الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أعيدوا التفاوض مع صندوق النقد الدولي

تم نشره في الاثنين 18 أيلول / سبتمبر 2017. 01:04 مـساءً

د. جواد العناني 

التفاؤل الذي يبديه جلالة الملك، وبخاصة في المقابلة التي أجراها جلالته يوم الاربعاء الماضي مع مدير عام وكالة الأنباء الأردنية فيصل الشبول، أو تفاؤل رئيس الوزراء في لقاءاته مع رجال الأعمال والمستثمرين، أو الوزراء عند توقيعهم لقرض سهل أو مساعدة هو تفاؤل مبرر. فنحن نمر الآن في أصعب المراحل من حيث اغلاق أبواب التصدير، وانحباس حركة النقل بفعل الحروب أو بفعل الرسوم المرتفعة التي فرضت على شاحناتنا المتوجهة لدول الخليج، أو بسبب كلفة إقامة اللاجئين، وغيرها. هذه الصعوبات تشكل رصيداً مخبأ؛ لان انفراجها سيحدث انفراجاً في السوق الأردنية.

ولكن الأهم أن التفاؤل يعني عدم الاستسلام وقبول الأمر الواقع، بل التحرك لتغييره بالعمل الجاد والعلمي الدؤوب، والأمل عندي أن تقوم الحكومة بكل قوة بإعادة التفاوض مع صندوق النقد الدولي. ورغم كل ما تقوله الحكومة على ألسنة وزرائها أن وضع الدين قد تحسن هو ليس الا قراءتها للارقام بشكل يخدم اغراضها. وإلا كيف نفسر للأردنيين نيتنا زيادة الضرائب، مثل ضريبة الدخل، وما يشاع عن دراسات تجري من اجل رفع نسبة ضريبة المبيعات؟

ولنتعظ من الدروس التي بين أيدينا. لن يزيد معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي هذا العام عن (2%) على أحسن الأحوال، إلا إذا انفرجت حركة البضائع والناس عبر الحدود مع الدول المجاورة، فقد يرتفع معدل النمو على أحسن الافتراضات إلى (2.2%). ولذلك لن يتحسن المؤشر  الأساسي عام 2017 ولا عام 2018، وهو هبوط نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الاجمالي؟

إذن فسياسة صندوق النقد الدولي قد فشلت في البسط وفي المقام. ففي البسط لم تتراجع المديونية بل زادت ولكن ربما بأقل مما كان متوقعاً. ولم يتحقق نمو ملموس يمس حياة الاردنيين نحو الافضل، بل إن معدل النمو هو أقل من الزيادة في السكان.

آن الأوان أن نطلب من صندوق النقد الدولي أن يؤجل برنامجه حتى عام 2020، حيث يجري خلال عامي (2018) و (2019) وضع برامج إنتاجية واستثمارية، وتتوجه كل جهود أجهزة الحكومة، ومؤسسات القطاع الخاص، والمجتمع المدني نحو زيادة الاستثمار والانتاح حتى يحقق نمواً سنوياً حقيقياً بنسبة 4-5% سنويا، وبالأسعار الجارية ما بين 8-10% سنوياً. وهكذا يشعر الناس بالفرق، ويكونون أكثر استعداداً للتجاوب مع سياسات الحكومة التصحيحية والاصلاحية في مجال المالية العامة.

وبالطبع، فإن ارتفاع معدلات النمو ستجلب معها ارتفاعاً في درجة حرارة الاقتصاد يعكسه ارتفاع معدل تكاليف المعيشة بنسبة قد تصل إلى 5% على حد أقصى بدلاً من 3% كما هو عليه الحال الآن على درجة التقريب. 

إن زيادة الأسعار ستمكن الحكومة من زيادة مواردها الضريبية، وذلك لأن السلعة التي تدفع 17% ضريبة مبيعات وثمنها مائة دينار ستوفر للحكومة سبعة عشر ديناراً. أما إذا أصبح سعرها (105) دنانير، فإنها سوف تدفع سبعة عشر ديناراً وثلاثماية وخمسين فلساً ضريبة، وإذا بلغ انفاق الناس على الاستهلاك عشرين بليون دينار، فإن هذا يعني زيادة في حصيلة ضريبة المبيعات من (4ر3) بليون دينار إلى حوالي (3.57) بليون دينار. أو بزيادة في بند واحد بمقدار (157) مليون دينار. 

وسينطبق المنطق نفسه على ضرائب الدخل والرسوم وغيرها. وسوف يتحرك قطاع العقار الراكد، ويتحرك سوق عمان المالي (البورصة)، مما يزيد من حصيلة الحكومة.

برنامج صندوق النقد الدولي في مطالبته بالإصلاح الضريبي لجعله أكثر فعالية مبرر. فواضح أن ارتفاع نسبة الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة التهرب الضريبي، وفلتان كثير من الأفراد من دفع المستحقات الضريبية يتطلب تفعيلاً لأدوات الضريبة، ورقابة أفضل، ومواجهة أدق للمتهربين من الضريبة والمتجنبين لها.

أما إذا أبقينا برنامج صندوق النقد الدولي على حاله، فنحن كالمنبت، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. والاستسلام المطلق لصندوق النقد بهدف الحصول على مساعدات اضافية ليس علاجاً، بل هو مخدر مؤقت. العلاج الحقيقي يكمن في زيادة الانتاج.

إذا استطعنا خلال عامين أن نحقق معدل نمو قدره 5% في السنة، ونجحنا في تقليل البطالة ومساحة الفقر، وأعطينا المواطن جزءاً من كرامته التي فقدها بفعل هاتين الآفتين، فإن وطننا الاردن سيستعيد تآلفه وتراحمه، وسوف ترتفع هيبة السلطات، وتقل حوادث العنف، وسيحلم الناس بغد أفضل.

من الواضح أن ما قاله جلالة الملك لوكالة الأبناء الأردنية قد أعطى الحكومة عمراً أطول شريطة أن تقدم بما طالبها به. وعليها، وهي تعاني من سوء الثقة وعدم الاطمئنان إلى قدراتها، أن تثبت للناس أنها قادرة وفاعلة.

وحتى لو افترضنا أن ما يطلبه منا موظفو صندوق النقد الدولي هو تنفيذ لقرارات مجلس إدارة الصندوق، لتحقيق أهداف سياسية وتمرير قرارات صعبة علينا، فإن الواجب يتطلب أن نتحرك على كل المستويات لإعادة النظر.

يقولون أن مديراً جديداً مسؤولاً عن منطقتنا قد عُيّن لدا صندوق النقد الدولي، وأن هذا الشخص نكد ويصر على أن تلتزم الحكومة بما وقعت عليه، ولكن هذا لا يعني شيئاً أمام واقع البلد. وإذا ظن مسؤول أنه قادر على جمع (750) مليون دينار إضافية العام القادم فإنه سيكون دون كيشوت حين صارع طواحين الهواء. ومما يؤكد هذا القول أمران يجب أن نبقيهما في البال.

الأول: ليس صحيحاً أن هنالك ضرائب تحمي الطبقة المتوسطة والطبقات الأقل حظاً، لأنها جميعاً تقع في النهاية على كاهل المواطن. فالبائعون والمنتجون يجدون دائماً الوسيلة لنقل الكلف الإضافية إلى أسعار السوق. قد يكون الكلام صحيحاً في بداية مرحلة تطبيق الضرائب الإضافية، ولكن في المدى المتوسط يدفع المواطن التكاليف الإضافية.

الثاني: أن إعادة توزيع الدخل والثروة عن طريق الضرائب قد فشلت حتى في أغنى الدول الرأسمالية، واثبتت الدراسات العلمية أن ضريبة الدخل التصاعدية هي ليست كذلك، بل عند التطبيق هي ضريبة تنازلية يدفع الأقل دخلاً نسبة ضريبة أعلى من تلك التي يدفعها الأغنياء. وخير وسيلة لتحسين توزيع الدخل هي زيادة نصيب الفقراء ومتوسط الدخل منه. 

لم تقدم ولو دراسة واحدة من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي أو من قبل أي جامعة لتثبت لنا أن ما تقترحه الحكومة سوف يزيد بالفعل من إيراداتها، أو أن تخفيض الدعم والاعفاءات وزيادة نسب الضريبة ستحقق عدالة أكبر.

لا بد من إعادة التفاوض مع صندوق النقد الدولي لنقارع منطقه بالحجة المقنعة والموقف الثابت.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش