الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حروب على الطريق!

عبد الحميد المجالي

الأحد 29 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 109

في مناخ الشرق الاوسط، هناك دائما نهايات وبدايات؛ نهايات لصراعات وحروب باشكال مختلفة واسباب متعددة، تترك اثارا وقسمات لها على شكل شحوب وجراحات على وجه المنطقة ومصائر شعوبها، وبدايات تؤكد ان دورة صراعات الشرق الاوسط لاتتوقف عند حد معين، لغياب الدوافع والاسباب، بل هناك دائما ما يدعو الى نشوء احوال مستجدة واشارات تنذر او تنطوي على مخاطر شديدة من الصعب على الدول حتى الحاضرة في مسرح الاحداث ان تتمثل امامها الابعاد الكاملة لهذه المستجدات والحساب الدقيق لتفاعلاتها.

وفي مثل هذه الحاله فان معظم دول المنطقة وخارجها، تكتفي بالمراقبة لما يجري رغم ما هو متوفر امامها من شواهد الاحداث، وفي الوقت نفسه تحاول ان تفهم هذه المستجدات، وان تكون يقظة لتقلباتها ومفاجاتها حتى لاتاخذها الحوادث على حين غرة دون ان تكون مستعدة لطوارئها . 

في منطقتنا هناك الان تحضير لاغلاق ملفات وفتح ملفات اخرى، وبالتحديد فان الدول الفاعلة والمحركة للاحداث، على وشك ان تغلق ملف داعش والذي كان اولوية دون غيره من الصراعات، والبدء بصراعات اخرى تم وضعها على قائمة الانتظار لغايات التفرغ لها، ولابعاد اي اتهامات بان الدخول فيها يشكل محاولة لتجاهل ضرورات محاربة الارهاب الذي اصبح يغطي مساحة واسعة من العالم، اما بالحوادث او بالخوف منها.

ولعل الشواهد والاشارات تظهر على وجه اليقين ان المنطقة على وشك الدخول في حيثيات الصراع الامريكي الايراني، وهو صراع سيجرف بتياراته الجامحة معظم دول المنطقة سواء كانت مشاركة او مراقبة؛ فطبيعة هذا الصراع لن تعترف بالحدود او بالجغرافيا بشواهد اولها: ان الصراع سيكون خارج حدود الدولتين؛ لانه صراع ليس على الجغرافيا الداخلية في ايران والولايات المتحدة بل خارجها؛ فالولايات المتحدة بعيدة بالطبع عشرات الالاف من الاميال وراء المحيطات، وجاءت الى الشرق الاوسط تدفعها وتحفزها مصالح ومتطلبات الامبراطورية والقوة الكاسحة التي اطلت بوجهها كاملا على العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وايران امتدت او سمح لها ان تتمدد خارج حدودها حاملة معها ايضا احلاما امبراطورية تغلفها بمبررات يصدقها البعض ويكذبها اكثر منهم، فهي خارج حدودها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وتحاول ان تكون في البحرين، كما تحاول ان تفرض تاثيرها على معادلة الامن والسياسة في السعودية، فالصراع في الاساس على امتدادات ايران وليس على جغرافيتها الداخليه. وثانيها: ان كلا الدولتين تملك من ادوات الحرب في البر والبحر، ما يجعل ميادين الصراع الرئيسة خارج حدودهما ويغطي مساحة واسعة من المنطقة المتنازع عليها. وثالثها: ان لكلا الدولتين انصارا ومؤيدين مستعدون للمساهمة بهذا الصراع باشكال مختلفة. وياخذ الانصار اما شكل دول باجهزتها الرسمية بما فيها الجيوش، او ميليشيات تمتلك جيوش دول قادرة على الفعل والتحرك بدوافع الايديولوجيا والسياسة. ورابعها: ان الصراع بين البلدين سواء ظل بعيدا عن الحرب الشاملة او قريبا منها، فانه سيكون صراع كسر عظم لن ينتهي بصيغة لا غالب ولا مغلوب، بل بصيغة المنتصر والمهزوم، مما يشير الى حدته المتوقعة، وتاثيراته السلبية على الحاضر والمستقبل.

لقد غيرت واشنطن بعد مجئ ترامب استراتيجيتها في الشرق الاوسط وخاصة اتجاه ايران، وليس من المتوقع ان تتراجع عن استراتيجية اعلنتها وبدأت باتخاذ خطوات اولية لتنفيذها رغم عدم وضوحها وعدم تبيان وقائعها على الارض، وفي الوقت نفسه فان ايران تعرب عن استعدادها لقبول التحدي مراهنة في الاساس ليس على قوتها بمواجهة قوة عظمى، بل على تردد واشنطن وعدم ثبات رؤاها في السياسة الخارجية، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الايرانيين اصبحوا خبراء في التراجع عن مواقفهم المعلنة عندما تصل الازمات مع الكبار الى حافة الهاويه. 

ورغم كل ذلك، ليس معلوما كيف ستجري الحوادث وماذا ستجرف معها في تيارها علما بان الطرفين سيحاولان حتى اللحظة الاخيرة تجنب ان يتحول صراعهما الى صراع بالرصاص والنار، غير ان خطوة غير محسوبة او متهورة من طرف ما ربما ستقلب السياسة الى حرب، والكلمات الى متفجرات، وعندها ستطال الحرب وشظاياها مساحة واسعة من المنطقة المرهقة من سلسلة صراعات على ارضها لم تتوقف.

وليس الصراع الامريكي الايراني وحده المرشح لفتح ابوابه على مصراعيها . فالاوضاع الداخلية في العراق لاتنذر بالتفاؤل حتى بعد هزيمة داعش؛ فالفسيفساء العراقية تحولت بعد الغزو الامريكي من فسيفساء بعلاقات ودية الى فسيفساء بعلاقات صراعية مرشحة للتصعيد الذي يؤججه التطرف الطائفي والاحلام القوميه، فالهدوء الكردي على ماجرى من قرارات سياسية وعسكرية من بغداد بعد الاستفتاء، هدوء مريب قد لايستمر طويلا، بعد ان اصبحت بغداد تتصرف كطرف منتصر ضد طرف مهزوم، وتبتعد عن التوافق لتدخل الى خانة فرض الشروط.

وفي سوريا سيبدأ الصراع على تحويل نتائج حرب السنوات السبع الى وقائع سياسية، وتلك حالة معقدة ومحكومة بجملة من عوامل التصعيد وليس التهدئة، وقد تلجا الاطراف في لحظة ما من لحظات التفاوض والمساومات، الى العودة الى الحرب لاكتساب اوراق قوة على طاولة التفاوض. فالصراع في سوريا مفتوح على كل الاحتمالات، وقد يكون فيه من المفاجات اكثر مما فيه من التوقعات.

هذه المنطقة تخرج من أتون حرب لتدخل في حرب او حروب اخرى. انها بكل الحسابات مركز الكون، وصانعة الحروب في بعض الاحيان وساحاتها في احيان اخرى، فقصة الشرق الاوسط ستظل مفتوحة كما كانت عبر التاريخ . وهو نوع من التاريخ السائل الذي لم يتماسك بعد، ولايمكن التعرض لمجراه بتحويله او تعطيله، او تغيير قوانينه الحاكمه. 

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش