أصلاً من ذاكرة أهالي من دُفنوا فيها، حيث احتجزت سلطات الإحتلال جثامين (11) شهيداً، ارتقوا خلال المواجهات مع قوات الإحتلال ضمن ما بات يُعرف بـ»الإنتفاضة الثالثة» أو «إنتفاضة القدس»، وأعلنت هذه السلطات صراحة، أنها لن تُسلّم هذه الجثامين، وستنقلها إلى مقابر الأرقام، الأمر الذي أثار مخاوف شديدة لدى أهاليهم، بأن يواجه أبناؤهم مصير من سبقوهم من الشهداء، والذين لم تحل قضيتهم منذ سنوات الإحتلال الأولى، وحتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من السعي الجاد للعديد من المؤسسات الحقوقية والإنسانية، المحلية والعربية والدولية، لفتح  ملف المقابر الجماعية والإنتهاء منها بتسليم جثث الشهداء إلى ذويهم، إلا أن هذا الملف الضخم والغامض، يحتاج الى جهود مضنية على المستوى الفلسطيني والدولي، للضغط على إسرائيل وإجبارها على وقف انتهاكاتها للحقوق الانسانية، لا سيما تلك المتصلة بإكرام الميت ودفنه.

ووفقا لموقع عرب 48؛ قال المستشار القضائي لمركز القدس للمساعدة القانونية، والذي يتابع التماس عائلات الشهداء، المحامي سليمان شاهين، إنه ‹›››منذ عام 2016 قدمنا 3 التماسات تشمل 114 عائلة شهيد تريد استعادة جثامين أبنائها، والحديث عن شهداء منذ أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وشهداء الانتفاضة الثانية، وشهداء الهبة الشعبية الحالية››››.

وأضاف أن ‹›››هذا يأتي استمرارا للالتماسات الفردية التي قدمت قبل ذلك، وعلى ضوء نجاح الالتماس واستعادة جثمان الشهيد مشهور العاروري، واتضاح المشاكل الكبرى في توثيق مكان دفن الشهداء، خاصة عدم مطابقة فحوص الحمض النووي للشهداء الذين استعيدت جثامينهم بعد اتفاق أوسلو. وبعد التوجه للمستشار القضائي للإدارة المدنية عام 2014، أعرب عن استعداده لإعادة الجثامين، من خلال رده على توجه مركز القدس للمساعدة القانونية، وكان الرد بأنهم سيستدعون الأهالي بغية إجراء فحص الحمض النووي في مسار عملية إعادة الجثامين عام 2015، ولكنهم تأخروا في تنفيذ التزامهم، وعليه تم تقديم الالتماس مع طلب إقامة بنك حمض نووي للعائلات للمقارنة مع الجثامين إضافة لمطلب إعادة الجثامين. النيابة العامة الإسرائلية ردت على هذا الالتماس في آذار/ مارس الماضي، بطلب تأجيل الجلسة ليتسنى لها التوصل لمعلومات عن مكان تواجد الجثامين، ولكن لديها إشكالات كبيرة في التوثيق كون عدة هيئات شاركت في عملية الدفن وليس فقط الجيش الإسرائيلي. وبعض الجثامين مثلما أوردت النيابة في ردها على التماس مركز القدس، دفنت من قبل شركات خاصة ولم تحتفظ بتوثيق عن مكان الدفن، وحتى اليوم فإن عدد الجثامين التي يعرف مكان دفنها هو محدود ويكاد يعد على أصابع اليد الواحدة››››.

ولفت شاهين إلى أنه ‹›››في أعقاب هذه التطورات، قالت النيابة الإسرائيلية إن الجهات الرسمية قررت إقامة جسم توثيقي يتولى إدارته شخصية أمنية رفيعة المستوى لتركيز البحث عن مكان الدفن والتعرف على الجثامين مقابل كل الجهات التي شاركت في عملية الدفن››››.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش