الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دواعش اوروبا

عبد الحميد المجالي

الاثنين 28 آب / أغسطس 2017.
عدد المقالات: 107

بعد سنوات من انتشار ظاهرة الارهاب الذي ياخذ طابعا دينيا اسلاميا ، لم تصل  مراكز الدراسات والمؤسسات الرسمية والاهلية  بعد ، الى تحديد السبل العملية الكفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة سواء على المستوى الوطني او العالمي ، رغم تعدد التحليلات والاستنتاجات الصحيحة حول اسباب الارهاب وسبل مواجهته، والتي لم تأخذ نصيبها في التنفيذ على الارض .
ويعود الفشل في القضاء على  الارهاب ، الى ان ظاهرة الارهاب نفسها  ظاهرة معقدة في عوامل منشئها وحركتها ،  التي يتداخل فيها السياسي بالديني والاجتماعي  والثقافي ، وهي عوامل يصعب الوصول الى جذورها  كونها عوامل انسانية وليست رياضية يمكن تحديد مقدماتها الرقمية والخروج بنتائج علمية صحيحة لا تقبل الجدل او الشك . ولذلك فان اي طروحات او محاولات لتحديد سبل مواجهة هذه الظاهرة تظل في حدود الاستنتاجات غير مضمونة النتائج ، خاصة وان الكثير من هذه السبل  قد تم تجربتها لكنها  كانت مخيبة للامال ، بعد ان تزايدت ظاهرة الارهاب وتعددت اساليبها ، واصبحت نتائجها اكثر كارثية ومأساوية في  المجتمعات المستهدفة .
الجدل حول كيفية مواجهة خطر الارهاب واسبابه ، يعم ارجاء اوروبا بعد تعرض دولها الى موجات متعاقبة  من عمليات القتل باساليب مختلفة ، والتي تنسب الى مؤيدين لداعش او اعضاء في التنظيم كخلايا نائمة تأتمر باوامر قيادة داعش في الشرق الاوسط .
وفي اطار هذا الجدل يتم طرح اسئلة عديدة وجذرية لم يجد السائلون عليها بعد اجوبة شافية . ومن بين هذه الاسئلة هي : لماذا يستهدف داعش اوروبا بالذات في عملياته وليس كل اوروبا بل غربها فقط  ؟ ولماذا منفذو عمليات داعش هم من الجاليات الاسلامية التي تعيش في اوروبا منذ سنوات ، وجاءت الى دولها طلبا للرزق او فرارا من قمع انظمتها في الشرق الاوسط وفي شمال افريقيا ؟ وهل هناك قصور في منظومة التعليم والتربية في اوروبا ، خاصة وان الشباب الذين ينفذون عملياتهم الارهابية تعلم معظمهم منذ الصغر في المدارس الاوروبية ؟ وهل هناك تنظيما موحدا لداعش في اوروبا يخطط وينفذ بمعزل عن التنظيم الام  ، ام ان المنفذين مجرد خلايا مستقلة في قرارالتخطيط والتنفيذ  ؟ ومن ثم ماهي الحلول لتفكيك هذه الالغاز التي تؤرق اوروبا الرسمية والاهلية ، وتضع المواطن الاوروبي في حالة الخطر الدائم والخوف المستمر ؟.
الملاحظ ان معظم منفذي عمليات الارهاب في اوروبا هم من ابناء المهاجرين اليها من دول شمال افريقيا ،  التي يعتقد انها من اكثر الدول التي امدت داعش بالمقاتلين في كل من سوريا والعراق . ويذكر ان هذه الدول  خضعت في الماضي للاستعمارين  الفرنسي والاسباني ، فهل لذلك دلالة على ان هؤلاء الشبان يسعون للانتقام من مستعمريهم السابقين ؟ كل ذلك مجرد اسئلة تخضع للتحليل والدرس منذ بدأ الارهابيون يركزون عملياتهم  في دول اوروبا الغربية . 
تتعرض اوروبا لخطرين مصدرهما تنظيم داعش ، الاول : داخلي يتمثل بابناء الجاليات الاسلامية في اوروبا ومن مواليدها على الاغلب،  والثاني : من الخارج ويتمثل بالعائدين من ميادين القتال مع داعش في الشرق الاوسط ، وهم بالالاف الذين يعودون الى الدول الاوروبية التي خرجوا منها ، ويدعون انهم لم يكونوا مقاتلين بل كانوا يقومون بمهام لوجستية وانسانية كالتمريض مثلا . او من اولئك الذين يتسللون  من خلال المهاجرين غير الشرعيين الذين تستقبلهم دول اوروبا يوميا لاسباب انسانية . وتجد الدول الاوروبية صعوبة في تحديد كيفية التعاطي مع كل هؤلاء ، وخاصة مع اولئك الذين كانوا ينتمون لداعش في الشرق الاوسط ، حيث تتعدد سبل التعاطي معهم رغم تركزها  بين السجن ، وبين اعادة التاهيل ، وكلا الاسلوبين لا يشكل حلا فوريا للمشكلة الداعشية في اوروبا .
وهناك مسالة اخرى تؤرق الجهات الامنية الاوروبية ، وهي ان الارهابيين  باتوا يلجأون الى اساليب بدائية لايمكن توقعها ، مثل عمليات الطعن والدهس بالسيارات ، اذ لا يمكن منع اي كان  من استخدام السيارات  في حياته اليومية .
وبناء على معطيات عديدة ، فان خبراء الامن والسياسة في اوروبا ، يؤكدون ان نهاية داعش في الشرق الاوسط ، لاتعني نهايته في اوروبا.  فالتنظيم يضاعف من عملياته في اوروبا كلما خسر مواقع جديدة  في الشرق الاوسط ، ويقولون ان الاسوأ قادم ، وعلى اوروبا ان تتوقع مزيدا من عمليات القتل .
 اوروبا في خضم البحث عن حلول ، تخضع نفسها لصراع فكري ذاتي ، يعززه سؤال جذري ، وهو : هل تتخلى عن قيمها الاساسية في الحرية وحقوق الانسان في اطار مواجهتها للارهاب ؟  ام انها قادرة على العبور الى المستقبل بسلام من هذا الارهاب ، مع احتفاظها بتسامحها وقيمها الانسانية ؟هذا الصراع ياخذ ابعادا حقيقية في الدوائر الاوروبية على مستويات مختلفة . ومن الذين حسموا الاجابة عليه  ،  رئيسة وزراء بريطانيا التي قالت “اننا اذا خيرنا بين الحرية واستخدام اساليب اخرى لمواجهة الارهاب ، فسوف نتخلى عن الحرية “.
الخاسر الاكبر من هذا الخيار ، هم الجاليات الاسلامية في اوروبا ، التي يجب ان تجري مراجعة ذاتية جماعية لمستقبل وجودها في القارة المتسامحة مع من هم على اراضيها ،  وان تجيب هي الاخرى ،على اسئلة عديدة وجذرية ، واهمها السؤال المتعلق بالجدوى الدينية والسياسية والاجتماعية ، للاستمرار في الذهاب مع داعش الى الجحيم ، وكيفية تجنب هذا الطريق المؤلم للجميع !.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش