الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأردن والجغرافيا، ما لها وما عليها

عبد الحميد المجالي

الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 109

لم تعد الجغرافيا بقعة ساكنة وصامتة على سطح الكرة الارضية او مجرد تضاريس ومناخ وحدود، بل باتت تنطق بالسياسة والاقتصاد والتاثير، والعلاقات الداخلية والخارجية للدول مهما كانت طبيعة هذه العلاقات صراعية او سلمية هادئة، ترسم المستقبل وتحدد الاتجاهات والمسارات .

ولان الجغرافيا بهذه الاهمية التي تتصاعد مع تقدم الزمن، فلابد من التفتيش في تأثيرها على الدول صغرت أم كبرت، في عالم لم يعد يترك صغيرة او كبيرة الا وقد وضعها في ميزان السياسة والحسابات القريبة الاجل او البعيدة، وفي حياة ومصائر الدول والكيانات، في اطار التحولات التي تفرضها الكيانات الكبرى على الاصغر منها تحقيقا لمصالح آنية او مستقبليبة، او مطامع تسعى لها لتصعيد قوة حضورها الآني او استرجاع مجد تاريخ مضى.

والجغرافيا اليوم هي الجغرافيا السياسية، ولم تعد كما قلنا مجرد جغرافيا طبيعية، انها العلاقة التبادلية التاثيرية بين الجغرافيا نفسها وبين السياسة، حيث تفرض الجغرافيا نفسها على السياسة كقدر لافكاك منه، ومن هنا تسعى السياسة لتخطي العوائق الجغرافية وقليل منها ينجح في ذلك، ولو فاز في معركة فانه لن يفوز في حربه الطويلة مع هذا القدر المحتوم.

ورغم ما يقال عن قدرية الجغرافيا فانها ليست حتمية بالمطلق، فالجغرافيا ليست وحدها التي تؤثر على السياسة، بل للسياسة سلطة على الجغرافيا، فالجغرافيا السياسية تعتمد في الاساس على قدرة الدول على تطويع التضاريس لخدمة الامكانات الاقتصادية والبشرية ما يجعل هذه الدول ذات شأن مع الأخذ بالاعتبار علاقاتها بالدول الاخرى .

ولكي لا نبتعد عن تأثير الجغرافيا على الاردن وتاثيره عليها، فاننا نستطيع ان نحدد بالتصورات المجردة او بالحقيقة، ان الجغرافيا كانت في كثير من الاحيان شديدة القسوة على الاردن ولاتزال، وان كانت في احيان اخرى لها نعيم، لكنه نعيم يمر كالسحاب فوق تأثير القسوة الدائم .

الاردن بلد يتوسط في موقعه الجغرافي الشرق الاوسط، وموقعه هذا جعل منه نقطة تواصل بين دوله في الشرق والجنوب والشمال، فلامناص لهذه الدول “ السعودية وسوريا والعراق، من ان يكون الاردن برا اوجوا ممرا او مقرا لهذا التواصل ليس بالجغرافيا الصماء، بل بالجغرافيا التي تتكلم السياسة والتجارة والتاثير، وتلك نعمة مقدرة ومحسوبة لهذه الجغرافيا.

وموقع الاردن المتوسط والقريب بالتماس المباشر من حدود هذه الدول، اعطاه تاثيرا ودورا ربما يتجاوز في بعض الاحيان حدود موارده وامكاناته قياسا مع غيره من الجوار، وهذه ايضا احدى الفرص التي صنعتها الجغرافيا وطبيعة الحكم الرشيد وتلك نعمة اخرى ثابتة، لا تمر دائما مر السحاب.

وموقع الاردن بين هذه الدول منحه القدرة على صياغة سياسة معتدلة اما بالاضطرار او بالاختيار، ومثل هذا الاعتدال جعله متخصصا في صناعة المواقف الاكثر تدبيرا وهدوءا وتطويعا للاحداث لصالحه، وخروجا منها باقل الخسائر الممكنة بعيدا عن التهور وغرور القوة الذي اضاع انظمة حكم ودولا وشعوبا. وظل الاردن بالتدبير والتقدير يمتطي سفينة النجاة حتى في احلك الظروف وعصبية العواصف التي لاتزال تضرب الشرق الاوسط من الاتجاهات الاربع، وذلك نعمة اخرى للجغرافيا ولمقتضيات واقعية السياسة، فلامناص من الاعتراف بها، وتلك هي السياسة في خضم تاثير الجغرافيا.

واذا كان للجغرافيا نعم ظاهرة وباطنة على الاردن، فلها نقمها التي تلقي بظلالها الداكنة عليه وتضع قيودا على حركته وتاثيره .

في حدودها الداخلية، حرمت الجغرافيا الاردن من الموارد والامكانات الطبيعية، وتركته وحيدا بين الدول المجاورة، لايمتلك الا الجزء اليسير من خزائن الارض، وهذا اليسير ليس له التاثير الغالب لكي يصنع اقتصادا ومالا وسياسة غالبة ومطواعة . فلا بترول ولامياه، والرقعة الزراعية لاتتعدى نسبة الثمانية بالمئة من الارض، ويتم ابتلاعها مع الزمن باكوام من الحجارة تسمى عمرانا وبيوتا لاتتوقف عن الزحف عاما بعد اخر .وذلك جر الحكومات المتعاقبة الى علاقة حرجة مع شعبها، في اطار سعيها الدائم لتدبير سبل العيش ومتطلبات الحياة. ويزداد هذا الوضع حرجا مع زيادة المطالب والاعباء، كما جعل الحكومات فريسة للاقتراض من الخارج وطلب المساعدات من القريب والبعيد، ولذلك تاثير على القرار والقدرة على الحركة في عالم يموج بتيارات الصعود بأكثر مما يموج بتيارات الهبوط والسكون.

والجغرافيا وضعت الاردن في موقع تحيط به دول اكثر منه امكانات في المساحة والسكان والموارد، فالسعودية من الجنوب والعراق من الشرق وسوريا من الشمال، ومن غربه كيان تقف وراءه اعتى واقوى امم الارض، وله اطماعه ومواقفه التي تجعل من جيرانه ومنهم الاردن يضع يده على الزناد، ويعيش دوام السهر والحذر، لكي يعرف ويحتاط لهذا الكيان الذي لا يهدأ او يستكين، بل يمضي ايامه يدبر ويتربص لتجسيد اسطورة التوسع والهيمنة على شكل وقائع واحداث، وهي الاسطورة والسياسة والمصالح التي صنعته خنجرا وضعه الغرب في خاصرة الوطن العربي، وكان الاردن اكثر من تحمل تبعات وتداعيات وجود هذا الخنجر المسموم ولا يزال.

ولكي لانطيل اكثر مما يجب، فان حكم الجغرافيا رغم بعض النعم، فانه وضع الاردن وسط دوامة السياسة وتقاطع النيران وضباب الحرب. واصبح الاردن بالجغرافيا السياسية وسط فوهة بركانية متفجرة او مستعدة للتفجير عند اي حركة محسوبة او غير محسوبة.

ذلك حكم الجغرافيا على الاردن وقد كان ولايزال قاسيا، رغم مافيه من بعض ما نريد، وهو قليل بفعل القدر وبفعل ايدينا!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش