الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لماذا كف الفتى عن البكاء؟!

حلمي الأسمر

الثلاثاء 16 أيار / مايو 2017.
عدد المقالات: 2514

-1-

...وللرحيل في ذاكرة الفتى حكاية، فهو إن ينسى لا يمكن أن ينسى ذلك المشهد الذي روته الوالدة، عن الابن الثاني الذي رأى النور في الأيام الأولى لقيام الخيمة التي كانت منتصبة ربما مكان هذه الغرفة ذات السقف الزينكو، يتذكر الفتى الوالدة وهي تصف ذلك المشهد المبلل بالدمع: 

كانت الخيمة تهتز كأنها قطعة قماش منشورة على حبل غسيل، والمطر يضربها من كل جانب، وصوت الفتى الرضيع يشق عنان السماء بقوة، منذ جاء إلى الدنيا وهو يبكي، كنت أرضعه بما تيسر من حليب، لم يكن ثمة شيء في الخيمة ليدر عليه، خبز قليل إن وُجد، كنت نفساء والنفساء تحتاج إلى أكل، ولكن من أين؟

 تلك الليلة بكى الرضيع حتى تعب، تسللت إليه حيث استقر في السرير الحديدي البدائي المتحرك، حينما اقتربت منه مد يده بحركة مخيفة إلى صدري، ألقمته الثدي الفارغ، لم يحاول حتى أن يرضع، فحدثت نفسي: لعله نام، حمدت الله!

جاء صوت الوالد من الطرف الآخر من الخيمة: كِنُّه نام يا خديجة؟ قلت: كِنه يا مْحِمَّدْ! 

انسحبت كي أنام أنا الأخرى، وفي الصباح تفقدت الرضيع، كان مُثلجا، حسبت لوهلة أن البرد نال منه، ولكن بصره كان شاخصا، ناديت على مْحِمَّدْ: 

- تعال شوف الولد مالُهْ! 

- حينما جاء مْحِمَّدْ، نطت من عينه دمعة صامتة، ثم قال:

- الله بِعَوّض يا خديجة!

 لم أفهم للوهلة الأولى:

- شو يعني! 

ولكن سرعان ما أدركت أن الفتى لم يكن نائما، كان نائما بعمق أبدي، لقد مات من .. الجوع! 

-2-

كلما يتذكر الفتى تلك الحادثة تصيبه قشعريرة في جسده، ويقول في نفسه: كان يمكن أن أكون أنا، ولكنها إرادة الله سبحانه، وأقسم سرا أن لا أكون ضحية مشابهة، حتى ولو كلفني هذا الأمر ما كلف!

وعاش الفتى، مع سبعة من إخوانه وأخواته، فيما قضى نحبه عدد آخر يفوق من افلتوا من يد الموت، فقط حملت الوالدة باثنين وعشرين حملا، عاش منهم من عاش ومات من مات، ولكن لم كل هذا العدد من الأحمال والأثقال؟

يسأل الفتى، ولا يأتيه جواب شاف، فثمة سياسة غير مكتوبة في المخيم، ما بعد النكبة، على كل امرأة أن تحمل ما تستطيع، فثمة موت محقق سيلتهم نصف العدد على الأقل، بسبب حياة «الرفاهية» التي يعيشها اللاجىء، و»فرط الرعاية الصحية!» هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فالعودة تحتاج إلى رجال كثيرين، ولا بد من المقاومة الناعمة، بكثير من «الخِلفة» ولهذا نادرا جدا، بل ربما من المستحيل أن يتحدث أحد في المخيم تلك الأيام (وهي قريبة عهد بالنكبة الأولى) عن تنظيم أو تحديد النسل!

---------

] أوراق من سيرة غير ذاتية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش