الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رئاسة الحكومات وبعض أحوالها !

عبد الحميد المجالي

الاثنين 25 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 107

حكاية اي رئيس حكومة في الاردن، تشبه الى حد كبير السفر على ارض مكشوفة وبالاقدام، يحاول خلاله مسح السطح ودراسة تركيبته اوملامسة عمقه لقياس حرارته، وتفحص الفروق بين الصخر والرمل، ولكنه في النهاية يخرج من تلك الرحلة باقدام مثخنة بالجراح؛ لأن كل ما حاول معرفته كان خارج القدرة على التأمل والتفكير والخيال، وعصيا على الفعل الذي يرضي النفس والناس.
على اي رئيس حكومة في الاردن وفقا لتقاليد السياسة الاردنية التي استجدت في العقود الاخيرة، ان يجيب على اسئلة التاريخ والحاضر والمستقبل، وتلك الاسئلة تتعلق بملفات ثقيلة على النفس والجسد، ولا تشيع سوى الاحباط حين يبدأ بملامستها، والملفات تتعلق بالسياسة في تفاصيلها المعقدة وشاغليها الكثر، وبالاقتصاد الذي تطيح اوضاعه بكل الاحلام والامال؛ لانه يسير الى الأسفل بتسارع، لا قدرة لاحد على وقفه. وثالث ملفاته، رضى الناس والتواصل معهم على هيئة شيخ عشيرة او ناطق باسمه، وهو ملف في بعض مافيه يتعارض مع مقتضيات الحداثة والعصر. والملفات الثلاثه ليست مقطوعة عن بعضها البعض او منفصلة، وانما هناك على نحو ما، سياق واصل بينها وجامع بين اطرافها.
وليس هناك رئيس حكومة يستطيع الاجابة عن كل هذه الاسئلة. وان حاول ان يجيب، فكل اجاباته ستكون منقوصة في اطارها وتفاصيلها، وحتى لو صحت كل او بعض هذه الاجابات، فالنتيجة واحدة والحكم مسبق، بعد ان اعتاد الشعب الاردني خلال العقود الاخيرة ان لايعطي اي رئيس حكومة علامة نجاح تزيد على خمسين بالمئة في كل سنوات الاختبار زادت او قلت، وسواء كان الحكم في بداياتها اوفي نهاياتها.
والحقيقة انه لايجوز ان يكون الحكم على المسؤول، حكما مدرسيا يوحي بالرسوب او بالنجاح او المطالبة باعادة المنهج من اول الابجدية؛ لأن مثل ذلك ضياع لزمن وجهد في تجربة الوطن لاتقتضيه الظروف والاحوال، حتى وان استوجبت هذه الظروف اعادة النظر والتفكير. فالحكم يجب ان يصدر دون أن يكون معناه حكما بالضياع على مسيرة وطن وعلى حياة مواطنيه.
و هناك اكثر من الظن، بان المجتمع الاردني قد جرته الاحداث والظروف الى مكان مقلق يثير تساؤلات حول علاقته الحاضرة والمستقبلية بالسلطة، وفي هذا المكان قوى وقرارات تحثه على الاندفاع ولو تدريجيا، وبعضنا لايحس بتفاعلاته، إما لاننا نفكر بسطحية، او لاننا نتعمد بعناد غير مبرر،ان نغمض عيوننا ونغلق اذاننا توهما بان عصور كل دولة تسير بنفس الاندفاع والتداعيات، او ان الوعي لايتجدد بل يبقى جامدا حتى لو تغيرت الظروف والاحوال، وذلك تفكير قاصر و بعيد عن الحكمة والقراءة المعمقة للتاريخ وتطور المجتمع، اي مجتمع كان. واكثر من ذلك فان هذا التفكير يلحق ضررا بالدولة ويمنعها من القيام بما يقتضيه الظرف والوعي والتطور، بعيدا عن الجمود وتحنيط الرؤية والتفكير.
ومثل هذا الاندفاع يسوقنا الآن الى حيث لانعرف، وهو خطأ باي حال، لانه يشكل خطرا، والاستمرار فيه سباق نحو الفوضى واستحالة تطوير الثقة بين الشعب والسلطة، وذلك لايشكل طريقا نحو النهوض والتقدم، بل يعود بنا الى الوراء، وقد غير هذا الاندفاع كثيرا من لهجة الخطاب الشعبي تجاه الحكومات، وهذا التغيير كان سلبيا في معظمه، وهنا لاندعو الى مديح للحكومات ظالمة او مظلومة . فقد اصبح المديح في خطابنا جزءا من الماضي، بعد ان كان في وقت ما تزيدا على السياق ومبالغة لاتقتضيها الظروف. وفي كثير من الاحيان اصبحت هذه المبالغة تجاوزات تسيء الى الممدوح بغير ذنب؛ لانه لاشئ يسيء الى رجل او الى حدث، مثل المبالغة حين تتخطى حدودها المنطقية.
ودون تزيد اومبالغة كالتي تحدثنا عنها، فان قراءة الواقع الاردني تجعلك تشفق مضطرا على اي رئيس حكومة يقبل بهذه الوظيفة، ولا اعرف ان كان القابلون بها يعلمون تمام مقتضياتها وابعاد احكامها وتداعياتها عليهم كاشخاص وعلى الوظيفة ذاتها .؟ ام ان بريق المنصب لايطفئ المفهوم والمعلوم؟
في زمننا الاردني هذا، رئيس الحكومة في مرمى النيران من كل جانب، و من داخل حكومته احيانا. والناس مواطنون ونواب واعلام،سواء المتضرر من قراراته او غير المتضرر، يصوب نيران ما في قاموسه الكلامي على رئيس الحكومة، وكل تلك نيران من موقع هجومي واحد، اما الموقع الاكثر ايلاما فهو الوضع الاقتصادي والمالي للدولة، ففي غياب الحلول يلجأ رئيس الحكومة لصندوق النقد الدولي طلبا للنجاة، ونيران هذا الصندوق اكثر وجعا؛ لانه لايرحم حين يتحدث بالارقام فقط وينسى او يتناسى ان هناك مجتمعا تكويه هذه الارقام. فلمن يستجيب رئيس الحكومة، للصندوق الاعمى عن ما يسمى بالاقتصاد الاجتماعي، ام للشعب الذي لايستطيع ان يدفع من جيبه المنهك ومدفوعا بنفسه اللوامه؟.  انها ضريبة الوظيفة التي تستحق الاشفاق، وتتطلب عقلانية بالحكم على رجل يشغل منصب رئيس حكومة، ولكنه بعد مضي وقت قصير من رئاسته، لمن يريد ان يدقق ويرى بعيدا عن الاحكام المسبقة، سيعرف انه يمشي حافي القدمين على اشواك ورد، يسمى رئاسة حكومة !.
وبعد ماقلت اجد من الضروري ان اذكر ملاحظات شخصية لابد منها:
اولا، انني لااحاول ان ابرر شيئا ما، فذلك ليس دوري ولا من شأني.
وثانيا، لااحاول ان ارسم ظلالا على واقع صورة واضحة تتحدث عن نفسها ولا يستطيع احد ان يغطيها بالتعتيم والظلال.
وثالثها، ليس لي مصالح مع احد اطلبها اوالمح اليها . فمنذ ان بدأت حياتي العملية قررت ان لا اتعلم فنون لعبة المصالح ولم افعل . وقد رايت غيري يجيدها، ولا اريد ان اقول شيئا عن ذلك قد يسئ لاشخاص او دوائر تفضل هذه اللعبة ومن يلعبها ، فقد قلت ما قلت ....واكتفي، بعد ان اطلت اكثر مما يجب ويقتضي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش