الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا تفتحوا ألبوم الصور

تم نشره في السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

د.هناء بنت علي البواب
لو أنهم اخترعوا خيطًا طبيًا للذاكرة يضمدُ الجروح التي يحدثها ألبوم صور تلتقطه يدك فجأة حاملًا معه كلمة انفجار، يترك الانفجار حفرة في القلب، وكأنهُ يعتذر لكل القتلى الذين لم نحفر لهم قبرًا في أرواحنا.
أسحب جثة الألبوم من الذاكرة كعود ثقاب، أمرّ على أشياء تبدو مألوفة قنينة عطر مات أكثر من نصفها، كرسي خشبي مترنّح، زهرة ذابلة في زاوية الصورة، وجع ملون، نافذة مغلقة، جدار وإطار، ومن حيث لا أدري بلّلني شيء لم أعرف للوهلة الأولى ما هو ماء.. مطر.. ربما دمع، فالدمع سائل تفيض به الأرواح، دونما عزيمة أو نيّة، ينبع من جوف عيون، يدفعه وجع.
من يخبر الذكريات أنها عندما تصيب قلب العاشق، تقتل قلبين معا، حيث يختبئ الألم الشارد صفحة السماء، وذرات الوجع الفارّة من ذاكرة أحدهم وبعض بقايا  لقصائد العشاق الساكنة،  في كتب هجرها قرّاؤها، هنا حيث لا  ذاكرة تتنفس، لتختنق في لحظة ذكريات الألبوم الورقي الذي يُسْكنك تلك اللحظات حيث كنت وأنت خلف عدسة تلتقط تفاصيل حياتك، فتتحول كورقة شجر ذرتها ريح إلى مكان قصي، فأخرستْ حفيفها، كنملة باغتها الشتاء وقد فاتها ركب الجماعة، فبقيت وحيدة في العراء، مرّت بها كتيبة الوجع على أُهبة حرب، فتهزّ الأرض من تحتها، وتظنّ أنّ الذكريات ماتت، ولم ترد المشيئة قتلها، فقط انقلبت على ظهرها، وأطرافها معلّقة بحبال الهواء الملساء، فانزلقت روحها في نفق الموت، ولا زال قلبها بالألم يخفق.
لا تفتح ألبوم الصور، لأن أجمل مكسب في الحياة هو أن نموت بذاكرة حية. لا تفتح ألبوم الصور لأنك في عمق الألبوم ستجد زقاق درج خشبيا، ستجد  خيبات تشبهك حين تبتسم، خيبات بحجم النجم، بحجم الوجع على الأرصفة، خيبات وحياة، أحاول أن أكون كما الآخرين، أحاول أشكل كلمتين متتاليتين في جملة، تبدأ وتنقطع كَماسٍ كهْربيّ سريع، تلامس الجملة باطن شفتي ثم تغرق، فأحاول من جديد وعن جديد وكل جديد أفشل.
لن أفتح ألبوم الصور لأني عندها سأحاول أن أرمي نفسي بين زحام الذكريات، والزاحمين والمتزاحمين، لألقي ذكريات في الهواء، ذكريات تنفجر حين تلامس سطح الماء، وتغدو عرجاء بقدم معوجة وأغدو بكماء.
وفي فمي وجع مصهور، وخلف الصور خبايا وحكايا مسحورة النهايات وأخرى بلا نهاية، وثالثة تنزف كلما سمعت جرسًا يُقرع.
 تنزف ذاكرتي كلما ابتسمتُ نارًا وحديدًا، ما زال عقلي يأخذني هناك أصل الشاطىء ثم أعود، لا الغرق متاح، ولا الموت وحيد في الخشب الأبدي متاح، الصور تفعل أشياءَ عديدة، الصور تلبسُ شكلَ الرائحة وتباغتنا في أضعف أماكن الجسد، وتصفعنا كغبارٍ خفيف. يسكنون الصور ويمدّون أيديهم ليتشبثوا بنا دوما، أحدهم يحاول شدّ انتباهنا بنعومة كفيه، وآخر يتحوَّل إلى جبلٍ منَ الذِّكريات ليحطِّم رؤوسنا، وبعضُهم حين يموتون في قلوبنا يتركونَ ظلالَهم على الجدران تلاحق بعضها، وكثيرون يحبسون وجوههم في مرايانا.
ثمّة هناكَ من يظلُّ طَوالَ اللّيلِ يغلقُ الأبواب علينا، وصورة أخرى لمنْ يعجبهُ أن ننتشي فيسقط على شبابيكنا مثل المطر.
لا تفتح ألبوم الصور. لا تدعْ ظِلَّ الذكريات يَتْبَعك، وأنت تُغَادرُ ذاك الألبوم تحت ضَوْء القَمر سيَطْعنُك ظِلُّك بخِنْجَرٍ متمرد، عُدْ إلى نفسك الآن، وحين تَتَخلَّص من ظِلِّك يُمْكِنُك المُغادرة في أَيِّ وَقْتٍ تَشاء.
لن أفتح الألبوم وسأُصرُّ علی إحراقِ الذّكريات والأحلام، نعم أنا مجنونةٌ تقولُ لكم ادخلوا الحياة من بابِها، فالذكريات غدر الشّبابيك، مُرُّوا بتلكَ الياسمينة عندَ الباب واسقوها كما تسقونَ موتاكم، وتهيَّبوا من صورةِ الألبوم في صدرِ الدّار، واقرؤوا السَّلام على الغبار الّذي تراكم علی زجاجِ صورته، فتِّشوا عن أجسادكم الغضَّة تحتَ الأَسِرَّة، والمحوا البراءَة في أرواحكم، ادخلوا في عينِ الحياة، وشاهدوا الكونَ من عتبات جديدة، قِفوا قليلاً فوق صباحاتِنا، وانثروا المساءاتِ الّتي تركْنا فيها عصافيرَ الدَّارِ تجوع، أنصتوا جيِّدًا لصدی أرواحِنا، استرقوا النَّظرَ إلی الحب، ودُوروا حول أنفسِكم، اصعدوا إلی سطح الذكريات، ضيِّعوا غيومها في أحلامِكم، وانتظروا حتَّی يهبطَ المساء عليكم بنجومِه، فلاتفتحوا ألبوم الصور ولكن لا توغِلوا سكاكينكم دفعةً واحدة في خاصرة الذاكرة، وعندما تموت اخرُجوا منها متعبين،وبلا سماء كالأقزام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش