الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

داعش : المشهد الأخير !

عبد الحميد المجالي

الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 107

بغض النظر عن ما تبقى من بعض التفاصيل الصغيرة خافتة الوميض على المسرح العام، فاننا على وشك ان نرى بالعين المجردة المشهد الاخير من فصول مأساة بشرية وسياسية وفقهية اسمها “داعش “، ظلت ثلاث سنوات على الاقل تشغل الدنيا وتخطف ابصار العالم، بعد ان جذبت الالاف من باعة الوهم ومشتريه، ومن الحالمين بواقع جديد اعتقدوا بانه سيكون عالم المجد والخلود وربيع الدنيا والاخره .
ومأساوية المشهد الاخير، جزء من مأساوية المسرحية بكامل فصولها وتداعياتها على الدين والناس والحياة، وعلى مجد الماضي ويوميات الحاضر واحلام المستقبل، انها الاخاديد السوداء على وجوه كل هؤلاء التي رسمتها مفاعيل الجهل والجهلاء و التي ستظل علامات فارقة وشواهد حية على اخطاء الفكرة وخطايا الممارسة، العابرة بهم الى فشل التجربة وانتهاك قواعد اليقين التاريخي لدى ملايين البشر من المؤمنين بدين الاسلام.
داعش هذا التنظيم الديني بالوصفة والشكل والادعاء، كان جملة من هذه الاخطاء والخطايا وسطورا من التشويه والانحراف عن طريق السلف والخلف وصحيح الدين ومقاصد الشريعة ومنافعها للناس كافة، والتي جاءت من اجل هدايتهم اولا ومن ثم خلق حياة جديدة لهم، تصنع مقومات العيش الابدي في الاخرة باعتبارها يقينا وايمانا انها خير وابقى.
داعش فقد جوهر الفكرة منذ بدايتها، اعلن الخلافة بغير مقوماتها واصولها الاسلاميه. فلم يعرف رعايا “الخلافة “ المزعومة من بايع ولمن وكيف وصلت الى هذا المجهول الذي يسمى بالبغدادي، الذي تجاوز الاصول والفروع، واعلن في ظلمة نفق يملؤه الخوف والعزلة، انه خليفة اكثر من مليار ونصف المليار مسلم في ارجاء الارض، وكان ذلك خطأ وجريمة حكمت واعطت حكمها الذي سنشاهد هذه الايام مشهده الاخير.
داعش تجاوز القران والسنة والتاريخ، بتلفيقات فقهية اساسها تأويلات جنحت بالدين والتاريخ الى حيث ليس هو، وليس وجهه الحقيقي اوجوهره الرباني الصحيح، فاوهم البعض من الجهلة والنائمين على رصيف المعرفة بعيدا عنها، بصحة هذه التلفيقات والانحرافات، وكانت تلك سموما في عمق الفكرة وجذورها، وقادت الى ما سنشهده من مأساة المشهد وذوبان التجربه.
داعش اعتقد بالجهل المطبق وعقم التفكير، انه قادر على نقل الماضي بكل تفاصيله الى الحاضر، محاولا الغاء الزمن وتطور الحياة، ومتجاوزا المقاصد ذاهبا الى اليوميات من التفاصيل التي تجاوزتها قرون واحداث وحياة ووعي وتعقيدات، لم تكن تعلن عن نفسها على سطح الماضي ولا في جوهره . وكان ان رفض رعايا “الخلافة” هذه العودة الجاهلة الى الماضي، او جلب الماضي الى الحاضر، وما نتائج ذلك الا البهجة بزوال الكابوس الداعشي الذي شكل جوهر المأساة بكل فصولها ومشاهدها.
وداعش ايضا، وضع الدين والتاريخ في خانة التوحش والذبح وقطع الرؤوس والتمثيل بها دون رأفة او انسانية، في عملية بدت وكأنها انتقام غير مبرر من الانسانية والبشر والحياة، وكان يوهم من يجهله بان الاسلام دين كل هذا، وان الاطفال والنساء بل وكل البشر هم ابناء الشياطين و المرتدين عن الدين، دماؤهم حلال والرأفة بهم حرام، فكان ان رسم فصلا اخر من فصول مأساته ومأساة جيل من المؤمنين والحالمين بفضائل الدين والحياه.
ولان الفكرة والممارسة ظلت في جاهليتها الدينية والانسانية والسياسية، فقد تبرع هؤلاء الدواعش وبالمجان، بتشويه صورة الاسلام كدين والمسلمين كبشر لدى الاخر بثقافته وحضارته، بحيث اصبح هذا الاخر يعتقد بان الاسلام والمسلمين يجب ان يعيشوا اوهم يعيشون فعلا خارج التاريخ والحضارة والانسانية، وانهم مجموعة من البرابرة المتوحشين لادين صحيحا لهم ولا ضمير، ولا يعرفون حتى قواعد العمل الانساني، او ما اعتاد البشر عليه في العيش والحياة والعصر، وكان ذلك ايضا فصلا من فصول المأساة مازال يمثل امام اعيننا، نشهد وقائعه واحداثه، وسنظل نعاني شعورا بالخجل والندم والفضيحة المدوية منه على صفحات تاريخ البشرية لزمن بعيد.
 الاخطاء والخطايا لم تكن دينية او انسانية فقط  بل اخذت بعدها السياسي بقناعات قاصرة عن فهم دروب السياسة ودواماتها في هذا العصر المعقد من علاقات الدول والمصالح والمسموح به والممنوع على خطوط التماس في الصراع الكوني الخفي والظاهر. فكان عدم فهم هذا العصر ومقتضياته واحدا من فصول المأساة برمتها وشكل جانبا من المشهد القريب الظهور على مسرح الشرق الاوسط، الذي يفيض بالمشاهد الحزينة من كل جانب.
ووسط الشكوك والظنون حول البدايات والنهايات والمسيرة وخلفياتها ودوافعها بل وارتباطاتها، رسم داعش على صفحة تاريخ المسلمين بل والاسلام نفسه تجربة فاشلة تفيض بالجهل والرعونة والفساد الفكري والعملي، وتلك مأساة اخرى للتجارب الانسانية وخاصة الاسلامية منها، ستقف سدا امام المسلمين بكافة تصنيفاتهم خوفا من تكرار التجربة حتى لو كانت تاخذ باعتبارها صحيح الدين وحقائق العصر، فالتجربة كانت خاطئة ومرعبة الى الحد الذي تدعو الى الاحجام عن التكرار او التفكير في غيرها، بعد ان انتحر بطلها وحكم على غيره بالاعدام .
المشهد المأساوي الاخير الذي على وشك ان نراه بابعاده الثلاثية الدينية والانسانية والسياسية، سيظل يحاصرنا الى عقود قادمة . ومع ذلك ازاح عن كاهلنا كابوسا مرعبا سيصبح عما قريب جزءا من الماضي الشديد السواد في تاريخ هذه الامة. انها صفحة داعش التي ستطوى، وان كانت ستبقى بعض ارتداداتها التي لن تدوم، لانها استثناء عن القواعد والمبادئ وفضائل الاديان والبشر.  

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش