الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لاتنتظروا سلاماً مع إسرائيل !

عبد الحميد المجالي

الاثنين 14 آب / أغسطس 2017.
عدد المقالات: 107

لانعرف المعطيات التي استند اليها الرئيس الامريكي دونالد ترمب، في تفاؤله بتحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين في قضية فشل عدة رؤساء امريكيين من قبله في ايجاد تسوية لها ترضي الجانبين وتضع حدا لنزاع تختلط فيه السياسة والامن والدين والتاريخ وحتى الأساطير.

عندما زار ترمب تل ابيب بعد قمم الرياض، لم يتحدث فيها عن حل الدولتين او الاستقلال الفلسطيني، كما لم يتطرق الى ضرورة وقف الاستيطان او الحد منه. فقد قال كلاما يرضي الاسرائيليين الذين يعتبرونه اقرب الرؤساء الامريكيين واكثرهم تأييدا لمواقف اسرائيل ودعما لها.

وفي ضوء هذا الموقف فان عدة اسئلة تطرح نفسها، واولها هو : اي حل يراه ترمب لهذا النزاع وسيؤدي الى تحقيق السلام الذي يتفاءل به؟ هل هو الحل الاسرائيلي الذي يتجاهل حل الدولتين؟ وقبل ذلك هل حددت ادارته رؤيتها لهذا الحل لطرحه كمبادرة يمكن التفاوض عليها بين الطرفين؟ ام انها لاتزال في مرحلة استطلاع المواقف رغم سنوات طويلة من الانفراد الامريكي بمحاولات التسوية؟. 

الادارة الامريكية تعلم ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة كرست ممارساتها عبر السنوات الماضية على تقويض امكانية قيام دولة فلسطينية، ولاتزال تؤمن بحكم ذاتي فلسطيني لايرقى الى وضع الدولة، وهو طرح يؤمن به اليمين الاسرائيلي منذ بدأ مناحيم بيغن مفاوضاته مع السادات. 

والممارسات الاسرائيلية المشار اليها تقوم على مسارين : الاول : الاستمرار في فرض الحقائق على الارض من خلال الاستيطان والتهويد المستمرين. والثاني : العمل على تحويل السلطة الفلسطينية الى سلطة وظيفية تؤدي وظائف محددة اهمها الوظائف الامنية والاقتصادية.

يقول بعض المتفائلين ان اسرائيل التي تعتبر ترمب صديقا حميما لها لن تفسر ضغوطه عليها ـ هذا ان كان لديه الرغبة في الضغط ـ على انها تهديد لامنها او ارغامها على قبول الرؤية الامريكية. ولهذا سيحاول نتنياهو خلال تفاعله مع الجهد الامريكي الجديد المواءمة بين ايديولوجيته التوراتية وبين ضرورة اتباع نهج البرغماتية السياسية، غير ان هذا الاسلوب سيواجه معارضة عنيدة من الاحزاب اليمينية المشاركة في الائتلاف الحكومي، وهي حجة قد يتذرع بها نتنياهو لافشال المحاولة الامريكية الجديدة.

لاتلوح في الافق اية دلالات على احتمال تغيير سياسات اسرائيل تجاه النزاع بمجمله بما فيها شروط التسوية، اذ ليس للاسرائليين الرغبة الحقيقية في الوصول الى هذه التسوية. فالاستراتيجية التفاوضية الاسرائيلية وخاصة لدى الحكومات اليمينية منذ مؤتمر مدريد، تقوم على اهدار الوقت والمماطلة لانتزاع اية اوراق قوة لدى الجانب الفلسطيني والعربي، ويتزامن ذلك مع الاستمرار في فرض امر واقع يجعل من اي محاولة للحل مستحيلة، وهذا ما جرى عبر السنوات الماضية منذ توقيع اتفاق اوسلو.

بعض القارئين لظروف هذا النزاع المعقد والمتشابك في اسبابه ونتائجه، يقولون ان افضل سيناريو يمكن ان يلجأ اليه ترامب في محاولته للتسوية، هو التوصل الى اتفاق مؤقت يبقي على سيطرة اسرائيل الامنية الكاملة، ويحد من الاستيطان ومن وقائع الاحتلال الاخرى، بالاضافة الى توسيع الامتيازات والانشطة التي تقوم بها السلطة الفلسطينية. وربما يعتقد ترامب ان هذا النوع من الاتفاق الجزئي، هو افضل ما يمكن تأمينه في هذه الظروف، وقد يحظى بقبول الجانب الفلسطيني المنقسم على نفسه، والذي يشعر بالعزلة والتجاهل للقضية الفلسطينية، من قبل دول العالم بما فيها الدول العربية التي انشغلت بقضاياها الداخلية والاقليمية.

كما يعتقد ترامب وربما يوافقه نتنياهو في ذلك، ان اتفاقا كهذا قد يفتح الباب امام اتصالات مباشرة ، مع دول عربية ومنها الخليجية، خاصة عندما يضاف اليه توجه امريكي اسرائيلي باتباع مواجهة اقوى واكثر جدية للنفوذ الايراني في الشرق الاوسط.

ورغم الاحتمالات المتعددة التي يمكن ان يصل اليها جهد ترامب في محاولته لتسوية النزاع، الا ان هناك حقائق لابد من اخذها بعين الاعتبار قد تدخل هذه المحاولة في طريق مسدود وشاق : اولها : انه من الصعوبة بمكان على الطرف الفلسطيني تسويق اتفاق يتضمن تنازلات تاريخية. وثانيها : ان الطرف الاسرائيلي غير مهيأ لتقديم تنازلات تاريخية ايضا فهو طرف تقوده حكومات يمينية في مجتمع يزداد تطرفا.وثالثها : ان الطرف الامريكي غير قادر وغير راغب في الضغط على اسرائيل لتقديم التنازلات المطلوبة. ورابعها : ان البيئة العربية بسبب ما تمر به من ظروف، فقدت اوراق ضغطها الضئيلة اصلا على الجانبين الامريكي والاسرائيلي، وهو ما يجعل الموقف التفاوضي الفلسطيني اكثر ضعفا.

في نهاية عام 2000م اضاع الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي فرصة شكلت موقفا امريكيا متقدما عرف بـ “ورقة كلينتون” لحل النزاع. ولعل الرأي العام في كلا الجانبين كان سببا رئيسا في ذلك وليس نصوص الورقة. فالرئيس عرفات وايهود باراك ربما لازال في مخيلتهما في ذلك الوقت، مسالة اغتيال اسحق رابين على خلفية استعداده بشكل او باخر للوصول الى حل، اعتبر من قبل المتطرفين اليهود تفريطا بحقوق اليهود فيما يسمى بأرض اسرائيل.

لقد تم تعبئة الراي العام في كلا الجانبين عبر سنوات الصراع، بحيث اصبح من المستحيل عليه الموافقة على اي تنازلات صعبة.فالاسرائيليون يعتبرون على سبيل المثال القدس جزءا من قيمهم الروحية والدينية والتاريخية، فقد ذكرت القدس في التوراة باعتبارها اورشليم الفا ومئتي مرة. فيما يعتبر المسلمون القدس مسرى الرسول الاعظم، وفيها الاقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين. واذا اصبح الدين والتاريخ جزءا من نزاع ما، يكون بالتاكيد من الصعب تجاوزهما، وهذا هو الحال في النزاع الفلسطيني الاسرائيلي، وربما كان ولايزال من الاسباب الرئيسية لبقائه مستعصيا على الحل طيلة عقود، وقد يستمر على هذا الحال عقودا اخرى. ولذا فانه لا سلام منتظر في المدى القريب على الاقل، حتى لو تفاءل ترمب بعكس ذلك.   

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش