الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جوع العين

رمزي الغزوي

الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 1757


ينفق العالم الرشيق أكثر من مائة مليار دولار لمكافحة السمنة، ولإنقاص الوزن الزائد لكثير من بدناء الأرض ومترهليها ومترفيها سنوياً، وأرجو أن لا يتأفف أحد من هول هذا المبلغ الصادم، ولا يتمنى أن ينفق على أولئك الجائعين على كوكبنا، والذين يعيش الواحد منهم على أقل من دولار يومياً، وهم يتجاوزون المليار ونصف المليار إنسان، فهؤلاء يذهبون أدراج النسيان.
شاع قديما أن الجائع يشد حزاماً متيناً حول معدته، وكأنه يخنقها ويضيق عليها ويلجمها، وهي بهذا تتلهى وتنسى الجوع، وكان إذا ما صار الحزام غير نافع تحت وطأة الجوع، فإن الجائع يتحزم بحجر فهذا يكون أكثر نفعاً.
وتشيع في عالم اليوم عمليات تصغير المعدة وتكبيلها، للذين يريدون إنقاص أوزانهم بسرعة بعيداً عن الحميات الحانقة، وبرامج الريجيم القاسية، ويتخذ في هذه العملية حزاما صغيرا، يقسم المعدة إلى قسمين، القسم الصغير يصبح مخصصاً لاستقبال الأكل، وبالتالي يضطر المريض للشبع سريعاً، فيرفع يده عن الطعام، الذي هو في غالبية الأمر، عادة وإدمان.
بمناسبة اليوم العالمي للأغذية الذي صدف يوم أمس، اطلعت على إحصائيات نشرتها منظمة (السلام الأخضر) أكدت فيها أن مدينة موسكو وحدها تنتج ما يزيد على 9 ملايين طن من النفايات يومياً، 40% منها نفايات غذائية، وهي كافية لإطعام ما يزيد على مليوني شخص سنوياً. وأن معدل استهلاك البريطانيين من المواد الغذائية يصل إلى 12 مليار جنيه استرليني (20 مليار دولار) يذهب ما يزيد على نصفه إلى النفايات. ولا أريد أن أفجعكم بحجم نفايات دبي، أو الرياض، أو عمان، أو الدوحة، أو الكويت؟!.
يحزنني أن تصرف هذه المليارات من أجل تحزيم ولجم المعدة، وهناك ملايين الناس تبيت طاوية يتحزمون بحزنهم وحجارتهم، ويتكورون على ذواتهم؛ من أجل قمع الجوع الكافر، فيما العالم المترف لا يمد يده من أجل عون هؤلاء، فحبذا فقط لو أن عمليات شفط الدهون من كثير من بدناء العالم، يتم ضخها إلى أؤلئك المصابين بسوء التغذية المزمن والهزل دائم!.
يحكى أن واحدا من السحرة راهن قرية كاملة على أن يملؤوا إناء كان معه، بما شاءوا من الأشياء، ففشلوا رغم ما ضخوه من ماء وقمح وطعام وأثاث وغيرها، حتى تنبه أحدهم إلى الإناء، فوجد عيناً مرسومة في قعره؛ فما كان منه إلا أن قبض حفنة تراب، وألقمها للعين المرسومة هناك؛ فأمتلئ الإناء بسرعة.
مشكلة العالم لا تتلخص بحجم المعدة، أو تصغيرها وخداعها بالشبع الوهمي بالتحزم عليها بحجر. مشكلة العالم المتحضر أنه يملك عيونا مفتوحة بنهم لا تشبع، ولن يملأها إلا التراب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش