الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تراثيات .. باقة من حياة ماضية

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

 الدستور-نبيل عماري

المطوى أو الوهد
من منا في صغره لم يشاهد مطوى الفراش أو كما يسمى الوهد، والذي كان موجودا بكل بيت في المدن والحضر والبوادي، وكان يصنع بالغالب من الواح خشبية بجانب الخزانة أو يبنى له داخل العقد ضمن بيوت الحجر أو الطين، ويوضع عليه اللحف والفراشات والمخدات وحتى صرر النقود والقجج وعلب التوفي والبسكوت الأنجليزي وأكياس الملبس والفيصلية؛ إذ كانت توضع ما بين اللحف الفرشات، فهو مخبأ سري لكل شيء من فراطات ودنانير وبرايز وقروش مربوطة بمحرمة قماشية ومحشوة بين ثنايا الفرشات ومبارم ذهب عصملي، ووكان مطوى الفراش يغطى بشرشف جميل، واحيانا بلا شرشف، فكان منظره جميلا بسبب تعدد ألوان الملاحف وألوان اللحف التي تلمع من جراء قماش الستان المتعدد الألوان، وكانت جداتنا وأمهاتنا يضعن انواعا من المعطرات الطبيعية بين كل فرشة ولحاف مثل زهر اللافندر او العطرة وكبش القرنفل وورق الليمون، ويتم غسل الملاحف دورياً بمادة اللافكس والنيلة وبماء الغلي، وكان يتم الذهاب للمنجد؛ لتنجيد اللحف والفرشات والمخدات بقماش جديد؛ ما يعطي رونقا جميلا للمطوى، وكان الناس بالسابق يهتمون بالمطوى والفراش وبأعداد كثيرة من اللحف والفراشات؛ لأن الضيوف كانوا كثيرين وسبل المواصلات من مدينة إلى أخرى كانت صعبة؛ ما يستوجب المنام، ومن منا تسحبه لزماننا الجميل وفي أيام الصيف الحارة وبعد شطف سطح البيت؛ إذ يتم أحضار اللحف والفرشات والمخدات من على المطوى لغايات النوم الهنيء تحت سماء صافية تزخر بالنجوم وقمر الحصادين ..واليوم اختفى المطوى والوهد واختفى المنجد إلا في بعض الأماكن، ومحارم جداتنا لم تعد موجودة، والعطرة ذبلت وكثير ممن تعلقن بهن وهن يغسلن الملاحف ويرتبن المطوى ذهبن لدار الحق وضاع المطوى وصار ركنا تراثيا في المتاحف والمطاعم وغاب عن بيوتنا بسبب التطور الحضاري إلا القليل والمطوى والوهد لم يعرف معناهما أو قيمتهما هذا الجيل في هذا الزمن الذي نسي الماضي وقلع الجذر !!!

بيتنا القديم ونبتة المجنونة

ها هو العمر يمضي والايام تمضى ولم يتبق سوى الذكرى .. هناك البيت والحارة ... ورائحة الياسمين الدمشقي ... والشجرة والتي سميت بالمجنونة لكثافة وردها .... وبيوت تملؤها المحبة والالفة ... والضحكات وعبق الذكريات .. بيوت تسكنها تعابير الفرح ... هنا الصوفة الملونة بألوان الربيع ومخداتها الجميلة الأسطوانية والتي استوطنتها قسمات المرح بصوت جدتي وأمي وحول الصوفة وعلى طفطاف البرندة المطلة على الشارع تنكات من الزريعة تتلون كل ربيع، هنا كانت تتجمع نساء الحارة في زيارة صباحية على فنجان قهوة وسواليف ... هذا البيت ولدنا فيه ... لعبنا في ارجائه ...رسمناه بدواخلنا ... كل زاوية فيه تضم أحلى الذكريات .... هنا الراديو الكبير ذو المؤشر القماشي موضوع عند زاوية الصالون مزين بشرشف أبيض ومزهرية برتقالية بها وردات ربيعية من الورد البلدي ذي اللون الزهري، وعلى اليمين ماكنة الخياطة اليدوية سنجر ولها غطاء خشبي ومازال وجهها لأمي يطل بمخيلتي وهي تلظم أبرة الماكنة لتخيط ثيابنا .
كان مطبخنا مولاً صغيرا يحوي كل المونة من رب البندورة المصنوع يدوياً ومرطبنات التطلي . والمخللات، والمقاديس من زيتون وباذنجان ومجادل البصل والثوم ومرطبانات اللبنة المدحبرة والجبنة البيضاء والسمن البلدي والكشك والبرغل والجميد ووو كلها تعبق برائحة ذكرى وحنين.
بيتنا الصغير شهد ولادتي ومدرستي وصوت أمي حين كانت توقظني للذهاب الى المدرسة، ومن بيتي نبتت احلامي ونمت، ومن سطح بيتنا تعلمت علم الفلك حين كنت أفترش السطح بفرشة الصوف، وبصمت الليل أعد النجوم واعرف اسماء الكواكب من المشتري إلى زحل، والمريخ، أناجي القمر واحتضن راديو الترانزستر. واسمع لسيدة الشرق ام كلثوم الاطلال، وانت عمري ، وهذه ليلتي .
بيتنا الجميل الحلو تغبر، وتلك الدالية والتي كان لها معرش وصلت الطابق الثاني، هوت كأنها تعلن زعلها يوم الرحيل، وتلك الياسمينة ذبلت وحتى الملوخية صارت بلا طعم؛ يوم صارت تباع بأكياس بلاستيكة مفروطة ليس فيها روح الحارة، كانت النساء في ذلك الزمن يجتمعن على عتبات البيوت يلقطن الملوخية والبامية ويسمعن اذاعة عمان وصوت كوثر النشاشيبي ( ما يطلبه المستمعون )
كلهن ذهبن إلى دار الحق؛ ولكن الذكرى تبقى لترسلنا لزمن كان أحلى وأجمل وأروع.

مطاحن زمان
يا رغيف الخبز يكفيني سنة

حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي كانت المطاحن موجودة في كل مدينة وقرية، فمثلاً كانت مطحنة زعيتر والوطنية في الزرقاء، واحدة في وسط السوق والأخرى أول الغويرية، كنا نوصل القمح البلدي المغربل القادم من الحصن بشوالات خط أحمر إلى تلك المطاحن ليخرج طحيناً بلدياً، وكان كل من يذهب للمطحنة يخرج معفرا بالطحين، وكان يتم أخذ القمح للمطاحن على ظهور الحميرـ إذ كان لها مربض في المطحنة ـ ويتم طحنها دقيقاً ... . او جرشها برغلا... يلقون حمولتهم في فضاء الطاحونة.. يربطون حيواناتهم بحبل يلفونه حول شيش حديد.. او وتد خشبي يدقونه في الأرض.. بانتظار دورهم في الطحن.. ويتم صب الحبوب في قمع الطاحونة.. وعندما يقتربون من قايش التدوير ليهرعوا متزاحمين على الباب هربا من مسخ وجوههم بغبار الدقيق، وكانت الناس عموماً لا تشتري الخبز من المخابر الجاهزة؛ بل تهيىء العجين في البيوت بواسطة لقن نحاسي كبير ما زال موجودا لدي، ويضاف الى العجنة قليل من الطحين الزيرو، ويغطى اللقن حتى يتخمر طول الليل، وفي الصباح يحمل الفرش إلى الفرن بعد تقريص العجين على شكل كرات ويتم وضعة على سدر، ومن أشهر الأفران في مدينة الزرقاء فرن (أبو شحادة) في شارع الفاروق وفرن (أبو حامد ) أول الغويرية، ويتم رق العجين وفرده وتنقيشة بأصابع اليدين؛ فيخرج الرغيف ساخناً مسبحاً خيرات الخالق، أما من يفضلون خبزاً من نوع أخر وكان يطلق علية ( الأفرنجي ) يلجأون إلى فرن السوق ومخبز الوفاء والعمال، وكانت معظم العائلات تستعين بأولادها لأيصال العجنة وجلب الخبز المخبوز المشروح وحتى وصوله للبيت يمرط رغيفا أو رغيفين ( الخبز الحاف بعرض الكتاف ) وقد تخبز العائلة لعدة أيام، وكان الخبز يؤكل كله حتى لو بقي فتات منه فالخبز نعمة وكما علمتنا جداتنا حيانة، أما خبز السوق كان يقال عنه ما فية بركة؛ ولكن كنا ونحن صغار نحب خبز السوق حتى كبرنا وعرفنا قيمة الخبز البلدي المشروح فقد كنت أسمع أن خبز السوق إن بات لا يعود صالحاً للأكل. كم انت جميل أيها الزمن الجميل عندما كانت تتزاحم العجنات عند بسطة الفرن والناس يتنادرون ويتكلمون والضحكة تعلو الشفاه، لم تكن تكنلوجيا افران الكهرباء قد غزتنا، كنا نسمع صوت ناظم الغزالي «وأن وردت النور تناوشي الرغيف يا رغيف الخبز يكفيني سنة».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش