الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البحث عن الدولة

عبد الحميد المجالي

السبت 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 107


البحث عن الدولة ليس عنوانا من بنات افكاري كما يقولون، بل استعرته من كتاب يحمل هذا العنوان، للسياسي والكاتب الفلسطيني ممدوح نوفل دون اذنه، ولا اظن انه سيمانع. الكاتب يتحدث في كتابه عن مسيرة الكفاح الفلسطيني للوصول الى الدولة المستقلة، ومراحل هذا الكفاح طوال فترة زمنية شارك فيها، وسجل وقائعها كشاهد عيان.
وما سأكتبه ليس عن الكتاب ولا عن صاحبه، رغم انهما يستحقان ذلك. بل عن الدولة الفلسطينية سواء كانت قادمة على الطريق، او ان كل ماجرى بشأنها حتى الان، ابقى عليها حلما طائرا في اجواء عاصفة كانت ولاتزال تخيم على المنطقة، او جزءا من خيال لا تؤيده الوقائع والتوقعات.
لقد طال البحث عن الدولة اكثر مما يوجبه المنطق الانساني. واستهلك البحث عقود الصراع كلها. وليس معروفا اومتوقعا كم من العقود المقبلة التي سيبتلعها هذا البحث، قبل ان تتحول الدولة الى حقيقه او ما يشبهها. فالدولة الفلسطينية اصبحت وكأنها كنز مفقود لاتدل عليه علامات او اشارات تدعوالى التفاؤل، كما لم تجد من شيوخ الطلاسم من يستطيع فك رصد الجن عن وسائل العثور عليها.
واسباب طول فترة البحث عن الدولة عديدة ومؤلمة بقدر ماهي قاسية. لكن سببا واحدا وليس وحيدا ظل حاضرا وجذريا يضرب في اعماق الصراع اوفي عملية البحث نفسها. وقليل من الناس من لايراه سببا مباشرا ومؤثرا، وحتى لو اعتبره عكس ذلك، فانه يعتبر التركيز عليه نوعا من تحويل اسباب الصراع من سياسية مصلحية الى دينية ايديولوجيه. وايا كانت الاعتبارات والتفسيرات، فانه لايمكن دفن الرؤوس في الرمال عن ان صراع الفلسطينيين اولا والعرب ثانيا كان ولايزال مع الغرب كله، وان تفاوتت نسب المشاركة الغربية فيه. وقد جاء الصراع في فترة يختزن فيها هذا الغرب من عناصر القوة لامثيل لها عبر التاريخ، ويمتلك حضارة تغطي ارجاء العالم، ولها من اسباب البقاء التي لايمكن لقوى خارجيه مقاومتها اومحاولة اضعافها. ونقول ان الصراع مع الغرب كله، لان الصراع ارتبط في جانب كبير منه بالدين وما معه من الاساطير. فمثلا فان العهد القديم “ التوراة “ جزء من دين الغرب واعتقاداته الدنيوية والاخروية. وهذه التوراة كانت ولاتزال الدافع الاهم في رؤية ومواقف الغرب كله حكومات وشعوبا للصراع على فلسطين واعتبارها بموجب تلك الاعتقادات يهوديه ومن حق بني اسرائيل.
وفي المقابل جاء الصراع في فترة يعاني فيها العرب والمسلمون عموما من انحطاط تاريخي لم يسبق له مثيل في عمقه وامتداداته وتوقعات استمراره الى اجل غير منظور. انها فترة دوران ساعة التاريخ لصالح الغرب. اما متى تتحول الساعة الى عكس ما هي عليه، فتلك قصة تاريخ لايمكن رؤية ملامحها في الزمن المنظور وحتى المتوسط.
واليوم نرى ان عملية البحث عن الدولة بمعناها الحقيقي ستطول، لان من يتحكم بخطوطها الرئيسية وضرورات وجودها ليس من يبحث عنها، بل هناك طرفان يمسكان بكل هذه الخطوط، ولايرى كل منهما ان الدولة الفلسطينية هي الحل للصراع الذي طال امده وتبدلت فيه الاحوال والظروف وعوامل القوة اكثر من اي صراع اخر.
الولايات المتحدة واسرائيل هما العنوان الذي يذهب اليه الجيع لتقرير مصير عملية البحث عن الدولة التي طالت زمنا غطته طبقة سميكة من الدماء ومن الامل والالم. .وكلا الطرفين يسيطران الان على زمن طوى برغبتهما ومواقفهما الحقيقية ما كان يسمى حل الدولتين.
وزمنهما يشير الى ما يلي :
اولى الاشارات التي تصل الى مرتبة الحقائق، هي ان الادارة الامريكية الحالية مرتبطة باسرائيل عاطفيا ودينيا اكثر من اي ادارة امريكية اخرى.
وثاني هذه الاشارات ان استراتيجية هذه الادارة لتسوية الصراع لاتتضمن بين ثناياها ما يسمى بحل الدولتين، وقد يكون هذا الحل اصبح بالنسبة لها من طروحات الماضي.
وثالثها ان الادارة الحاليه في واشنطن لاتاخذ بالاعتبار مطالب الطرف الاخر في الصراع. ومن يمكن اخذ مطالبهم اوعلى الاصح ارائهم فقط لمصالح حيوية مرتبطة بهم، مشغولون بصراع اخر اكثر الحاحا وياخذ كل اهتماماتهم، وتشاطرهم في ذلك واشنطن ومعها اسرائيل.
ورابعها ان سلوك واشنطن الحالي لايشير الى اهتمام جدي يمكن اخذه بعين الاعتبار بشان الصراع العربي الاسرائيلي. ففي مقدمة اهتماماتها في هذه المرحله ايران وحزب الله وكوريا الشمالية وسوريا، وتلك القضايا لها من الالحاح ما هو اكثر من صراع ساكن او نائم، ومن المتوقع ان يبقى كذلك الى زمن غير معلوم.
ومن الزمن الاسرائيلي، ان حكوماته اليمينية المتعاقبة لاتؤيد فعليا حل الدولتين وواصلت ابتلاع الارض لمنع تحقيق هذا المطلب الدولي الذي يتعارض مع رؤيتها الاسطورية للصراع.
ومنه ايضا انها مرتاحة منذ زمن لمجريات الصراع وتفاعلاته، ولاشئ يزعجها الا القليل الذي لايغير جذريا من مجرى الاحداث، فما الذي سيجبرها على تننفيذ شئ لاتريده على ارض تعتبرها ارض اسرائيل.
ومنه كذلك ان اسرائيل لاتعتبر نفسها الان تابعا صغيرا لواشنطن، بل شريكا كبيرا وفاعلا، وخاصة في تحديد مصائر قضايا المنطقة. ولذلك فان من يعتقد ان باستطاعة واشنطن الضغط عليها واجبارها على ما لاتريد، ما زال يفكر بمنطق ما قبل حرب عام سبعة وستين. فاسرائيل تملك في هذا الزمن من القوة ما يجعلها تشعر بالثقة والطمانينة، ولن نبالغ ان قلنا ان جيشها يعتبر الان من اقوى الجيوش في العالم. وتلك حقيقة لابد من الاعتراف بها ودراسة ابعادها العسكرية والسياسية على الصراع معها، وعلى ماهو ابعد منه.
وفي اطار منطق هذا الزمن كما كان قبله، سيستمر البحث عن الدولة “الحلم “. واخشى ان كل من سيبقى يبحث ويحلم، لن يجد في النهاية امامه الا شيئا واحدا يسمى “حكما ذاتيا” او ما يشبهه. فقوانين القوة والضعف لاتتحدث اوتجزم بغير ذلك.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش