الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نكسة الأكراد !

عبد الحميد المجالي

الخميس 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 109

قبل اسابيع قليلة من اجراء الاستفتاء الكردي، خرج ناشطون اكراد في الاقليم الى الشوارع يعلنون عن موت اتفاقية سايكس بيكو التي ادت الى تقسيم الشعب الكردي على اربع دول هي سوريا والعراق وتركيا وايران. ولم يتوقف نعي سايكس بيكو على مجموعة نشطاء، بل تبعهم مسعود البرزاني زعيم الاقليم الذي قال ان الاتفاقية لم تعد قائمة بالنسبة للاكراد الذين سيمزقون الواقع المفروض عليهم، ويقيمون دولتهم، او على الاقل يقتربون منها اكثر من اي وقت مضى لتحقيق حلم مضى عليه اكثر من مئة عام.
ولم يكن النشطاء وبرزاني نفسه يعتقدون ان حلمهم اقترب من الحقيقة لانهم راوا ان الظروف الاقليمية والدولية وظروف العراق نفسه ستؤدي الى هذه النتيجة الحلم، وهو ظرف في اعتقادهم يجب ان لا يمر دون تحقيق انجاز تاريخي. فالشرق الاوسط عموما يشهد حالة من السيوله التي ليس من المتوقع ان تتماسك في وقت قريب، بل ستؤدي الى تقسيم المنطقة على اسس طائفية وقومية ضمن مخطط دولي يجري تنفيذه بخرائط معدة مسبقا ربما من بينها الاستقلال الكردي. كما ان العراق دولة رخوة امنيا وسياسيا تعصف بها الطائفية المذهبية والسياسية، وتغرق بالنزاعات الداخلية، كما تخوض حربا صعبة ربما تطول اكثر من المتوقع مع تنظيم داعش. اما الدول المجاورة لكردستان، فقد اعتقد الاكراد انه يمكن استيعاب مواقفهم بسهولة؛ فالبرزاني يقيم علاقة قوية مع تركيا، في حين ان الخلافات الايرانية التركية لن تجعل من موقف الدولتين فاعلا في مواجهة الحلم الكردي بالاستقلال الذي سيرافق تحقيقه تطمينات لدول الاقليم بان هذا الاستقلال لن يتمدد الى خارج العراق. وعلى الصعيد الدولي فان دعم واشنطن للاكراد في سوريا وتسليحهم يعتبر رسالة الى دول المنطقة بانه يجب ان يكون للاكراد وضع جديد رغم معارضة تركيا العلنية لهذا الدعم، وخاصة لما سميت بقوات سوريا الديموقراطية. ومع مشاركة البشمركه في الحرب ضد داعش وتحقيقها انتصارات في هذه الحرب وسيطرتها على مناطق واسعة من الشمال العراقي لم تكن تصل اليها من قبل، انتعشت امال الاكراد بان واقعا جديدا قد نشأ في العراق وفي الاقليم كله.
هذه الاعتقادات او القراءة للواقع المحلي العراقي والاقليمي والدولي، دفعت قيادة الاكراد الى اعلان اجراء الاستفتاء كمقدمة للاستقلال والدولة الحلم. والغريب ان هذه القيادة قد عاندت الجميع، واصرت على الاستفتاء رغم ما تبدى لها من شواهد ان قراءتها للمشهد العراقي والاقليمي والدولي كانت خاطئة، ولن تؤدي الى ما كان متوقعا. والعناد الكردي يزداد غرابة من انه جاء في الاساس من مسعود البرزاني السياسي الكردي المخضرم الذي مارس السياسة والحرب لسنوات طويله، غير انه يبدو انه اعتقد ايضا انه رغم كل هذه المعارضه للاستفتاء، فان الاكراد قادرون على فرض امر واقع على الجميع باستفتاء سيعتبر ممرا نحو الاستقلال والدولة.
كل هذه الاعتقادات والقراءات الكردية تبين للاكراد انفسهم بعد حين ليس بالبعيد انها ضرب من الخيال بعد ان افرز المشهد الاقليمي والدولي والعراقي نتائج مخالفة لكنها كارثية على الواقع الكردي وحتى على الحلم الذي اصبح بعيدا بعيدا عما كان عليه حتى قبل عام 2003، ذلك العام الذي اعطى الاكراد حكما ذاتيا بحكم الواقع العراقي يعتبر هو الاقرب الى الدولة والاستقلال.
لقد عادت المسالة الكردية بحوادث وافرازات الواقع الذي فرضته هذه الا حداث خلال الاسابيع الماضية الى المربع الاول. فقد استعادت الدولة المركزية العراقية سيادتها عل كل مظاهر الاستقلال الكردي. المراكز الحدودية مع الجيران والعالم،والمطارات والمؤسسات الحكومية، والاهم من ذلك بحر النفط ومنشآته في كركوك وغيرها التي كانت تعتبر المصدر المالي الرئيس للاقليم. وحتى الرايات كرمز للهوية الكردية طالها ماحدث. كما امتدت الهزيمة الكردية الى احداث انقسام داخلي بين الحزبين الرئيسين الديمقراطي والوطني. وجاء الانقسام بعد موت الطالباني وعزم البرزاني على اعتزال السياسة. وبذلك فقد الاكراد زعماءهم التاريخيين، واصبح الاقليم معلقا في الهواء، لاهو كسب بالسياسة ولا هو كسب بالحرب. بعد ان فقد خلال اسابيع كل المكاسب التي حققها خلال الاربع عشرة سنة الماضية.
ان مصائر الشعوب تصبح في مهب الريح واكثر قابلية للضياع، عندما يتحكم بالقرار زعيم يعتقد انه من العبقرية بمكان بحيث يقود الشعب الى مصير اكثر نهضة وتقدما وحيوية،. وفي الحالة الكردية كان البرزاني هو ذاك الزعيم الذي قاد شعبه نحو المصير الخاطئ الذي اضاع الحلم او على الاقل ابتعد عنه اكثر من اي وقت مضى، ووضع المسألة الكردية كلها في ازمة بل في نكسة كبرى للشعب والاجيال والحلم.
لقد ظلت سايكس بيكو بتقسيماتها الظالمة لكل شعوب المنطقة بمن فيهم الاكراد، واذا كان لها ان تتغير في خرائطها وخطوطها، فان المؤشرات تقول ان هذا التغيير سيكون نحو الاسوأ وليس لتحقيق احلام قديمة او جديدة. فالواقع المعقد في الاقليم وعلى الساحة الدولية، اصبح من الصعوبة قراءته ببساطة،وقياس الفعل على هذه القراءة. بل ان الحصافة السياسية في هذه الظروف وخاصة لدى الصغار ـ اي غير الفاعلين ـ يجب ان تقتصر على مهمة المراقبة والحذر واليقظة كأولوية، وذلك اضعف الايمان،ما داموا غير قادرين على الفعل وتغيير مجرى الاحداث.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش