الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في ديوان «ويجرحني النّاي» لعمر أبو الهيجاء

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

 يوسف عبد العزيز

ربّما كان النّاي هو الآلة الموسيقيّة الأولى التي بثّت نشيج الإنسان على مدى الدّهر، حبّه وحزنه، واغترابه عن الأهل والوطن. أمّا النّاي الذي جرح الشاعر عمر أبو الهيجاء في هذه المجموعة الشعرية التي بين أيدينا (ويجرحني الناي/ عمّان/ الدار الأهلية 2016)، فهو ليس سوى الناي الفلسطيني، الذي حمل همّ شعب بأكمله، وتصبّب فمه بالشّوق والحنين لأرض الآباء والأجداد. مع كلّ رحيل جديد، مع كل مجزرة، كان النّاي يهبط إلى السّاحة، يتلوّى بين يديّ العازف من شدّة الألم، ويرجّ الأرض بصوته الثّخين الباكي الذي هو أشبه بصوت النّواح المجلجل. شعر عمر أبو الهيجاء هنا، يتصادى مع بكاء الناي، ويلمع بالفقد والعذاب، يقول الشاعر في قصيدته التي حملت عنوان الديوان (ويجرحني النّاي):
«أبكي على حين غِرَّةٍ
نصوص الدّم
أبكي موسيقى هطلت من راحتيّ
أبكي سيوفاً أُغمِدَت طويلاً
وأنا الذّبيحُ
تمرّ على الجسد
أفاعي الوقت
ومياهٌ بلّلت البيوت
أبكي الآن
تراباً كان لي».
بعد هذه الموجة العاصفة من البكاء، ترتعش ذاكرة الشاعر، لتسيل بعدد هائل من الصّور، التي تشكّل نوعاً من السيرة الذاتية، المختلطة بالسيرة الأخرى الجماعية، التي تمثّل حياة الرحيل والتّشرّد لشعب بأكمله. في نوبة التّذكّر هذه، تمرّ أمام عينيه حياتُهُ في المخيّم: شنطةُ الشّرايط التي خاطتها الأمّ من أكياس الطحين، بوابير الكاز، كانون الحطب، مشط العظم وزيت الشَّعر، طاسة الرّعبة، البُقَج، زيت السّمك، كعك العيد والطوابين، ثمّ الشهداء، المناشير والملصقات، أزيز الرصاص والخنادق. لنلاحظ هنا الاندغام الهائل بين السيرتين السّابقتين، وكأنهما سيرة واحدة. لا يكتفي الشاعر بتذكّر حياته الخاصّة وحياة شعبه، بل يعرّج في أنحاء الجغرافيا العربية، ليتفقّد جسده العربي المذبوح، وتلك البلاد الجديدة التي تلتهمها الحروب والحرائق. ففي البداية تمّ الفتك بفلسطين واحتلالها من قبل العصابات الصهيونية. وحتى ينجح الأعداء في مشروعهم، كان لا بدّ لهم من توسيع دائرة القتل لنكون هذه المرّة أمام عدد من الأندلسات الجديدة الماثلة: فلسطين، العراق، والشّام.
من بين هذه الذكريات القاسية التي تنهمر بين يدي الشاعر، تلك المشاهد المروّعة الأولى للكارثة التي وقعت في العام 1948. وعلى الرغم من أنّ عمر لم يعاصر النكبة، إلا أنّ ذاكرته تفلح في استعادة كل قصص القتل والرعب التي وقعت. في واحد من أجمل مقاطع القصيدة، يضعنا الشاعر وجهاً لوجه مع النكبة والرحيل الجماعي الذي حدث:
«في الرّحلة
كنّا مشجّرين في صحن الأرض
كان الضّحك يسّاقط من أطرافنا
ضحكاً مصلوباً قرب مثلّث الرّوح
ضحكاً مشبعاً بالبكاء اليرموكي
في الرحلة
كنّا مفخّخين بالأمل
نلوك الطّرقات
ونقبّل خدَّ التّراب
نصلّي والجبل إمامُنا».
لنلاحظ هنا هذا البناء الساحر لمشهد الرحيل، وكيف تمكّن الشاعر من نسجه بعدد من الصّور الشعرية الحيّة، وكيف أنه تحوّل في نهاية المقطع إلى مشهد أسطوري، حيث صارت الجموع المهاجرة، تلهج بتقبيل خدّ التراب في صلاة طقسية خاصّة، أمّا إمام تلك الجموع فلم يكن سوى الجبل. لقد استطاع الشاعر عمر أبو الهيجاء هنا أن يستنطق النكبة، لتقول شيئاً آخر غير المأساة التي خلّفتها، شيئاً يتعلّق بالالتحام العظيم الذي أقامه الشعب الفلسطيني مع الأرض، في تلك اللحظات الرهيبة التي تنذر بالخطر، والتي ستجعل منه شعباً لاجئاً مشرّداً.
يحضر النّاي في القصائد، كتميمة يستعيرها الشاعر لصوته المخنوق الذي لا يسعفه في قول ما يريد. ففي الحضرة التي هي حضرة التّصوّف والشعر على وجه التحديد، يضيق به شكل اللوحة، وانزياح الكلام. وحين يحاول أن يتماسك ليرى ما يدور حولَه، يفقد القدرة على رؤية الجمال، ولا يجد أمامه سوى الخراب والموت وشواهد المدافن. إنها حياة شعبه المشرد المنكوب التي تسدّ الدروب أمامه، وهذا ما يجعل غناءه حبيساً في تلك الحقائب المريضة بالرحيل كما يقول. فجأة، وعلى حين غِرّة يطلع النّاي، ويهدر بصوته الحارق الولهان:
«بكى النّاي/ بكينا بين يديّ العازف/ حين فاض الضّوء على الدالية الآثمة».
ومع بكاء الناي يفيض الضوء في المكان، فتنقشع العتمة، وتلهج أفواه الأصدقاء بالغناء، كما تشتبك الأيدي والأجساد في عناق لذيذ. إنه عناق المنفيين، الذين ضاقت بهم سبل الحياة. وهكذا يفلح الناي في لمّ شعث الأصدقاء، ويغسل قلوبهم من رمل الغربة، ويصوّب عيونهم مرّةً أخرى باتّجاه الوطن السليب:
«كان الموّال/ الطريق إلى عريشةِ عُمْرِكَ في الخليل/ وأيّ دليلٍ إليك/ غيرُ دمٍ وقصيدة».
قريباً من الناي، وفي الموسيقى اللاهبة التي تتسرّب من اهاب القصب، تبرز المرأة أيضاً كعنصر حاسم في الصراع الذي يخوضه الشاعر. وإذا كان النّاي قد جمع الأصدقاء من قبل، وخفّف من قسوة المنفى التي تطحن أرواحهم، فإنّ النّاي أيضاً يخيط قلوب العشّاق مع حبيباتهم، بتلك الخيوط الموسيقية الرهيفة، ويمنحهم الأجنحة التي تمكّنهم من الرّقص والتحليق. في الحب يولد الإنسان من جديد، وتتقشّر الأمكنة المتداوَلَة لتسبح في فضاء الدهشة الأولى، بقمصانها الأثيريّة الحالمة:
«حيث أكون
تكونين
أشاهدكِ بملء القلب
أصغي لحوار المقعد الخشبي
الورد وحده يغمزه
فتسيل من أردان المدينة
قُبَلٌ مائيةٌ
بإيقاعٍ شفيف
إيقاعٍ يبلّل فم امرأة
هي آخر زيتِ التَّوغُّل
في معنى الجسد».
والحب يشبه الشّعر، إنّه يغيب ويحضر، يدبّ دبيب النّمل في الجسد، يبرق يشرد ويراوغ، ولكنّه لا يكتمل. ذلك لأنّ اكتمالَه قائم في النّقصان. هكذا ينتظر الشاعر المرأة، فلا تجيء، ولكنّه بدل أن يولول ويتقهقر، يحوّل غيابها إلى مشهد فائض بالفتنة، وهنا تكمن قدرة الشّعر على بثّ روح الجمال باستمرار، وتصعيد نار الغواية:
«لم أترك المقعد فارغاً
وأنا لا شقيق لي في الغياب
كان المقعد منامي
يطلقُ أنفاسه الحارقة
يشمّ الورد مثل قطٍّ ناعس
يحلم مثلي برائحة امرأة
لم يزل ينتظرها».
تمتاز هذه المجموعة الشعرية بعلاقة خاصّة بالإيقاع، وعلى الرّغم من أنّ نصوصها تنتمي إلى قصيدة النّثر، إلا أنّها ذات بنية إيقاعية واضحة. نلمس أثر هذا البنية في العبارات القصيرة التي تتشكّل منها المقاطع الشعرية، تلك العبارات التي تتتابع حيناً، وتوقّف في أحيان أخرى، بناءً على حركة المشهد الذي ترسمه، والأنفاس التي تتصبّب صعوداً وهبوطاً، بما يتلائم مع الحالة النفسية التي تطبع شخوص القصائد. ثمة توتّر وقلق خاصّان يرفعان درجة حرارة النّصوص المكتوبة، ممّا يمكّن هذه النّصوص من اجتياح القارئ. هذا الإيقاع الذي نحن بصدده، شبيه إلى حدٍّ كبير بالأثر الذي يتركه النّاي، حين يتوثّب وينتفض، أو يتهادى ويخفت، ليسرد موسيقى الأعماق:
«كلُّ الشّوارع
تركتُها تهرول خلفي
أنا تُرجُمانُ اللغة
حِبرٌ نابتٌ في سقف الخليقة
أتلو على جثّة الليل
ترانيم المنفيين
وأصعدُ.. أصعد
من شهقة المسيح».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش