الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثقــافــــة الاخــتــيــــار

عبد الحميد المجالي

الاثنين 24 نيسان / أبريل 2017.
عدد المقالات: 107

تشهد العديد من الدول الغربية انتخابات تشريعية ورئاسية تعطي دروسا وعبرا لشعوب الدول النامية او الاقل تحضرا، في تحديد المعايير الحقيقية لاختيار ممثليهم في المجالس التشريعية، اوفي اختيار رؤساء الدول، في عملية سياسية متكاملة تغير الوجه السياسي للدول، التزاما بمقتضيات الديمقراطية التي تجذرت  عبر القرون الماضية، واصبحت العامل الرئيسي في تحديد اتجاهات هذه الدول وحياة شعوبها، بحيث اصبحت يقينا وقناعة في المبادئ والاجراءات لايمكن التشكيك بصحتها وسلامة نتائجها .

العامل الرئيسي في سلامة هذه الديمقراطية كمبدأ، وفي صحة نتائجها سواء على المستوى التشريعي او الرئاسي، هو ان المواطن الغربي يحدد المعيار الوطني لا الفردي او الشخصي، باعتباره المعيار الوحيد لاختيار ممثليه وحكامه، مستبعدا في الوقت نفسه مصالحه الفردية، لانها انصهرت عبر قرون وعقود طويلة بالمصالح الوطنية، في  ثقافة اثبتت له ان تجاوز المصالح الفردية الى المصالح الوطنية العليا، هي العامل الرئيسي في تحقيق النهوض والتقدم الحضاري على كافة المستويات .

يذهب المواطن الغربي بحماس الى المهرجانات الانتخابية للمرشحين، ليستمع الى ما يقولونه وما يعرضونه من برامج سياسية واقتصادية وامنية لاحداث تغيير على مستوى الوطن، سيؤدي في النهاية وفقا لقناعة المواطن، الى تحسين جذري او جزئي في حياته الشخصية المنصهرة بحياة الوطن الكلية . ولذلك فان تقييم هذا المرشح او ذاك، يعتمد على حجم انجازاته في هذا المجال اذا كان حاكما يريد ان يجدد رئاسته، او على انسجام المرشح الجديد مع قيم الدولة العليا وعلى امكانية تطبيق البرامج التي يعرضها في حالة انتخابه .

في الاردن كنا نراهن دائما على القوانين الانتخابية لاحداث تغيير في الوجه السياسي والوطني  للمؤسسة التشريعية،  وهو رهان اثبت عدم جدواه على هذا الصعيد، فالقوانين لا تؤدي الإ الى تغيير شكلي وجزئي، اما على مستوى الاشخاص او على المستوى العام لتركيبة المؤسسات التشريعية، فمثلا مالذي يختلف فيه مجلس النواب الحالي في ادائه وطبيعة شخوصه الممثلين للشعب عن المجلس الذي سبقه رغم اختلاف قانوني الانتخاب اللذين انتجا المجلسين والمجالس السابقة ايضا.

اننا امام حالة تتعدى تاثير القوانين على تغيير طبيعة الحياة السياسية وتفاعلاتها، الى تقييم الحالة الثقافية للناخب وطبيعة رؤيته للحالة الوطنية وسبل التغيير الايجابي فيها لمصلحة الوطن الكلية، تلك الرؤية التي  تحدد طبيعة المعايير والشروط التي يختار بموجبها المواطن ممثليه في مجالس النواب، وحتى في مؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك النقابات والاحزاب .

نكون مثاليين اذا دعونا الى ان يتحول المواطن الاردني وربما العربي في رؤيته لهذه الحالة لكي تصل الى حدود وطبيعة رؤية المواطن الغربي التي تكونت في تفاصيلها عبر قرون من الثقافة الديمقراطية العميقة التي شهدت معاناة مستمرة أدت في النهاية الى الاستقرار الذي نشهده اليوم . 

ما نطالب به وندعو اليه، هو البدء بعملية التغيير الايجابي لرؤية المواطن الاردني لوسائل وطبيعة التقدم في الحالة الوطنية، التي تحدد تلقائيا معايير وثقافة الاختيار، وان يتدرج في الانتقال من الرؤية الفردية والمصالح الشخصية الى الرؤية الوطنية العامة معززا ثقته بالمؤسسات الدستورية وعلى رأسها الهيئة التشريعية .

نعرف كمواطنين معاييرنا الحالية للاختيار التي تتقدمها المنفعة الشخصية التي نتوقعها من المرشحين، والتي تتركز على الفائدة المالية من مرشحين يدفعون لناخبين في عملية تحايل مكشوفة على القانون، او توقع ان يكون  هذا المرشح او ذاك صاحب نفوذ قادر على وساطة فاعلة لدى اجهزة الدولة لحل المشاكل التي يعاني منها المواطن ومنها البطالة المتفشية بين خريجي الجامعات والمتقاعدين، اضافة الى عدم تجاهل العامل الجهوي او القبلي .

انها معايير او ثقافة تتعزز يوما بعد يوم مع تعمق وزيادة الاحتياجات الضرورية للمواطن التي يؤكدها سوء الوضع الاقتصادي وتخلف الادارة العامة التي تسمح بالواسطة والمحسوبية . ومع ان الحكومات تتحمل جزءا لاباس به من تكوين هذه الثقافة، الا انها مطالبة بالبدء تدريجيا بتغيير ثقافة الاختيار لدى المواطن الاردني تدريجيا . فهناك دول فقيرة تجري فيها العملية الديمقراطية وفق معايير وطنية ناجحة . نريد تغييرا ثقافيا وطنيا وليس تغييرا لايتوقف في القوانين، لانها اثبتت عدم جدواها في احداث نقلة واضحة في تغيير الحالة السياسية الوطنية، وفي تجذير  الديمقراطية الحقيقية التي تنقل مجتمعنا من مرحلة ما قبل الحداثة الى الحداثة نفسها التي تجاوزتها الدول المتحضرة الى مرحلة ما بعدها، في تطور حضاري يسابق الزمن،  لدى الشعوب التي ترغب في بناء اوطانها وقواها المادية والمعنوية .

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش