الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هتلر وترمب وحصيلة التاريخ الرديء

د. مهند مبيضين

الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 1037

التاريخ دوماً يأتي بالمفاجآت، ومجيء ترمب رئيساً تجسيد لذلك التاريخ الذي يتكرر، وقد حدث أن رمت حركة التاريخ بأشخاص من القاع إلى الواجهة، أو من اللامتوقع إلى الواقع، وكثيرون توقعوا أن ترفض الانتخابات شخصاً مثل ترمب، لكن العكس هو ما حدث. فالديمقراطية الكاملة ليس شرطاً أن تأتي بالأفضل. هنا نتذكر رأي الفيلسوف اليوناني افلاطون الذي رأى أن الديمقراطية تجنح للاستجابة لرغبات الناس ولا تعمل للمصلحة العامة.
قادة كثر وصلوا من العتمة إلى سدة الرئاسة، لكن ذلك الوصول كان مرتبطاً بثورات أو بحركات احتجاج، وبعضهم جاء للمقدمة كي يكون خلاصاً أو نهاية لمرحلة من مراحل الصراع، أو محاولة للخروج من أزمة اقتصادية، حدث ذلك في ألمانيا حين ضرب الركود الاقتصادي العالم إبان الازمة العالمية الكبرى 1929 فبعد نحو عامين وفي انتخابات عام 1932 حصل الحزب الاشتراكي الوطني «النازي» في الرايخ الألماني/ البرلمان على أكثرية 33 مقعدا، وبعد عام رشح النازيون هتلر لمنصب المستشار، ليفوز باعتباره يمثل الأمل والخلاص لألمانيا لكي تخرج من واقعها. كان هتلر صعد بشكل مفاجئ من مُخبر في بارٍ تحت الأرض، إلى رجل حزب وحاكم لألمانيا.
 آنذاك انتشرت في ألمانيا البطالة، وبقي صدى هزيمتها أثناء الحرب العالمية الأولى حاضراً في الذاكرة، كان ينبغي التجاوز، لكن هتلر ما أن تسنم مقاليد السلطة حتى أظهر جنونه وتهوره فأودى بالدولة إلى هزيمة أخرى، في الحرب العاليمة الثانية، وانتهى بها مقسمة وأكثر ضعفاً، لكن حسنة هتلر الوحيدة أنه قاوم اليهود وتخلص منهم.
ترمب جاء على خلفية ولاية أوباما الثانية التي ورثت نتائج الأزمة المالية العالمية التي حدثت 2008، وقبيل وصول ترمب كانت أمريكا وصلت لأضعف تأثير في ملفات خارجية، إذ اختار اوباما الاهتمام بالداخل، وتلقى ضربات كبيرة في الربيع العربي في راهنه على الإسلاميين، ومثّل اقتحام القنصلية الأمريكية في بنغازي في الـ 12 من أيلول 2012 على يد متمردين وقتل السفير الامريكي كريستوفر ستيفنز اختناقا صفعة كبيرة.
لم يُفد اوباما القبض على اسامة بن لادن وقتله، بل زادت صورة الامبراطورية ضعفاً بصعود الدب الروسي فلاديمير بوتين، الذي استعاد شبه جزيرة القرم على مرأى التراجع الأمريكي وصدى عقوبات أمريكا وأوروبا له، وتعزز الضعف بظهور داعش 2014 وتسليم الموصل لها وانهيار الجيش العراقي الذي كانت أمريكا انفقت الكثير عليه.
لم يأتِ ترمب للسلطة  2016 عبثاً، كان نتيجة للخيبات والصفقات، والتعهدات التي قطعها للمجمع العسكري والقوى اليهودية التي تحكم الاقتصاد، فجاء بوعد استعادة الهيبة، قال الكثير من التصريحات صباحاً، وتراجع ليلاً، أمطر العالم بوعود، وكان عليه أن ينجز واحداً منها وهو وعد نقل السفارة الأمريكية.
في الـ 31 من تشرين الأول 2017 يُعلن الرئيس ترامب أن قوة أمريكية اعتقلت في طرابلس الليبية مصطفى الإمام أحد الضالعين في مقتل السفير كريستوفر ستفينز، ينتشي الرجل ويذكر جمهوره بخيبات أوباما وبأنه جاء ليستعيد وجه أمريكا القوي، قبل ذلك يخدمه الحظ والتاريخ، ويعود إليها من الشرق بمئات المليارات، ويذكر مواطنيه أنه انجز ما وعد به حين ترشح، من جلب الأموال وفرص العمل.
وعود ترمب قد تُلَمع صورته الهمجية، أمام تجار السوق، لكنها بالمجمل تقضي على صورة أمريكا صاحبة اهم الثورات وحروب الاستقلال في التاريخ 1775-1783 لأنها ثورة مبادئ دستورية قبل أن تكون ثورة حرية واستقلال . وقد تنهي من الذاكرة الإنسانية المبادئ الاثني عشر التي صاغها ويلسون، ومنها حق تقرير المصير، وقد تقوض مقولة مارتن لوثر كينج « دعونا ندرك أن قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه يتجه نحو العدالة «. وقد يرتكب ترمب مزيداً من الحماقات ويشن حروباً ويعود بأمريكا كقوة متوحشة في أسوأ وجه لها حين يكون هو رئيساً لها.
بدأ ترمب عهده بتهديد كيم جونغ إيل حاكم كوريا الشمالية بالويل والوعيد، وتوعد إيران ايضاً، ظلّ كيم إيل على جنونه واستمر كطفل يمسك أسلحة نووية، وتحدى ترمب طيلة عامه الأول، هذا المجنون شرقاً، يختبر صبر مجنون آخر غرباً، ولربما يدفعه إلى قرار مجنون، فيحدث ما هو استثائي منذ حرب فيتنام.
راهناً ليس من الممكن أن يعود ترمب عن جنونه، بل قد يتمادى به، ليحيل الديمقراطية إلى فوضى، ففي زمن سقراط، انتهت أثينا بفعل الديمقراطية إلى العبودية والطاعة والرشوة، فتحول نظام الحكم فيها إلى «نظام فوضوي» يسيطر عليه رعاع باسم الاستحقاق الديمقراطي والمواطنة الحرة، فما كان من سقراط إلا نقد النظام السياسي الديمقراطي، وما كان من المحكمة العليا «الديكاستيرا» إلا ان تحكم عليه بتجرع السم والموت عقاباً له.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش