الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الإرهاب الفكري ... !

عبد الحميد المجالي

الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 109

بين المقدس واللا مقدس من التراث الديني نصوص وروايات لها طابع بشري وليس الهي، يحتدم الجدل والحيرة حول جواز الخروج من اطار هذه النصوص او الانغلاق في صندوقها، رغم ما تحتاجه من نقاش يتناول مضمونها الديني والتاريخي والعلمي، وياخذ هذا الجدل في بعض منه، شكلا من اشكال الارهاب والقمع الفكري، الذي قد يتطور الى الارهاب الجسدي العنيف، بعد تمهيد الطريق له بالتكفير والخروج عن اصول الدين واحكامه.
البعض من علماء الدين ووراؤهم كثير من العامة، يعتقدون ان ما قاله او افتى به العديد من الائمة واشباههم عبر القرون الماضية، اصبح جزءا من المقدسات الدينية التي لايجوز المساس بها او الاقتراب منها، حتى لو كان مشكوكا في مدى مطابقتها لنصوص القران الكريم، او انها اصبحت جزءا من الماضي وتجاوزها الزمن، او خرجت من الاطر العقلية والتفكير العصري الذي يجب ان يخدم الدين في زمنه، والناس في حياتهم العصرية، مع الاخذ بعين الاعتبار اختلاف الظروف وتبدل الاحوال، التي توجب تبدل الاحكام.
ومثل هؤلاء يتصرفون وكأنهم حراس على الدين واوصياء عليه، وانهم وحدهم الذين يمتلكون الحقيقة الدينية، ويجوز لهم دون غيرهم تصنيف المسلمين بين كافر وزنديق ومرتد اومؤمن . وكل هذه الممارسات عنوانها التطرف والغلو في تفسير النصوص الدينية المقدسة، واعتبار الروايات والاحاديث حتى المشكوك في صحتها، سندا لاصدار الاحكام على الناس وعلى علاقتهم بربهم وادائهم للفروض والسنن، ووسائل تطبيق تعاليم الرسالة واحكامها.
ومما لاشك فيه ان الموروث الديني البشري، يزخر بماهو ليس من صحيح الدين ومن ثوابته، ويعود ذلك الى ان المسلمين مروا بحقبة من التاريخ والمناقشات الدينية والسياسية، جعلت الكثيرين يختلقون الروايات والاحاديث المنسوبة الى رسول الله “صلعم” وصحابته لدعم وجهة نظرهم الدينية المذهبية او السياسية، ومع مرور الوقت وتراكم هذا التزييف، اصبحت هذه المختلقات جزءا من تفسير ديننا الحنيف، ويتم اعتمادها من قبل البعض كأسس لاصدار الفتاوى والاحكام.
واتمنى ان لا ادخل عش الدبابير حين اقول، ان بعض الاحاديث المنسوبة لرسول الله “صلعم “ احاديث ليست صحيحة، واذا ما تم التدقيق فيها، فانه لايمكن القول او الجزم بان الرسول الاعظم يمكن ان يقولها؛ لان بعضها مخالف للقران الكريم وللعلم والمنطق، ولايمكن لرسول الله ان يقول كلاما كالمنسوب اليه في هذه الاحاديث.
و لو اتاح المسلم لنفسه الفرصة لتقليب بعض كتب الحديث وتمعن فيما يقرأ، فسيجد قصصا واخبارا من كل حدب وصوب، تعكس الزمن الذي اختلقت فيه والعادات والاتجاهات الفكرية السائدة في ذلك العصر.
 ان كل من يظن ان القران لايفي بتشريعات الله، وانه يحتاج الى نصوص اخرى لاكمال دينه، فقد انسلخ عن الدين وغوى، كما ان من تبع المشرع البشري في الدين فقد ضل؛ لان اتباع الرسول يكون باتباع القران وليس هجره، او اتباع تشريعات بشرية تستند الى اقوال منسوبة لرسول الله وهو لم يقلها ولا يمكن ان يقولها. كما ان كل من اصدر تشريعا لاوجود له في القران، فقد نصب نفسه مشرعا مع الله وشريكا له في دينه، قال تعالى “ ويوم يناديهم فيقول “اين شركائي الذين كنتم تزعمون، قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين اغوينا اغويناهم كما غوينا “
ولايتحمل المقام هنا ان نورد امثلة على ما نقول، فهي عديدة وتزخر بها بعض كتب التراث، وكل ما تحتاجه هو مناقشة مدى مطابقتها لنصوص القران الكريم اولا وبالعلم والمنطق والعقل ثانيا، الم يعتمد تنظيم داعش الارهابي على كثير من هذه التلفيقات على الرسول الاعظم، وعلى تاريخ الاسلام والمسلمين، ويتخذها وسيلة للبطش والارهاب كرواية الحرق وتحديد معنى الردة والحكم عليها، وغيرها من الاحكام التي لاتطابق صحيح الدين، بل شوهت ديننا وانحرفت به الى اتجاهات جعلت من المسلمين قبل غيرهم يوجهون اصابع الاتهام للدين نفسه، وليس لاولئك الذين انحرفوا في تفسيره، وابتعدوا عن فهم حقيقته.
ان الوقوف في وجه استخدام العقل، وقمع الراي المخالف لما ورد في بعض كتب التراث الديني والبطش به، سواء عبر القرون الماضية او في هذا العصر خصوصا يعد واحدا من اسباب تخلف الامة وعدم خروجها الى حيز الحداثة والتحضر، فالامة الاسلامية ما زالت تعيش في عصر ما قبل الحداثة، فيما تجاوزت الامم الاخرى التي رفعت من مستوى وعيها بما يتناسب مع الاحوال المستجدة، عصر الحداثة الى ما بعدها.
المطلوب من علماء الامة ومفكريها ومثقفيها، ان يتداعوا الى عقد حلقات نقاش ودراسة متأنية لتنقية التراث مما علق به من تلفيق واساطير وكذب على رسول الله “صلعم “ وعلى صحابته رضوان الله عليهم، وعلى تاريخ الاسلام والمسلمين، على ان تكون مقتضيات العصر حاضرة في تفكيرهم وجهدهم، لكي نتخلص مما هو مخالف للعقل والعلم والعصر، وان نعود الى صحيح الدين بعيدا عن الارهاب الفكري اوالاتهامات بالخروج عن دين الله، فنحن جميعا مسلمون نحرص على ديننا كما نحرص على انفسنا وحياتنا، والقرآن هو دستورنا ومرجعيتنا، لانه كلام الله سبحانه وتعالى الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولله الامر من قبل ومن بعد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش