الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

احترق كي يضيء الأرض! (3-3)

حلمي الأسمر

الأربعاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 2514


-1-
يقول ابن خلدون في مقدمته: «وإذا تبدلت الأحوال جملةً، فكأنما تبدّلَ الخلقُ من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلقٌ جديد، ونشأةٌ مستأنفةٌ، وعالَمٌ مُحدَث». ونحسب أن الأحوال، فعلاً، تبدلت في مجملها إبّان ذروة الربيع العربي، وأفرزت ظاهرة غير مسبوقة، حيث أصبح للجماهير كلمة، ولوقفتها معنى، وقد كانت مجرد آحاد لها قيمة عددية بلا وزن نوعي، أما اليوم فشأنها مختلف، حيث غابت العبارات الانهزامية الشهيرة، مثل: «وأنا مالي»، أو: «ماذا أستطيع أن أعمل»، أو «حط راسك بين الروس وقل يا قطاع الروس»، وسوى ذلك من مفاهيم انهزامية، استوطنت العقل الجمعي، فشلت قدرة الجماعة على العمل، وهذه بذرة «خطرة»، فليس بوسع أحد أن يطفئ الجمرة بمحاولة سحقها بقدميه!
وتلك أهم مستخلصات وعبر ثورات الربيع العربي، ويبدو هذا في التفاعل الجماهيري غير المسبوق مع الحدث اليومي، عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي نافست الخبر في حضورها اللحظي، فلا يكاد يمر حدث صغير أو كبير دون أن يكون لجماهير الفيسبوك أو التويتر أو حتى الإنستغرامام، وغيره، دور ما في تقليب الحدث والتفاعل معه، وتحليله، ولم يعد بوسع بلد ما أن يفعل ما يريد تحت ستار الكتمان والسرية، فقد مزقت سهولة التواصل، وحرية التعبير الجبرية كل الجدران والأستار، وفتحت المجال لحرية تداول المعلومة، وهذا يعني ببساطة أن الجمهور الذي كان غافلا عما يجري حوله أصبح طرفا في معادلة الفعل، ولن يطول الأمر حينما يصبح أحد المفاعيل الرئيسة فيه، طال الزمن أم قصر!
-2-
الاستخلاص الثاني والأهم من سياقات ثورات الربيع، أن كل ما جرى بعده وبلا أي مبالغة، كان يستهدف وأده، وسحقه، واجتثاثه من جذوره، وبنفس الأساليب القديمة في التغييب والقمع، مع بقاء أسباب الربيع بل تعمقها أكثر، فما حرك الناس قبل سنوات من أزمات واختناقات وكوارث زاد أكثر، وتردت أوضاع البلاد والعباد على نحو مضاعف بل أكثر، وهذا يعني أن سبب الربيع لم يزل قائما، إنما هو كالبذرة في الأرض، يتحين الفرصة والجو المناسب كي ينمو، ويشق التربة، باحثا برأسه عن الشمس، وتلك حقيقة يدركها كثير من الباحثين، وصناع القرار، وبالفعل فقد بدأت بعض الأقطار تنتج ربيعها بنفسها، عبر اشتراطات ومواصفات معينة، كي يكون تحت السيطرة، وفي إطار الممكن، أملا في استبداله بالربيع الشعبي المنفلت من عقال الضبط والربط، وهذا معنى آخر من معاني قولنا في بداية هذه السلسلة من المقالات، أن الربيع لم ينته ولن ينتهي، بل سيظل مخيما على ذهنية الجميع، وسيبقى جزءا من صناعة حياة ومستقبل هذه الأمة، سواء اعترف به أو أنكر!
-3-
هل ننتظر الموجة الثانية من موجات الربيع، والحالة هذه؟
هذا سؤال كبير، ولا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا، دون أن نحفر عميقا في الظواهر والتغيرات الدراماتيكية التي نكاد نشهدها كل يوم في بلادنا العربية، والتي لا نشك أنها التعبير الأكثر وضوحا عن عمق تأثير الربيع، وسيطرته على ذهنية صانع القرار، ولو في الخلفية العميقة من «المخ» فلا أحد يمكن أن ينسى النهاية المأساوية للقذافي، ولا تنحي بن علي، وهروبه المذل، ولا تنحية مبارك، حتى ولو كانت النهايات غير متسقة مع البدايات، فتلك مسألة طبيعية في صناعة التاريخ، فثمة ثورات استغرق نضجها عقودا، وثمة تغيرات عميقة في المجتمع ربما لا ترصدها غير مسبارات البحث المعمق!
الحديث يطول جدا في هذا الأمر، وثمة كتب ومؤلفات كتبت، وثمة مراكز بحوث لا تنام تحسبا لموجة مفاجئة للربيع، فانتظروا إنا معكم من المنتظرين، فالرجل الذي احترق، أضاء عتم الكون، ونثر حقلا من بذور، لا يمكن أن تعرف أين استقر بها المقام، قبل أن تشق تربتها وتنمو، مادّة رأسها نحو الشمس!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش