الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الدستور.. بَعدَ نصفِ قرنْ

تم نشره في الأربعاء 7 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

عيسى بطارسة

أحسست بالكثير من الزهو، وأنا أعبر مدخل جريدة الدستور، التي أكن لها كل التقدير والأعجاب.

كان ذلك في مطلع سبعينيات القرن الماضي.

أول من قدمني اليه صديقي المرحوم الفنان، صاحب الأصابع الذهبية في رسم الكاريكاتير، والفكر المتقد، جلال الرفاعي، كان الأستاذ المرحوم ابراهيم سكجها، رئيس تحرير الدستور آنذاك، قبطانها الذي أضفى عليها، بالتعاون مع صاحبها ورئيس مجلس إدارتها المرحوم الحاج جمعه حماد، صفة التوازن والحكمة والصوت الهادئ الواثق غير الملعلع، عبر مسيرتها الذكية المباركة. ولم تكن سوى بضع ثوان، وابتسامة طيبة وكلمتي ترحيب دافئتين، حتى كان جو ألفة جميلة جدا تشبه جريدتي المفضلة، يحنو على كل شيء حولنا في المكتب الأول على يمين الداخل. مررنا في طريقنا الى مكتب الأستاذ مدير التحرير،محمد الجيلاني أبو سمير، وكان هو الآخر لطيفًا ومرحبًا وبشوشًا بوجه باسم لطيف. في طريقنا الى مكتبي قدمني صديقي المرحوم جلال، إلى الأستاذ القادم من مصر، كاتب الأفتتاحية اليومية، والذي يحضرني فقط اسمه الأول الذي كنا نناديه به :الأستاذ صلاح، والذي لا علم لي بشيء عنه أو منه منذ تلك الأيام، الى جانب مكتبي كان مكتب الأستاذ المرحوم، صاحب الأبتسامة الطيبة، والأدب الجم موسى عبد السلام، استوقفني في المرحوم موسى دفء غير خافٍ في ابتسامته وفي ملامح وجهه ونبرات صوته، وحتى في اصابع يده التي صافحتني بحرارة. ولن أنسى الأستاذ أحمد شاكر الذي كان يملأ الغرفة بصوت مرتفع، وبحكايات وطرائف صحفية أذكت الجو وأضافت اليه الكثير من المرح والضحكات.

كنت فخورا جدا أن أنضم إلى أسرة جريدة الدستور التي أجل وأحترم. لم نضع الوقت، فلقد بدأت بتخطيط عناوين المواضيع بعد توضيح قصير من صديقي جلال، ومرت الليلة بهدوء وبالكثير من الرضى عما تم انجازه لعدد تلك الليلة.

أعود الى المرحوم موسى عبد السلام، الذي كان جزء من مسؤولياته في الجريدة، تحرير الزاوية الثقافية والرد على مواضيع القراء، وعندما عرف علاقتي بالأدب والشعر اقترح علي ضاحكا أن أقوم معه بالرد على بعض الرسائل التي تصل الجريدة من قرائها الكثر، فقبلت بكامل رضاي، ما أضاف بذلك ألى صلتي بالجريدة رابطًا جديدًا استقبلته بصدر رحب.

كانت وظيفتي النهارية في التلفزيون الأردني، وكنت أستعجل النهار ليأتي وقت جريدة الدستور، لنضحك مع أحمد شاكر وزملائه من مراسلي الجريدة، ومع حكايات رسام الكاريكاتير المثقف المرحوم جلال الرفاعي، الذي أخبرنا ذات ليلة أبو سمير، انه أي جلال ظل يمسح حذاءه من الغبار بطرف ستارة النافذة البنية خلفه، ولوحظ بعد حين توقفه تمامًا، ولما سأله أبو سمير عن السبب، أجاب أن الستارة بدأت تغبّر حذاءه.

الذكريات كثيرة وعزيزة بعد ما يقرب من نصف قرن طويل، أمضيت منه 43 عاما في الغربة، في ربوع لوس أنجيليس.

أذكر ذات ليلة، وقد جاءني عنوان المانشيت الرئيسي تقريبًا على النحو التالي: عودة رئيس الوزراء عبدالمنعم الرفاعي إلى عمان. وكنا أنا وموسى عبدالسلام نتحدث منذ دقائق قليلة عن زيارة الفنان المصري الكوميدي عبدالمنعم ابراهيم إلى عمان أنذاك، فكان أن خططت سهوًا، بالخط العريض وبحروف بارزة: عودة رئيس الوزراء عبد المنعم ابراهيم الى عمان. ومر العنوان على أبو سمير وأبو باسم ونزل الى زاوية حفر الكليشيهات ( كان ذلك قبل تكنولوجيا الأوفست) وصفَّ ووضعت الصفحة وثبتت على عجلة المطبعة الضخمة، دون أن ينتبه أحد للغلطة الرهيبة، وبدأت العجلات تتململ إيذانا بالأنطلاق، حين مر المرحوم الحاج جمعة حماد، الذي كان أبًا للجميع بلا استثناء، لكبر قلبه وحسن تعامله مع كافة العاملين في الجريدة، صغارًا وكبارًا على حد سواء، ولقطت عينه الدقيقة الكارثة قبل وقوعها، وقبل أن تهوي على رأس الكثيرين عشرات آلاف المرات.

ذات ليلة، اصطحبت معي الى الجريدة، الدكتور طالب الطب في القاهرة آنذاك نبيل بطارسه، الذي كان يحل علي ضيفا من الزرقاء، وكنت أعرف ولعه بالمعرفة وسعيه الدائم للتعرف على كل ما هو جديد، ولذا لم أتفاجأ حين تحمس جدًا للذهاب معي الى الجريدة، رغم ساعات السهر الطويلة التي أنذرته منها وكان علينا أن نقضيها هناك.

كانت الساعة قد بدأت تقترب من الواحدة صباحًا، حين رفع الأستاذ ابراهيم سكجها يده، معلنًا نهاية مسؤوليتي لتلك الليلة، فلملمت أشيائي وقلت لنبيل: هيا بنا. وقفت كالعادة أمام مكتب أبي باسم لأودعه، وما أن رفعت يدي بالتلويح حتى رن هاتفه، وكنا ندرك أن رنين الهاتف في مثل ذلك الوقت، هو إيذان بشيء مهم إن لم يكن خطيرًا، فعبرت الى داخل مكتبه خطوة و وأنا أغمغم في سري: الله يستر!. انتظرت إلى أن أنهى أبو باسم مكالمته، وأنا أراقب عن كثب ملامح وجهه الجادة، وهو يقطب بين حاجبيه حينًا، وحينا يبتسم ابتسامة كبيرة محيرة. وضع السماعة أخيرًا وقال لي باسمًا إنها ليلة طويلة كما يبدو، وأشار لي أن: إسترحْ!

نظرت بوجه قريبي الدكتور نبيل، وقلت له باسمًا: مرحى بك في عالم الصحافة!.

كان على الهاتف من أخبره أن تمثال السيدة العذراء المنتصب على مبنى دير اللاتين في طريق المصدار، يرتفع في الهواء، يحلق عاليًا ويعود الى مركزه، أي أن ثمة معجزة سماوية تحصل الآن، تستدعي أن يذهب صحفي ومصور الى مكان المعجزة للوقوف على أطراف الحكاية، وأن على عيسى ونبيل بطارسه فك الأحزمة والأسترخاء، إلى أن يجود الصحفي والمصور بما يتيح لنا الذهاب الى البيت، مع أول شقشقات فجر تلك الليلة. وكان ذلك بالضبط ما حصل، عاد المراسلان بعد الساعة الثالثة والنصف صباحًا بخفي حنين، حتى أننا أنا والدكتور نبيل في طريقنا إلى بيتي الكائن في جبل الشرفية، حيث كان يستلزم أن نمر من أمام الدير، وجدنا ثلة كبيرة من البشر ما تزال عالقة أمام الدير، عبرناها بصعوبة بسيارتنا ونحن ننظر صوب التمثال بين لحظة وأخرى كما لو كان تلهف الناس هناك قد أصابنا نحن أيضا.

تشلحُ الذكريات بعد نصف قرن الكثير من عناء تفاصيلها الصغيرة، فتزداد تألقًا وعذوبة مع مرور الوقت، وتنتصب كتمثال من البرونز المتألق، في زحمة الذكريات، تعبق في الذاكرة وفي زوايا القلب كالريحان البلدي الذي يجعلنا كلما مررنا من هناك نتنهد بحرقة، ونحس بدفق الشوق حارًا، يزداد عنفوانًا وجبروتًا مع الأيام.

بعد نصف قرن ها انا ازور الدستور بصحبة رفيق الشعر والعمر سرحان النمري وهنا التقينا بالصديق محمد داودية والأستاذ محمد التل وتطارحنا الذكريات الجميلة عن صحافة الامس.

فلصحيفة الدستور آنذاك، ولصحيفة الدستور اليوم ولصحيفة الدستور غدًا، تحية محبة وإجلال، ولمن رحل عنها وعنا من ذلك الجيل الجميل، الرحمة، ولقبطانها الجديد الصديق محمد داودية ولرئيس التحرير المحترف الأستاذ محمد التل كامل الأحترام والود.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش